|
قصص صحفية ممنوعة من النشر؟! |
|
|
|
حمود المحمود
|
|
2006-09-17 |
ما إن أركب تاكسي الأجرة حتى تقفز أعين السائق نحو حقيبتي.. إلى القصر العدلي؟، أقول له: لا، إلى الجريدة.. عندها يبدأ السائق حديثه: إذاً أنتَ صحفي.. بالله عليك، قل لي ماذا فعلتم لنا؟.. وهل يردَون عليكم أصلاً..الصحافة في بلدنا (حكي جرايد)! وأنا طبعاً لا أستطيع في كل مرَة أن أبلع مثل هذا الكلام، ولذلك أكرر هذا الكلام لسائقي التكاسي وأخبرهم شيئاً عما استطعنا تحقيقه من تعديل قوانين بل وإلغاء قرارات وقوانين قائمة، وإسقاط مدراء من على كراسيهم وتحويلهم إلى القضاء.. إلى آخره مما يحدث فعلاً، ثم أحدثهم عن التهديدات التي نتلقاها أثناء ممارستنا للعمل الصحفي وفي الصحف الرسمية على وجه الخصوص، وأسوق لهم حالات اضطر فيها بعض الزملاء إلى تقديم مذكرة طلب حماية للنائب العام الذي يكلف بدوره المعنيين بحماية الصحفي فلان. أيضاً أذكر لسائقي التكسي كلمة سمعتها من السفير البريطاني في دمشق بعد فوز أسماء سوريّة ـ من الإعلام الرسمي تحديداً ـ في مسابقة (تومسون فاونديشن البريطانية) للتقصي الصحفي، حين قال إنه وإن كان يشك بوجود صحافة حقيقية في سورية فإنه لا يشك إطلاقاً بوجود صحفيين حقيقيين في هذا البلد، وأسارع بعد هذه الجملة لأضرب أمثلة عن إعلاميين سوريين كانوا شبه مدفونين هنا لكن مواهبهم تفجرت في الجزيرة أو العربية. حكاية جلسة وزارية في أحد اجتماعات مجلس الوزراء في العام الماضي، كان هنالك جدول أعمال كالعادة لكن أحد الوزراء الذي استفاق ربما ذاك اليوم على مقال ينتقده في إحدى صحفنا الرسمية... تنهد الرجل وقاطع من أراد المباشرة بجدول الأعمال قائلاً: يا أخي دعونا نناقش أولاً وضع صحافتنا الرسمية.. ما هذا؟.. نحن نعلم أن كل بلد في العالم فيها صحافة معارضة وصحافة حكومة..والمعروف أيضاً أن صحافة المعارضة تنتقد بينما تتبنى صحافة الحكومة مواقف الدولة..ثم تابع الوزير: ما نلاحظه عندنا أن صحافة الحكومة تأخذ دور المعارضة أكثر من دور الدفاع عن الحكومة! وبعد أن قال الوزير كلمته ونفث ما في داخله، انفجر وزير آخر كان قد أكل مقالاً ناقداً قبل يومين (فآجر) هو الآخر وطالب بوضع حد لهذه الصحافة الرسمية المتمادية، ليعود الوزير الذي تكلم أولاً ويتهم إحدى صحفنا الرسمية- وهي التي انتقدته طبعاً- "بالخيانة".. وهذا الكلام مسجّل في محاضر رسمية حسب علمنا (وعلى كل حال فقد واجهنا هذا الوزير ذات مرَة بما حكاه فتهرّب من الإجابة ولم ينكر ما قاله). هذا الإعلام الذي لا يرضى عنه المواطن ولا يرضى عنه مسؤولونا.. لا نرضى عنه نحن الصحفيين، إذ لا نزال نعتبر أن هامش الحرية المتاح للصحافة في بلدنا هو أقل بكثير مما هو سائد في العالم وما يجب أن يكون.. مع كل ذلك فإنني ذكرت لك قصة تثبت أن وزراء في حكومتنا يضيقون ذرعاً بهذه الصحافة المحلية على علاَتها لا بل وصفها بعضهم بصحافة المعارضة وخوّنها البعض الآخر.. بالله عليك، ماذا كان سيحصل لوزرائنا إذاً، لو نالت صحافتنا حريتها الحقيقية وأطلقت عليهم سهام النقد الصحفي على أصوله؟! أعود لقصة الوزراء المتذمرين مجدداً وأشرح لسائق التاكسي: الخطأ الذي وقع به هذا الوزير عندما وصف صحافتنا الرسمية بأنها صحافة حكومة.. وهنا أشرح للسائق الفرق بين صحافة الحكومة وصحافة الدولة.. مؤكداً أننا من هذا النوع الأخير(وطبعاً أكون متأكدا في كل مرّة، أنّ هذا السائق يكون قد فهم "بالضبط" الفرق بين صحافة الدولة وصحافة الحكومة..عندما يكون أي صحفي سوري فهم عبر التاريخ و"بالضبط" الفرق بين النقد البنّاء والنقد الهدّام على سبيل المثال! تقرير الحريات الصحفية العربي: رقابة رئيس التحرير هي الأقسى لغز في اللقاء الذي اجتمع به السيد رئيس الجمهورية مؤخراً بعدد من الصحفيين في الإعلام الرسمي-وكنت واحداً منهم-جرى الحديث عن أن الإعلام الرسمي يفترض أن يمارس دوراً يمارسه الإعلام الرسمي في سائر أنحاء العالم وهو: (نقد لكن بلا إحباط، تسويق لمشاريع الحكومة لكن بلا تطبيل وتزمير).. تعال واشرح هذا اللغز لرؤساء تحريرنا ومدراء التحرير القابعين في المقاعد الأولى من هذا اللقاء! المقاربة التي قدمها السيد الرئيس يومها للإعلام الرسمي الذي يكون أول من يكشف الخطأ وينتقده بشدة حتى ولو كان على درجة من الخطورة على سمعة البلد وجيشه وقد صرب مثلاً على ذلك ماقامت به مجلة التايم الأمريكية وغيرها رغم تبنيها لسياسة الحكومة في العادة إلا أنها كانت أو من كشف مجازر الجيش الأمريكي في العراق! ثم تابع السيد رئيس الجمهورية بسوق أمثلة تنم عن استيعابه الحقيقي لمهمة الإعلام وبسقف أعلى بكثير مما نتلقاه على الأرض..لذا وجدتني وبشكل لا إرادي ألتفت إلى زميلتي خديجة محمد- وكانت تجلس بجواري في هذا اللقاء- ولأهمس لها: يا ليته رئيس تحريرنا... ذُهلت زميلتي وأطلقت ابتسامة خفيفة..! قنبلة موقوتة بصراحة لم استفق على هذه الأمنية التي همست بها لزميلتي إلى أن غادرنا القصر الجمهوري.. عندما تفكرت بالمثل الذي ضربه عن انتقاد التايم للجيش الأمريكي وكشفه لفصيحة المجازر، وتخيلت ماذا سيحصل لو أن أمراً كهذا حصل وكشفته إحدى صحفنا الرسمية عبر أحد صحفييها.. عندها تخيلوا أن هذا الصحفي يأتي إلى رئيس قسمه حاملاً هذه "القنبلة الموقوتة" فهل سيلطم رئيس القسم على خده أم يرتفع ضغط دمه كالعادة؟..على كل حال لنفترض أنها ارتفعت إلى أمين التحرير مع حاشية لإخلاء المسؤولية موقّعة من رئيس القسم، عندها يحرّك أمين التحرير نظّارتيه إلى الأمام والخلف.. يميناً ويساراً، ثم يرمي بها في ذلك الجرّار الذي ابتلع الكثير من قبلها... ولئن كتب لها حظ ومرقت مثقلة بحواشي رئيس القسم وأمين التحرير ومدير التحرير، فإن رئيس التحرير لن يتردد في اعتبار هذه الحواشي وثائق تدينه إن نظر إلى هذه المادة الصحفية على أنها نقداً بنَاء وليس إحباطاً ونقداً هدّاماً!! بريطاني يسأل عن الفساد في سورية في تحضيره لإعداد تقريره السنوي عن الحريات الصحفية في العالم العربي عن العام 2005، وزع الاتحاد العام للصحفيين العرب استمارة تتضمن أسئلة محددة أجابت عنها النقابات والاتحادات الصحفية العربية، وجاء في النتائج ما نصه حرفياً نقلاً عن التقرير: (يتبيّن من الاستبيان أن رقابة رئيس التحرير هي الأوسع ممارسة في: الأردن، الإمارات، تونس، سوريا، الصومال، قطر، الكويت، لبنان، مصر، المغرب..). إذاً هذه النسبة في غالبية البلدان العربية والتي نحن منها في سورية، ربما تحتاج لضارب مندل حتى يفهم آلياتها، فهي تختلف أولاً من رئيس تحرير لآخر ومن وقت لآخر... ولازلنا نحن الصحفيين بحسب ما أفهم لم نقف مع مد راء ورؤساء تحريرنا على جانب واحد في فهم العملية الصحفية بل ليس مع رؤساء تحريرنا فقط ، فلو بدأنا بالحكومة والوزراء والأجهزة الأمنية (التي ذكرت إجابة اتحاد الصحفيين السوري في الاستمارة أنها لا تزال تتدخل وتستدعي الصحفيين): هؤلاء جميعاً لديهم مفاهيم معاكسة تماماً لما نفهمه نحن الصحفيين أو فلأقل: ما أفهمه أنا على أقل تقدير، فمثلاً سئل أحد زملائنا من إحدى الصحف الرسمية ماذا ستكون وجهة نظر البريطاني على سبيل المثال لو جاء إلى بلدنا وقرأ مقالاتك الفاضحة..ألن يقول: ما هذا البلد المليء بالفساد؟ أجاب زميلنا بهدوء: على العكس سيقول هذا البريطاني: ما هذا البلد الديمقراطي..لأن الفساد موجود في كل مكان في العالم وبنسب مختلفة، لكن الفرق هو: هل هناك صحافة تكتب عنه وتكشفه أم لا؟ ابتزاز مستثمرة أيضاً فكما يفهم وزرائنا النقد على أنه معارضة بل وخيانة كما ذكرنا، فإن رئيس التحرير الذي يعينه هؤلاء الوزراء يأتي إلى الصحافة ليفكر مثلهم: "لا نريد أن ننشر غسيلنا إلى الخارج"..تحت هذه العبارة التي ولدت في زمن كان فيه نشر الألبسة أمراً معيباً أيام (ستّي وستّك).. سقط هذا المفهوم منذ زمن لأن نشر الغسيل يعقّمه ويطّهره كما كتب زميلنا حسن م يوسف. لكن مع ذلك تعال وانزع هذا المفهوم من رؤوسهم، ولذلك فهم مازالوا يفهمون الأمور عكس ما نفهما: أحد تحقيقاتي التي منعت من النشر على سبيل المثال لا الحصر، كان حول معاناة مستثمرة سعودية من العراقيل التي يضعها أمامها أحد الموظفين في محافظة ريف دمشق في محاولة-لدي ما يثبتها- للابتزاز والرشوة! كان الموضوع جاهزاً بالوثائق والصور وهو يكشف من تسبب بتطفيش هذه المستثمرة من بلدنا.. فماذا كانت وجهة نظر رئيس التحرير يا حزركم؟.. اسمعوا: نشر هذا الموضوع سيعطي رسالة للمستثمرين في الخارج أن لدينا موظفين يتقاضون الرشوة ويبتزون المستثمرين! طبعاً رجحت وجهة نظر عدم نشر الغسيل ورفض الموضوع، فماذا كانت النتيجة: مغادرة المستثمرة السعودية إلى بلدها، وترقية ذلك الموظف المبتز إلى منصب أعلى لا يزال فيه حتى لحظة كتابة هذا الموضوع! شارون في المحكمة حسنا، سأذكر لكم أمثلة أخرى لتصوّبوني إن كنت أنا الذي أفهم الأمور بالخطأ: تذكرون يوم جُرجر شارون إلى أقسام الشرطة والتحقيق قبل عامين ونيف حين اتهم ابنه جلعاد بالرشوة مع أحد رجال الأعمال.. رئيس التحرير يتلقى هذا الخبر على أنه "لقطة" وفضيحة تستحق الإبراز والنشر على الصفحة الأولى:"رئيس وزراء إسرائيل يُجر إلى التحقيق" وهو ما حصل فعلاً في جرائدنا... (طيّب) ما رأيكم أن إبراز الخبر بهذه الطريقة، يخدم إسرائيل بتقديمها للقارئ كبلد ديمقراطي يجرجر حتى رئيس وزرائه لمخفر الشرطة والمحكمة حتى وهو على رأس حكمه!! سكوت ... إنها المعركة ومثل هذه المفاهيم ما يكتمون به أفواهنا من قناعات غريبة تقول: يجب إخراس لسان الصحافة المحلية كلما ازدادت الضغوط الخارجية علينا!.. وما معنى ذلك؟ الجواب: "لا نريد ضغوطاً من الداخل والخارج" تحت هذا المبدأ قد يلغى موضوعاً ينتقد الصرف الصحي في إحدى المحافظات أو توصف الجريدة التي تنتقد مشروعاً لأحد الوزراء بأنها "خائنة" تشكل طابوراً خامسا،ً وهو ما حصل فعلاً كما أسلفنا.. ولدينا مقولة أخرى جاهزة للخروج في كل زمن لابد أنكم سمعتموها في بعض الأحيان: "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"..وبالطبع فنحن كما تعلمون دائماً في معركة ولم ننس أن نستخدم ذلك في أدبياتنا: "معركة" البناء والتطوير، "معركة" التقدم، "مواجهة" العولمة، "مجابهة" تحديات اقتصاد السوق، "مكافحة" البطالة، "محاربة" الفساد.. وتستمر المعارك.. بدون كلام!! 15/9/2006مجلة ميديا والعلاقات العامة
|