|
خالد السعيد
|
|
2006-03-14 |
|
صفحة 2 من 2 -3- لا تكتفي الأسطورة بالانتصار للرجل باني الحضارة والمؤسس الحقيقي لها، بل إنها تلقي باللائمة على الأنثى، وتحملها وزر الهبوط من الجنة إلى الأرض، وما لحق ذلك من تحول الإنسان إلى كائن فان معرض للشيخوخة والأمراض ولعنات الطبيعة. وهنا تستدعي الذاكرة القصة التوراتية الشهيرة حول خلق حواء من ضلع آدم، وهبوطهما فيما بعد من الجنة بسبب استجابة آدم لإغواء حواء. طبعاً هذه القصة تشويه لنص أسطورة رافدينية – تحديداً سومرية – قام به اليهود زمن السبي البابلي. تحولت (سيدة الضلع) أو الإلهة ننتي السومرية والتي أشفت أمراض إله الحكمة والمياه العذبة – انكي - إلى حواء بموجب النسخة اليهودية المزورة، وبدلاً من مداواة أمراض انكي يقوم الرب باشتقاق حواء من(ضلع) آدم، مما يضمن تبعية نسل حواء لآدم. فيما بعد قامت حواء بإغواء آدم لكي يأكل التفاحة المحرمة، فأستحق كلاهما الطرد من الجنة. ولم يكتف الرب بنفي حواء فحسب بل أوقع عليها جملة من العقوبات دون الرجل، حين خاطبها الرب بقوله: " وقال لها الرب: سأضاعف آلامك وأحزانك مضاعفة كبيرة... وستلدين الأطفال بالآلام وحدها... وستكون حياتك خاضعة لمشيئة زوجك... وسوف يظل زوجك حاكماً عليك". وتنفيذاً لمشيئة الرب، فقد مارس اليهودي سلطانه الواسع على المرأة، فارضاً عليها ما يجب وما لا يجب أن تفعله. وكان من ثمرات هذا التسلط الذكوري المرتبط بوصايا الرب فرض الحجاب من قبل بعض الطوائف اليهودية المتشددة على المرأة حتى داخل البيت. كما منحت نصوص التلمود الرجل الحق بالزواج من مثنى وثلاث ورباع. وبمناسبة الحجاب، فقد فرض القانون الآشوري الحجاب على زوجات وبنات كل سيد، وعلى الغواني المقدسات بعد الزواج، أما العاهرات والإماء فكان الحجاب محرماً عليهن، وكانت العاهرة والأمة التي ترتدي الحجاب تعاقب بصب القار على رأسها وتقطع أذنيها. بعبارة أخرى، كان الحجاب أداة للتميز ما بين نساء الطبقات العليا غير المتاحات لمتعة الرجل بدون زواج ونساء الطبقات التحتية المسموح استخدامهن في النشاطات الجنسية. -4- كان لفشل الإنسان الأول في ترويض الطبيعة، وتوجيها لخدمته من خلال السحر، أن وجد العزاء في الدين، أو لنقل أن الدين كان نوعاً من التسليم بوجود قوى هائلة خفية غير مرئية تستطيع أن تحرك الطبيعة وتسيطر عليها. والدين مكون من شقين: طقسي ومعرفي. فالشعائر والطقوس، مثل الصلاة والتراتيل وإحراق البخور وإطعام الآلهة، شكلت في مجموعها الوجه العملي للدين. أما الشق المعرفي وهو الإطار الفكري فقد استند على الميثولوجيا كأداة لتلمس معاني الحياة وكشف أسرار الطبيعة. والأسطورة - كنتاج فكري يلبي طموحات الإنسان الأيدلوجية- أعلى قدراً من الخرافة والحكاية، فأبطالها آلهة ونصف آلهة، وفيها تمتزج الحقيقة بالخيال، وهي حكاية مقدسة تقليدية، تتوارثها الأجيال عبر الزمن، فتتحول إلى مخزن للذاكرة الجمعية، وتنميطاً لسلوكيات معينة. وعلى ما يبدو فإن الرجل بعد إزاحته للمرأة قد صاغ مناخه الأسطوري بالشكل الذي يستوعب تفوقه ويكرس دونية المرأة ومسئوليتها عن ديمومة الشقاء في هذه الحياة. -5- لم تكن الأسطورة سوى محاولات إنسانية مبكرة لتقديم تفسيرات لواقعه، وللإجابة على ما يجري من حوله. إلا أنه لم يلبث إلا أن اهتدى إلى الفلسفة التي استطاعت تحجيم الفضاء الأسطوري، ثم جاءت مناهج العلم الحديثة الصارمة لتدك ما تبقى من حصون الأسطورة، لما تنطوي عليه الأخيرة من عناصر غيبية تتهاوى أمام العقل. لكن القفزات الفكرية للعقل البشري لم تلغي وللابد ما تبقى من الأساطير، والتي وإن تحللت فقد تسربت بشكل أو بآخر إلى لا وعي إنسان الإنترنت والعولمة والغزو الفضائي. وعلى أي حال، فإن طغيان الأسطورة يرتبط عكسياً بمدى تقدم العلم. فالمجتمعات المتحضرة تنزل الأسطورة إلى مستوى الحكاية المسلية والتي لا بأس من استعادتها من وقت لآخر، فيما المجتمعات الأقل تحضراً لا تكف عن بلورة سلوكياتها ومناهجها في التفكير حول أساطيرها التي ورثها الأسلاف. -6- لم يقترح الإسلام بدوره تصوراً خاصاً به لقضية المنشأ والكون والخلق ، بل أن مادة الميثولوجيا الإسلامية مستقاة معظم عناصرها من الميثولوجيا التوراتية. لكن النص القرآني لم يقسو على المرأة، ويتهمها بإيقاع الرجل في حبائل الخطية التي كلفته الخروج من الجنة. وهذا ما يتضح من الآية القرآنية " وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلبنا اهبطوا بعضكم عدو لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين". وإذا افترضنا خلو القرآن من الانحياز لمصلحة الرجل على حساب المرأة، واكتفاءه بتسليط الضوء على (نتائج) مخالفة أمر الله دون إماطة اللثام عن (أسباب) الوقوع في المعصية، فإن نتاجات الميثولوجيا التوراتية قد انساحت وبغزارة إلى الأحاديث النبوية والتفاسير الإسلامية. فالمفسرون المسلمون كأمثال ابن عباس والطبري وابن كثير لا يجدون غضاضة في تكرار القصة اليهودية، وتبنيها جملة وتفصيلاً. لقد نقل الطبري وباطمئنان – وهو أحد أهم المفسرين والمؤرخين المشار لهم بالبنان- عن الحبر اليهودي وهب بن منبه قصة هبوط آدم وحواء من الجنة دون استحضار حسه النقدي. فالشيطان الخبيث يتسلل إلى جوف الأفعى ليبدأ بتحريض حواء على إغواء آدم بتناول الثمرة المحرمة، وبالفعل فإن حواء تجعل شرط تقديم جسدها لآدم مرهوناً بالأكل من الشجرة، حتى حق عليهما غضب الله. ومما يؤكد على تجذر الأسطورة التوراتية وتماهيها مع الميثولوجيا الإسلامية، ودور المرأة التاريخي كجسر يمر منه الشيطان للإيقاع بالرجل في شرك الخطيئة ما يروى عن النبي محمد من أحاديث. فهناك الحديث الشائع "ما خلا رجل بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما"، وكذلك قوله" لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر كله"، وكذلك قوله "إن إبليس الملعون يخاطب شياطينه فيقول: عليكم باللحم وبكل مسكر وبالنساء فإني لم أجد جماع الشر إلا فيها". بالرغم من ظهور فرع جديد من فروع المعرفة، يعنى بدراسة وتشريح الأساطير، يدعى بالميثولوجيا، إلا أن كل الاكتشافات العلمية لم تزحزح بعد كتل الجهل الراسية فوق ما يسمى بالعالم الإسلامي. وستبقى المرأة كما وصفها خطيب المسجد الحرام بمكة (الدكتور) سعود الشريم " مصدر لكل الشرور والمصائب"، وستبقى المرأة مسئولة عن جرم لم ترتكبه أمهم حواء، وستبقى رغم أنفها مطالبة بتسديد ثمن جريمتها الشنعاء من كرامتها وإنسانيتها وشخصيتها. كل هذه الفضائع ستبقى ردحاً من الزمن ما لم يتعلم المسلمون التعاطي النقدي مع النصوص الدينية، وكسر التابو المقدس بدلاً من تقديم المرأة قرباناً لإطفاء غضب الرب. 2004 / 9 / 26 الحوار المتمدن
|