|
علا صالح
|
|
2006-09-17 |
كان أبو خالد(اسم مستعار) جالساً يلتقط أنفاسه في حديقة السبكي بدمشق, بعد جولة تسوق منزلي. التقيته يدخن سيجارته بعمق، له من السنوات 47، تزوج خلالها مرتين. لعبت الزوجة في حياته دورين متباينين كلياً، وكان تفاعله مختلفاً في كلتي الحالتين.
دام زواجه الأول 11 عاماًَ. أرغم زوجته "الذكية" حسب تعبيره على ترك عملها خلاله. وكان يدير دخله حسب احتياجات منزله، إلا أن زوجته لم يكن لها دوراً في الإدارة المالية للمنزل. لكنها كانت هي من تقرر القرارات الأساسية في حياة الأسرة. فكما يقول هذا الرجل: "زوجتي الأولى كانت ذكية وعملية وتوجهني. لطالما كان رأيها مصيباً على الرغم من عدم اعترافي بذلك". كانت تشاركه حتى في قرارات عمله. فهي ابنة تاجر ولها رأي ممتاز في المقاولة، مجال عمل زوجها. إلا أن هذا الزواج لم يستمر. فلم ترزق زوجته أطفالاً. أما الزوجة الثانية وأم الأولاد، فهي جميلة جداً, ذات تأهيل علمي متدنٍ, من أسرة بسيطة وأصغر منه بـ 10 سنوات. يقول: "ليست كما أريد. فهي ليست عملية أو ذكية. وتحتاج إلى من يوجهها". لا تعمل الزوجة الثانية لعدم الحاجة الاقتصادية لذلك، ولا تدير أمور المنزل المالية أيضا كما لم تأخذ قرار الإنجاب، غاية زواجه منها، على عكس زوجته الأولى، لم تتخذ هذه الزوجة أي من القرارات الأساسية في حياة الأسرة، كما لم يستطيعا تنفيذ أي مما اتفقا عليه قبل الزواج، رغم مرور خمسة عشرة عاماً على زواجهما. هي ذي قصة امرأتين مع الرجل ذاته. إلا أنه لم يجد نفسه ذات الرجل مع كلتيهما, مما قد يعني أن درجة تمكين المرأة على مستويات عدة( التعليمي والعملي والخبراتي و..) تلعب دوراً هاماً في تكافؤ علاقتها الزوجية, كما قد تؤثر الخلفية الاجتماعية والتربية في تشكيل ملامح علاقتها بزوجها. يمثل أبو خالد جيلاً يرى في المرأة شريكةً في كل القرارات إلا ما يخص الإدارة المالية لحياة الأسرة, لكن "أولاد" أبو خالد(الجيل الشاب) لهم رأي آخر حول دورها في حياة الأسرة وينظرون إليها كشريك أساسي في الإدارة المالية للأسرة.
هذا ما دار حوله استبيان أجريناه على عينة مؤلفة من 46 شاب وشابة مناصفة، تراوحت أعمارهم بين 20-25 سنة، في كليتي الهندسة المدنية والمعمارية، والمدينة الجامعية بدمشق. وعينة أخرى من المتزوجين مؤلفة من خمس سيدات وست رجال تراوحت أعمارهم بين 40-65 عام، وتراوحت سنوات الزواج بين 15-20 عام. التقيناهم في حديقة السبكي و حي الحمرا بدمشق. وقبل أن نحاول قراءة النتائج التي توصلنا إليها، فلنستعرض إجابات العينتين. فيما يخص الأسئلة المتعلقة بالتصرف بدخل الرجل، وكان من الملفت أن معظم الشابات والشباب يعتقدون أن التصرف بدخل الرجل يجب أن يكون مشتركاً (15 ذكورا- 16 إناث). و ذهبت النسبة الأكبر في إجابة الشباب والشابات إلى القرار المشترك في الإنجاب، مما يعكس وعياً كبيراً للدور المشترك للرجل والمرأة في أحد أهم القرارات التي تتخذ في الأسرةأما القرارات الأساسية في حياة الأسرة، كالانتقال إلى مدينة أخرى والقرارات المتعلقة بالأولاد .. فلم يعتقد أي من الشباب أن المرأة ستتخذ قرارات من هذا النوع. فيما رأت 21 شابة أن هذا القرار سيكون مشتركاً بين الرجل و المرأة, مما يعكس الرغبة عند الشابات لاعتبارات العلاقة المشاركة. وعن مشاركة الزوج في الأعمال المنزلية، نلاحظ رغبة الجيل الشاب، شبابا وشابات بالمشاركة في العمل المنزلي (20 ذكور- 21 إناث). مما قد يدل على وعيٍ لاعتبار العمل المنزلي واجباً مشتركاً على كليهما.من أهم المؤشرات الإيجابية في إجابات عينة الشباب كان القرار المشترك في الإنجاب وعدد الأطفال، الذي يعد من أهم القرارات التي تتخذ في حياة الأسرة، مع ما يترتب عليه من أعباء. ومما يثير الاهتمام أن شخصاً واحداً (شابة) من أصل العينة الكلية للشباب (46) تعتقد أن تداخلات المجتمع تؤثر في قرار الإنجاب. بالتالي من الممكن اعتبار ذلك تراجعاً لدور تدخلات المجتمع المختلفة في اتخاذ القرارات الأساسية داخل الأسرة. ما سبق يؤكد فهم الشباب والشابات المشترك لدور غير نمطي نسبياً لكل من الرجل والمرأة في الأسرة.جدير بالذكر أننا اضطررنا لشرح ما نعنيه بإجراءات تتعلق بوضع المرأة الصحي، لجميع الشباب في العينة، دون استثناء. مقابل عدم الحاجة إلى التوضيح لأغلب الشابات. مما يعطي مؤشراً منخفضاً لمدى وعي الشباب لمفاهيم الصحة الإنجابية واحتياجاتها. أيضاً، من الملفت للانتباه أن الشباب المرتبطين عاطفياً لا يرون في عمل المرأة حاجة (10 من أصل 13). بينما رأى نصف الشباب المرتبطون (5 من 10) أن عمل المرأة ضروري. مما قد يعني أن وجهة النظر تتغير مع الاقتراب من الحياة الزوجية عملياً, فكيف إذاً بعد الزواج؟ كانت هذه هي وجهات نظر الشباب والشابات الذين يسعون إلى بناء أسرة في المستقبل. فلنرى كيف مارس المتزوجين تلك التفاصيل.لا تعمل أي من السيدات اللواتي سئلن (5) لضرورة اقتصادية. بينما رأى نصف الرجال الذين سئلوا أن زوجاتهم يعملن لضرورة اقتصادية. مما قد يعكس اختلافاً في تقديرات كل من الرجل والمرأة لعمل المرأة بين ضرورة اقتصادية وحاجة نفسية اجتماعية. وهنا أيضاً جدير بالذكر أن رجلين فقط في عينتي الرجال والنساء يتصرفان بدخلهما، فيما تتصرف المرأة وحدها، أو المرأة والرجل بدخل الرجل وفق باقي العينة (9 من 11). أما عن قرار الإنجاب ، فقد كان قراراً مشتركاً على الأغلب(10 من11 ). و شارك ثلاثة رجال فقط من أصل11 في الأعمال المنزلية. و اتخذ (7 من 11 ) منهم القرارات الأساسية بشكل مشترك. ولم يناقش 3 من 6 في عينة الرجال التفاصيل السابقة بسبب قصر فترة التعارف بين الشريكين. بينما الباقون فناقشوها وحققوها نسبياً بعد الزواج ويؤكد د. ماريو رحال أن" فترة التعارف يجب أن تكون مناسبة تناقش فيها كل تفاصيل الحياة المستقبلية." وفي عينة النساء، 1 من 5 ناقشت هذه التفاصيل مع شريكها قبل الزواج، إلا أنهما لم يستطيعا تحقيق ما اتفقا عليه. بنما الأربعة الباقيات لم تناقشها, ما قد يكون بسببه العادات والتقاليد حسب د. رحال.في قراءة لنتائج العينتين مع الأخذ بالحسبان خصوصية المنطقة(العاصمة) و ضيق الشريحة عددياً، نجد أن الشابات يرغبن بالعمل بعد الزواج، في حين أن المتزوجات فضلن التفرغ لتربية الأولاد. ما يدل على تغير نظرة المرأة إلى عملها بعد قدوم الأولاد.بين إجابات عينة الشباب، وعينة المتزوجين، يظهر أثر التزامات الحياة العملية جلياً في قولبة وجهات نظرهم وتكييفها مع واقع ما بعد الزواج. إلا أن ما يعول عليه هو إدراك الجيل الشاب لعلاقة الرجل والمرأة في المجتمع الجديد، بصورة متكافئة إلى حد بعيد. قد تكون قاعدة انطلاق في إرساء مفاهيم الجندر في المجتمع، خاصة إذا أمنت قاعدة خدمات اجتماعية ملائمة لهذه التصورات. وتزيد أهمية هذا مع تراجع أثر تداخلات المجتمع في قرارات الأسرة. رغم أن غياب هذا الأثر في إجابات المتزوجين يثير الأسئلة فيما إذا كان غائب حقاً أم لا.ويأتي رأي علم النفس في النتائج السابقة من خلال الدكتور ماريو رحال أستاذ علم النفس في كلية التربية بجامعة تشرين الذي يرى أن السبب في تغير وجهات النظر بعد الزواج هو معالجة الطرفين للأمور ببعدها الرومانسي , ناسين مناقشة تفاصيل واقع ما بعد الزواج الذي ينصدمون به لاحقاً. كما يوضح أن السبب في انعدام التوازن بين النجاحين المهني و الأسري هو صراع الأدوار الذي يعيشه الزوجان فهما لا يعملان ليحققا ذاتيها بل ليثبتا أنهما ندين لبعضهما. وهنا نعود إلى أبي خالد الذي منع زوجته الأولى من العمل خوفاً من نديتها له, وشكى تبعية زوجته الأخرى, و تبقى المرأة معلقةً بين مطرقة الرجل و سندان المجتمع. قدمت هذه المقالة كتطبيق عملي في الورشة التدريبية التي أقيمت تحت عنوان "نحو مشاركة أوسع في التنمية البشرية". والتي أقامتها وزارة الإعلام, بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي, والمركز الدولي للصحافيين, حول "إعداد تقارير صحفية حول قضايا التنمية البشرية", في فندق الشام بدمشق, في الفترة الواقعة ما بين 27 آب و3 أيلول 2006 .(دراسة مقارنة ما بين رؤية الشباب لأسرة المستقبل، ورؤية متزوجين)
|