|
المواطنة بين الدين والسياسة |
|
|
|
المحامي بديع وسوف
|
|
2006-09-23 |
لا يمكن دراسة أية ظاهرة اجتماعية في صيرورتها وحركتها إلا من خلال مفهوم المواطنة التي تعني مجموعة المواطنين الذين يخضعون لقانون واحد ودستور يحدد شكل الحكم ويفوض المؤسسات بممارسة امتياز السلطة لخدمة جميع المواطنين وتقوم هذه المؤسسات بمهامها تحت مراقبة الشعب صاحب السلطة. وهذا اختصارا ما يسمى بالدولة الحديثة التي تشارك كل أبنائها في إدارة شؤونهم.
ولم تصل الدولة إلى هذا الشكل صدفة بل جاء نتيجة معاناة مريرة ودراسات معمقة دفعت البشرية ثمنها لتصل إلى الشكل الأرقى (حتى الآن) لممارسة السلطة وحل الإشكالية بين الحاكم والمحكوم. فالمواطنة من حيث النتيجة تعني التساوي في الحقوق والواجبات لكافة المواطنين دون التمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس وهذه الحقوق مثبتة في الدستور حكما وبالتالي فمن واجب كل مواطن الحرص على حقوق غيره أولا وبذلك يضمن حقوقه ويحددها اجتماعيا وقانونيا من خلال حقوق الآخرين. فالمواطنة تقضي مشاعر ومحبة الآخرين أي أنا كمواطن أعتب على شركائي في الوطن إن لم يحبونني أو لم يحرصوا على حقوقي ووجودي. فلا يكفي أن يقال لي أننا لم نضرك أيها المواطن.. بل واجبهم نحو أي مواطن أن يحبوه وأن يصونوا حقوقه بكل شفافية.. فلا فرق بين الأخوة في الأسرة والمواطنة في الوطن.. فأنا ألوم أخي على عدم التواصل وعدم إحساسه في. وكذلك المواطنة فهي علاقة واعية مقوننة تقوم على التكافل والتضامن لوحدة المصير ووحدة الهدف ووحدة الموروث. فالمواطنة تقوم على احترام كل مواطن من موقعه لآن له نفس الحقوق وأي كان موقعه فهو مهم للمجتمع ويستطيع أن يقدم خدمات جليلة ومتنوعة وبنفس الوقت فإن حقوقه محمية بالقانون الجزائي والمدني والدستور. والمجتمع لجميع أبنائه وليس لأي شخص امتياز على آخر إلا من خلال ما يقتضيه تسيير المرافق العامة وممارسة السلطة التي فوضها الدستور باسم المواطنين إلى شخصيات عامة.. فليس هناك مجتمع له مزاج واحد وشكل واحد بل طبيعة الحياة تقتضي الاختلاف والتمايز وهذا إغناء بحد ذاته فلو عزلنا بعضا من مكونات المجتمع كالأسرة أو الطائفة أو القبيلة أو الدين أو الأحزاب السياسية.. لوجدنا أن هذه تلاوين اجتماعية تكون مع غيرها المجتمع فهي جزء منه وهنا لابد من التنويه أنه لا يمكن لأي منها منفردا أن يكون المجتمع فلا الدين وحده قادرا على ذلك ولا الحزب ولا الطائفة ولا أي من مكونات المجتمع مهما كان ساميا وواسعا لأن ذلك مخالف لأبسط قواعد العقل فالجزء (عنصر) لا يمكن له أن يحتوي الكل (الشامل). كما أنه مع محاولة الدين احتواء المجتمع يكون الدين اختار التسييس وخرج عن طبيعته الأخلاقية التهذيبية لينزلق في معترك البرامج السياسية بحساب الربح والخسارة لقسر المجتمع وضغطه ليصبح على قياس الأيديولوجيا أو أصغر حجما منها حتى يمكن إلحاقه فيها واحتوائه. وصحيح الدين على ما أرى أرفع شأنا. فالدين جاء ليرتقي بالإنسان ويهذب سلوكه ولم يأت ليصبح سلطة تقسر الأخرين على تنفيذ أمرا ما وهذه طبيعة السلطة لأنها تقوم على القسر والقهر والتنفيذ الجبري. فالدين يقوم في القلب فضيلة وإحسان وفعل للخير ومسامحة وتمني بالهداية والرضى من رب (العالمين). أما بالنسبة للحزب السياسي مهما كان واسع الانتشار فلا يمكن له أن يغطي مجتمعا لأنه جزءا منه. وبشكل عام لا يعيش الاتجاه الواحد في المجتمع فالحزب اتجاه واحد وكذلك الأديان أما المجتمع فهو اتجاهات وآراء عديدة وهذه طبيعته وبغير التعددية واحترام الاختلاف لا يمكن أن يوجد مجتمعا أو وطنا. وإذا لم نوجد المجتمع الصحيح الذي يحمي المواطن بانتمائه وعقائده وحريته وأمنه فلن يكون لدينا أي عملية من أعمال البناء الاجتماعية بل كافة الأعمال تودي إلى التهديم بالمجتمع من حيث النتيجة وتتحول الأديان إلى فرقة والأحزاب إلى مكاسب شخصية على حساب المجتمع ويصبح الجميع ضد الجميع ويهرب المستقبل ويتشرد المواطن في وطنه.. أما في المجتمع الذي يقوم على الدستور وسلطة القانون فإن كافة الأعمال التي يقوم فيها المواطن من أي موقع كان سواء حزبيا او دينيا أو مدنيا تكون بناءة. وتكون فيه للأحزاب السياسية والأديان دور إيجابي يقوم على تجميع كافة قوى الشعب وتوجيهها بالاتجاه الصحيح. فمشكلتنا الحقيقية ليست في الأديان ولا في الأحزاب بل المشكلة في الأولويات التي نضيع فيه عمرنا فمثلا من أهم القواعد في الإسلام هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واحترام الجار وفعل الخير والزكاة.. لكن بغياب المجتمع تنقلب الأولويات لتصبح مناقشة في الحجاب وصحة الوضوء وطريقة الصلاة والصوم.. وغيرها من الأمور الشخصية والخاصة أي يغيب المهم (العام) ونغرق في (الخاص) لنصل إلى فقدان المجتمع وبالتالي نفقد ذواتنا ضحايا بالمجان. وبعد أن نقوض المجتمع ونشرزمه طوائف وقبائل وأحزاب واثنيات.. ننزوي نندب حاضرنا ومستقبلنا وحظنا العاثر في مجتمع نحن مزقناه لعدم إعمال العقل الذي يميز بين العام والخاص ويرتب أولويات بناء المجتمع.... المواطنة هذه كما اختصرت هنا لم يداخلها أي مصطلح غير عربي وليكن اسمها أي كان ولكنه النظام الذي يجد فيه الجميع العدالة والاستقرار. وهذا نجده في فكر الكواكبي وابن خلدون وأبن الرشد وطه حسين وحسين مروة... وكافة المصلحين العرب الذين تناولوا مسألة الحاكم والمحكوم. وفي نصوص كتبنا المقدسة وثقافة منطقتنا العربية. التي تقوم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. فالحضارة العربية حضارة حية أعطت البشرية عندما كانت المكتبات عامرة والمفكرون والفلاسفة العرب يجوبون عالم الفكر داخل المنطقة العربية وخارجها عندها كانت الشخصية العربية واثقة قوية لم تجد غضاضة في الاطلاع على الثقافة الأخرى. فثقافتنا غنية بما يكفي لتكون الأساس لمشروع الثقافة العالمي الجديد الذي يحترم الإنسان ككائن حصانته مقدسة في الحياة والأمان والسلام والمشاعر والحرية والحقوق.. وهذه لا تناقض ثقافتنا التي تقوم على احترام الآخر وتقديس حقوقه (الله حق) وبنفس الحال تناقض الثقافة الغربية التي تقوم على رأس المال. وأن انتشار هذه الثقافة في الغرب يعود إلى مناخ الحرية السائد هناك وإلى توفر وسائل الاتصال المتطورة وأيضا إلى تطور المجتمع في كافة عوامله فإن أساس هذه الثقافة العالمية الجديدة كما يراه الشيخ الجليل الهادي العلوي هو شرقي وعربي تحديدا وهو أولا فكر أبي الرشد وهو طبعا ينبع من الاسلام وثانيا: الأناجيل الذي هي من فكر المنطقة العربية وبالتالي فإرثنا الثقافي قوي بما يكفي لنكون أكثر ثقة بالمستقبل وبالثقافات الاخرى. ملاحظة أخيرة: لاشك أن طبيعة السلطة وممارستها تتناقض كليا مع طبيعة الدين.. ولم نجد مرة الأديان بأنها حصنت السلطان ومنعته من ارتكاب الآثام أو وجهته بما يخدم الرعية أو جعلته يتراجع عن (إرادته الملكية) إذا كانت مخالف لله والعباد... بل نجد العكس فالسلطان استغل الأديان لدعم سلطته وتبرير تصفية خصومه السياسيين وإخضاع المحكومين إلى الحاكم سواء في الغرب أو في الشرق. بل ونجد الكثير من الانتهازيين الذين يبررون له الجور والاستبداد بفتاوى مضللة! وأيضا نجد البعض من الفقهاء الإنسانيين الذين يتوجهون إلى السلطان برسائل لهدايته وإعلامه بأنه يخالف صحيح الدين! وللأسف كان مصير أولئك الفقهاء مريعاَ. إذ يعمد السلطان إلى البطش فيهم بتهم الزندقة والكفر أو الهرطقة.. وينفذ فيهم التقطيع والشواء أمام أعين العباد. ليصيروا عبرة لمن اعتبر! فهل يعقل أن يكون هذا العمل موافقا لأبسط مبادئ الدين والأخلاق؟!.. فالسلطان تخلص بذلك من مناوئ له سياسياً، أما الوطن فإنه يعتبر بأنه خسر عالماً أو مفكراً أو فقيهاً من أبنائه. فمسألة التكفير وإباحة قتل المرتد... ألحقت بالإسلام من فقهاء السلاطين الذين أرادوا خدمة السلطة وتقاضوا عليها أجورهم منه. ومن الغريب أن هذه الفتاوي كانت تصدر باسم الله وفي حقيقتها لمصلحة السلطان (والله منها براء)... وتهدف لإخضاع الرعايا لمطلق أهواء السلطان وإرادته.. أما الوطن فإنه العائلة الكبيرة التي تخضع لقانون محدد ودستور معروف يساوي بين كافة أبنائه في الحقوق والواجبات.. واسعا يتسع للجميع يؤدون معتقداتهم ويمارسون أعمالهم ويقفون أمام القانون الذي يمثل الجميع ليحاسبوا على أعمالهم المفيدة أو الضارة التي يلحقونها بالوطن وهذا يحقق العدالة وبغير ذلك لن يكون لنا مستقبلا... فالمواطنة قرابة من الدرجة الأولى أما أخوة الدين أو رفاقية الحزب أو أخوة العائلة فتعتبر درجة رابعة بالنسبة لقرابة المواطنة لأنها الحاضن لكل العلاقات وبدونها يتجه الجميع إلى الخلاف بدل الوئام وتنهدم كل قرابة...
المحامي بديع وسوف
|