|
راشد العواني
|
|
2006-09-30 |
كنا أربعة.. سيدي.. ومعه زبون.. وأنا.. أما الشخص الرابع فقد كان يقف في متجر قبالتنا..
يتسلى بتلميع ما أفسدته ليلة الأمس الماطرة من بريق الزجاج وصدق المرايا وكما هي عادة السادة.. لا يشبعون من التهكم على بعضهم البعض أبداً.. ومهما كان.. باشر معلمي عرض مهاراته أمام زبونه الدسم: ـ تصور يا أستاذ.. رجل طويل وعريض كهذا.. ويشتغل شغلة كهذه.. يا عيب الشوم. رد الزبون بصوت حيادي وهادئ : ـ سيدي.. رزق, على الذي خلقه ـ ثم على ذلك السيد الذي شغله عنده. عندها.. انتفض معلمي كثور هائج عندما سمع كلمة " سيد " تلك الكلمة التي لم يفهمها مطلقاً: سيد؟ تقول عن ذلك المفعوص "سيد" طيب.. إذا كان هو سيداً فماذا إذن تسميني أنا وأنا ابن الأربعين عاماً في الكار. شعر الزبون آنذاك بمدى اتساع الجرح الذي أحدثه في مشاعر ابن الأربعين عاماً في الكار: ـ أنت؟.. أنت سيد التجار.. كلهم !.. نعم جميع التجار.. ودون استثناء.. وبالفعل.. تلك العبارة اللبقة فعلت فعلها في جوارح المعلم الثائرة الذي استدرك بدوره.. وبابتسامة مرة: ـ بسيطة.. بسيطة.. بل وكما قلت يا أستاذ , رزقه على الذي خلقه.. ثم على ذلك الشخص.. آل.. أل.. نعم.. الـ.. سيد!! مرت لحظات من الصمت.. عكرها صوت قرقعة الشاي التي كنت أصبها للزبون الهادئ.. بعد أن انتهيت.. رمقني معلمي بابتسامة ساخرة.. ثم تابع نصائحه السديدة : ـ بكل حال.. أعماله.. بسيطة.. بل وتافهة.. شاي قهوة.. تنظيف.. تلميع.. ثم يقبض في نهاية كل شهر بضعة قروش يستر بها فرجه.. مهما كان أفضل من السرقة.. أو مد اليد للناس.. مرت على الحديث هذا ساعتان.. تمنيت لو سمح لي خلالهما بالكلام.. عندها.. كنت أضفت مهمة جديدة إلى مهام العبيد.. وهي أنه على العبد أن يبتلع دائماً شتائم سيده.. ويصبر على إهاناته المتكررة.. ويكظم غيظه وقهره الذين يعيشان فيه.. وبدرجة عالية من الهدوء.. مهمة صعبة.. لن يفهمها السادة مطلقاً!! نظرت إلى ذلك المسكين مشفقاً على حاله.. ثم استدرت إلى مرآة سكنت خلفي.. نظرت إليها ملياً وهي كذلك.. أمعنت النظر فيّ طويلاً.. وبدقة.. لمحت داخلها زبوناً يدخل المتجر المقابل لمتجرنا.. طنّت أذناي معاً.. وبنفس القوة.. إذن.. و.. حتماً.. لابد أنهم سيتحدثون عني.. ويسخرون كثيراً مثلما هي العادة.. عادة السادة المقدسة..راشد العواني – نادي دوحة الميماس |