|
خالد السعيد
|
|
2006-03-14 |
|
صفحة 1 من 2
خالد السعيد
-1- تحكي أسطورة أفريقية أن السماء كانت قريبة جداً من الأرض، وكان الله يتدلى من قبة السماء، لدرجة أنه كان يلمس باليد. وفي يوم مفصلي مشؤوم، مرت امرأة تحمل حزمة هائلة من الحطب فوق رأسها، كانت الحزمة عالية لحد أنها لامست قبة السماء. منذ تلك اللحظة، حمل الله الغاضب السماء بعيداً عن الأرض، وابتعد عن مخلوقاته، تاركهم عرضة لقوى الطبيعة الضارية. وفي استراليا، كانت قبيلة بدائية تتداول أسطورة سحيقة القدم لتبرير فكرة الموت. تقول تلك الأسطورة أن البشر كانوا لا يفنون أبداً، فكلما زحفت التجاعيد على جسد الإنسان، استبدل جلده القديم كما تفعل الثعابين. وفي يوم أسود، عادت عجوز لبيتها بعد أن أبدلت جلدها فعادت شابة غضه، لكن أبنها لم يتحقق من أنها تلك هي أمه، فاضطرت للعودة لطبيعتها القديمة حتى تخفف من مخاوفه وشكوكه. ومنذ ذلك الحين، حلت لعنة الموت، وما عاد الإنسان بمقدوره العيش للأبد. وإليك مقاطع منتخبة من الملحمة البابلية التليدة "الاينوما ايليش" والتي تصور بحس شعري رفيع المستوى تصورات البابليين البديعة لنشأة الكون والبدايات المبكرة للعالم: فرفع مردوخ سلاحه الرهيب فيظان المطر ولتعامة الهائجة توجه قائلاً: " كفى ما رأينا من عجرفتك وتكبرك لقد شحنت البغضاء قلبك فحرضت على القتال وأوقعت بين الآباء والأبناء فنسيت حب من أنجبت..... وفي مقطع آخر يصف ما حل بتعامة الهائلة بعد أن صرعها مردوخ المملوء حيوية وقوة: ثم عاد إلى تعامة المقهورة وقف على جزئها الخلفي وبهراوته العتية فصل رأسها وقطع شرايين دمائها التي بعثرتها ريح الشمال..... ثم اتكأ الرب يتفحص جثتها المسجاة ليصنع من جسدها أشياء رائعة: شقها نصفين فانفتحت كما الصدفة رفع نصفها الأول وشكل منه السماء سقفاً وضع تحته العوارض وأقام الحرس...... -2- لعلك لاحظت ثمة وجود نفس متبادل يسري في عروق تلك الأساطير، وكأنها في مجموعها تنويعات تعزف على ذات الإيقاع، وكأن شعوب الأرض قد جلست سوياًً لتكتب ميثولوجيا واحدة متعارف عليها، قبل أن يعاد تفتيتها إلى مجموعة من أساطير، تلتقي عند منابعها الأولى، ولكنها تفترق على مستوى تفاصيل السيناريوهات. أليس غريباً حقاً أن يتم ذلك رغم المسافات الجغرافية الواسعة، وانتفاء وسائل الاتصالات، وهو الأمر الذي يعيق دون تدفق الأفكار وتلاقحها؟. إحدى تجليات الأسطورة أن تعمل كأداة لرصد تحولات المجتمعات البشرية وتبريرها، وهي كما في ملحمة الخليقة البابلية تجسيد للخروج من طور الثقافة الأمومية التي انسلخت بانقضاء العصر النيو ليتي (الزراعي) إلى طور الثقافة الأبوية والتي بدأت تتشكل مع فجر العصر الكالكوليتي (النحاسي). تعامة – الأم الهيولي الأولى – في ملحمة الاينوما ايليش، والتي تصور سرمدية السكون المطلق والصمت الأبدي، ما هي إلا رمز لتلك المجتمعات الأمومية الأولى، وما طبعت به من ستاتيكية وهدوء، سادت فيه الأنثى لدرجة التقديس، حيث كان ينظر لها على أنها المصدر الوحيد للخصوبة والإنجاب، دون أن يفطن الرجل إلى أن الماء الذي يقذفه داخل جسد المرآة مسؤول عن حمل المرأة وتكاثر النوع. أما مردوخ البابلي صاحب الانتصار المؤزر على تعامة البدائية، فهو رمز جلي على صعود المجتمعات الأبوية، وانطلاقة شرارة أزمنة ديناميكية، وإشارة لإرهاصات حضارة لاهثة سريعة التغير.
|