|
نجيب محفوظ الواحد المتعدّد.. بين جماليات السرد واستجابات التلقي |
|
|
|
نذير جعفر
|
|
2006-09-17 |
الآن، وقد هدأت قليلاً روحه من صخب الرثاء والتصريحات والشــهادات الصحفية العاجلة في شخصيته وأدبه، أصبح من الممكن التوقّف عند الرجل وإبداعه بشيء من التروّي والأناة،
كما أصبح من الممكن الاحتفاء به والدعوة إلى تكريمـه بإعادة قراءته والنظر فيما كتب عنه قبل وبعد (نوبل)، وهو كثير، بعيداً عن هالة التقديس التي أحيط بها، هذه الهالة الباهرة التي تجعله فوق المراجعة وفوق النقــد، فتضرّ بنتاجه بدلاً من أن تضعه في دائرة الحوار وتجاذب وجهات النظر التي تعمّق فهمه وتتيح الاستمتاع بعوالمه، والتفاعل معها وجدانياً ومعرفياً. لم يأت نجيب محفوظ (1911 ـ 2006) من فراغ، فقد مهّدت لمجيئه ثورة 1919 وما تلاها من أحداث عاصفة، وحراك سياسي وثقافي واسع. وفي ظل الصراع المحتدم بين زعيم حزب الوفد سعد زغلول والاحتلال الإنكليزي وما رافقه من تظاهرات عارمة، تكونت أولى بذور الوعي الوطني والسياسي لدى محفوظ. أما على المستوى الأدبي فقد عاصر محفوظ الجيل السابق، جيل محمد مندور، وسيد قطب، وأنور المعداوي، وعبد الرحمن شكري في النقد الأدبي. وجيل محمد حسين هيكل، وطه حسين، والعقاد، والمازني، وتوفيق الحكيم، ويحيى حقي في القصة والرواية. وقد صدرت روايــة (زينب) لهيكل في العام 1914, وهي أول رواية مصرية تحققت فيها الشروط الفنية بعد مخاض ثلاث تجارب سبقتها هي (علم الدين) لعلي مبـارك، و(حديث عيسى بن هشام) للمويلحي، و(ليالي سطيح) لحافظ إبراهيم.كما صدرت للحكيم ثلاث روايات هي (عودة الروح) 1933، و(يوميات نائب في الأرياف) 1937، و(عصفور من الشرق) 1938. وصدرت لطه حسين (الأيـام) 1929، و(دعاء الكروان) 1934. وكل هذه الأعمال سبقت صدور (همس الجنون) في العام 1938 وهي أول مجموعة قصصية لنجيب محفوظ. أما يحيى حقي فقد تأخر في إصدار مجموعته (قنديل أم هاشم) بعدما نشرت متفرقة في الصحف حتى عام 1944. الرواية التاريخية:عالمه الروائي الغنيّ والمتنوّع موسوعة الحياة المصرية في القرن العشرينفي هذا المناخ السياسي الثقافي الذي نشطت فيه أيضاً الترجمة عن الآداب العالمية، وشهد معارك نقدية ساخنة، بدأت شخصية محفوظ تتبلور، وكانت أولى مراحله ما اصطلح على تسميتها بـ (الرواية التاريخية) أو (المرحلة الفرعونية) ونحن نميل إلى المصطلح الأول، لأنَّ توصيف هذه الروايات بالفرعونية ينصرف إلى مضمونها لا إلى خصائصها, وفي كلتا الحالتين تبقى هذه التسميات من باب الاجتهاد المدرسي الذي يعنى بالتصنيف العام لا أكثر ولا أقل. وقد أصدر محفوظ في هذه المرحلة: (عبث الأقدار) 1939، و(رادوبيس) 1943، و(كفاح طيبة) 1944. لم يعد محفوظ إلى تاريخ مصر الفرعوني ليحاكيه ويوثقه في تلك الروايات، وإنما عاد إليه عبر مخيلته ونزعته الرومانسية المبكرة ليعيد إلى الأذهان صور البطولة، ويستنهض من خلالها الهمم في مقارعة الاحتلال والاستبداد، وليخرج ذلك التاريخ المحنّط إلى الحياة من جديد رابطاً بين الحاضر والماضي، وباثاً فيه من روحه ما يجعله قادراً على العيش خارج المتاحف، في عقول الناس وقلوبهم, عبر حكايات شائقة عن الحب والتضحية والصراع بين العاطفة والواجب. ويشير الناقد إبراهيم درويش إلى أن كاتبنا كان ينوي التحول إلى كتابة تاريخ مصر الإسلامية، لكنه قرر تجنب الموضوع لأن جرجي زيدان اللبناني الأصل أنجز المهمة قبله. ومهما يكن من أمر فقد توقف محفوظ عند هذه الروايات التاريخية الثلاث مع أن النقاد قابلوها باستحسان كبير. فقد كتب سيد قطب في العدد 586 من مجلة (الرسالة) في العام 1944مشيداً بروايـة: (كفاح طيبة) قائلاً: (لو كان لي من الأمر شيء لجعلت هذه القصة في يد كل فتى، ولطبعتها ووزعتها على كل بيت بالمجان، ولأقمت لصاحبها الذي لا أعرفه حفلة من حفلات التكريم التي لا عداد لها في مصر للمستحقين وغير المستحقين). الواقعية الكلاسيكية:أما المرحلة الثانية في مسيرة محفوظ الروائية التي اصطلح على تسميتها بـ(الواقعية) أو (الواقعية الكلاسيكية) التي تعنى, على حد تعبير الناقد أنور المعداوي، بالتفصيلات الكثيرة، وتحاول أن ترصد كل شيء، وأن تفسر كل شيء، وتهتم بالترتيب الزمني للأحداث، فقد بدأت بروايته (القاهرة الجديدة) التي صدرت في العام 1945، ثم تبعتها (خان الخليلي) 1946، و(زقاق المدق) 1947، و(السراب) 1948، و(بداية ونهاية) 1949، والثلاثية(بين القصرين، السكرية، قصر الشوق) 1957. في هذه المرحلة التفت محفوظ إلى الواقع المعيش في مصر قبل ثورة تموز 1952 وما يمور فيه من أحداث وتحولات، وتيارات سياسية، فبرزت في أعماله نماذج من اليسار المصري، والإخوان المسلمين، والوفديين، كما برزت نماذج من الطبقة الوسطى، وذات الدخل المحدود. وركز فيها محفوظ على الصراع بين القديم والجديد، بين الخير والشر، والفضيلة والرذيلة، والسمو والانحطاط. كما رصد تحولات المجتمع المصري والحركة الوطنية والعمل السري ضد الإنكليز عبر ثلاثة أجيال في الفترة الواقعة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية (1917 ـ 1944)، ولا سيما في الثلاثية الموسومة برواية الأجيال أو (الرواية النهرية) كناية عن تتبع مصائر الأبطال فيها من المنبع إلى المصب، والتي برزت من خلالها شخصيات نموذجية تجسد تلك المرحلة مثل كمال عبد الجواد، والسيد أحمد عبد الجواد (سي السيد) وسواهما. وعلى مستوى السرد والحوار باتت تتوارى البلاغة الكلاسيكية في هذه المرحلة، وتحل مكانها اللغة المبسطة المطعّمة باللهجة المحلية، التي تنسجم مع منطوق الشخصية وموقعها الطبقي والمهني والعلمي وعقيدتها الفكرية والسياسية. وقد تلقى الدارسون والنقاد هذه الأعمال باهتمام بعدما أثبت محفوظ حضوره، فعلّق طه حسين على (زقاق المدق) قائلاً: (إن لهذا السفر قيمتين خطرتين حقاً، إحداهما أنه قصة متقنة رائقة لا تكاد تأخذ في قراءتها حتى تستأثر بك استئثاراً كاملاً وتشغلك عن كل شيء... أما القيمة الثانية الخطيرة لهذا السفر الضخم فهي أنه بحث اجتماعي متقن كأحسن ما يبحث أصحاب الاجتماع عن بعض البيئات يصورونها تصويراً دقيقاً ويستقصون أمورها من جميع نواحيها). وهذه الملاحظة من العميد تشير إلى أهمية عنصر التشويق عند محفوظ من ناحية وإلى طغيان النزعة التسجيلية من ناحية ثانية، والتي يرى فيها عنصراً إيجابياً. فيما ينتقد أنور المعداوي هذه النزعة التي يصفها بالواقعية التصويرية مفضلاً عليها الواقعية الإيحائية التي ستبرز في الأعمال اللاحقة لمحفوظ. لكن ما يسجل للعميد في تتمة تعليقه حول هذا السفر ملاحظته الذكية التي تتعلق بلغته، إذ يقول: (وهو مكتوب في لغة فصيحة سهلة قد برأت من التكلف وامتازت بالإسماح، تتخللها بين حين وحين عبارات شعبية تقرؤها فلا تضيق بها، ولا تحس تنافراً بينها وبين ما حولها من هذه اللغة السمحة المستقيمة). ولعل تسامح طه حسين في استخدام العامية يشير إلى حسن توظيف محفوظ لها في السياق السردي دون أن تحدث نشازاً في بنية الرواية، كما تشير ملاحظته إلى تخليص محفوظ للغة الروائية من التنميق والتزيين البلاغي اللفظي الذي كان غاية بحد ذاته قبل محفوظ بشكل عام. إن استجابات التلقي النقدي لروايات محفوظ في هذه المرحلة كانت تنشغل بالمضامين، وقلما تتوقف عند التكنيك الفني الذي تقوم عليه، باستثناء بعض الإشارات الجزئية هنا وهناك إلى لغة الكاتب أو إلى طريقة التصوير، مهملة إلى حد كبير البناء الروائي بكليته، وبتفاعل عناصره من تقنيات وفضاء زماني ومكاني وصراع داخلي وخارجي بين الشخصية وذاتها والشخصية وشرطها الاجتماعي. لذلك نجد أن جل نقاد هذه المرحلة يقدمون ملخصاً للعمل الذي يدرسونه، وغالباً ما يستأثر باهتمامهم الأول، ويأخذ القسط الأكبر من مقالاتهم أو قراءاتهم النقدية. كما ينصب اهتمامهم في أحيان كثيرة على المؤلف وليس على نصه، وهذا ما نراه في قراءة طه حسين لرواية (بين القصرين) الجزء الأول من الثلاثية التي يقول عنها: (كل شخصية في الرواية دليل واضح قاطع على أن الأستاذ نجيب محفوظ قد انتفع بما سمع في كلية الآداب من دروس الفلسفة. لم يصبح فيلسوفاً ولا مؤرخاً للمذاهب الفلسفية، وإنما أصبح فقيهاً بالنفس الإنسانية، بارعاً في تعمقها وتحليلها، قادراً على أن يضع يد قارئه على أسرارها ودقائقها). وتكثر أحكام القيمة فيما كتبه هؤلاء النقاد، فيما تتراجع إلى حد كبير الأحكام الفنية التي تستخلص من البنية الفنية للرواية وتحققها عبر أدبيتها لا مضمونها الاجتماعي أو السياسي، وهذا ما نراه في قراءة سيد قطب لرواية (القاهرة الجديدة) التي يقول عنها: (من دلائل (غفلة النقد في مصر) أن تمر هذه الرواية القصصية (القاهرة الجديدة) دون أن تثير ضجة أدبية أو ضجة اجتماعية...هي قصة المجتمع المصري الحديث وما يضطرب في كيانه من عوامل وما يصطدم في أعماقه من اتجاهات.. قصة الصراع بين الروح والمادة، بين العقائد الدينية والخلقية والاجتماعية والعلمية.. هناك صفحات رائعة قوية في تصوير المجتمع المصري وما فيه من انحلال يشمل الطبقات الأرستقراطية ودوائر الحكومة وآثام الفقر والثراء وآفات المظاهر والرياء). وهنا من حقنا أن نتساءل:هل مجرد الحديث عن الفساد يجعل من رواية ما رائعة؟ ! أم أن روعة الرواية تكمن في فنيتها والكيفية التي تتحدث فيها عن الفساد؟. ذلك هو السؤال الذي كان على السيد قطب أن يجيب عنه، لكنها حال النقد في تلك المرحلة وانشغاله بما تقوله الرواية لا بطريقة قولها له، هو ما كان يستحوذ على اهتمام النقاد في المقام الأول.الواقعية الجديدة: مع (اللص والكلاب) 1961، تبدأ المرحلة الثالثة في مسيرة محفوظ الروائية، هذه المرحلة التي تناولت المجتمع المصري ما بعد ثورة تموز 1952، وقد سبقتها فترة صمت طويلة عن الكتابة علّلها محفوظ بقوله: )الكاتب لا تحرّكه إلا سلبيات الحياة ومآسيها، أما الإنجازات الكبرى فهي تجعله ينام هنيئاً ولا يكتب، وقد انفعلت بثورة يوليو انفعالاً عظيماً حتى إنني توقفت تماماً عن الكتابة من 1952 إلى 1957. وبذلك يمكنك القول بأنني عبّرت عن ثورة بالصمت لأن إنجازاتها كانت مدوية لا تحتاج إلى جانبها أصواتاً أخرى). ولكن ما إن تبدأ الثورة تأكل أبناءها، ويتصدّر المنافقون والانتهازيون المشهد، ويدب الفساد في أوصال الدولة، وتضيق مساحة الحرية، حتى يعود محفوظ من جديد إلى الكتابة مبتدئاً بـ (اللص والكلاب) التي صور من خلالها انكسار الأحلام، عبر بطله الرومانسي سعيد مهران الذي يكتشف قبل معركته الفاصلة مع البوليس أن الخيانة انتقلت من المستوى الخاص (خيانة زوجته نبوية وخيانة صديقه رؤوف علوان) إلى المستوى العام (خيانة الثورة لمبادئها وتخليها عنها).ـ خصوصيته تكمن في صدقه الفنيّ وتصويره الواقعي للبيئة المحليّة ونفاذه إلى جوهر الشخصية الإنسانية عبر صراعها مع نفسها والعالم المحيط.وقد أشار الناقد أنور المعداوي في العدد 939 من مجلة (الرسالة) الصادر عام 1951 إلى أن رواية (اللص والكلاب) شكلت نقلة نوعية في مسيرة محفوظ، وهي تمثّل نقطة التحول من الواقعية الكلاسيكية(التصويرية) إلى الواقعية الجديدة (الإيحائية) (التي تساير روح العصر، وتحل التركيز محل التفصيل وتستغني بالإيحاء عن الشرح، وبذكاء القارئ عن مهمة التفسير، وهي في النهاية تستبدل بالترتيب الزمني للأحداث لوناً من الترتيب الشعوري الخاص بنظرة البطل إلى خريــطة التضاريس النفسيـة لحياته). وتتالت أعمال محفوظ بعد (اللص والكلاب) معرّية الواقع الفاسد وراصدة المآل الذي وصلت إليه ثورة تموز بعد هزيمة حزيران 1967، والآثار التي نجمت عنها فصدرت (السمان والخريف) و(الطريق) و(الشحاذ) و(ثرثرة فــوق النيـــل) و(ميرامار) وصولاً إلى (المرايا) التي أحدثت نقلة في أسلوبه عبر تعدّد الأصوات وأحادية الراوي، ثم (الحب تحت المطر) و(الكرنك) و(حكايات حارتنا) و(قلب الليل) و(حضرة المحترم) إلى أن وصلت أعماله إلى ما يزيد على الخمسين بين رواية ومجموعة قصصية. وفي هذه المرحلة من كتابته كان محفوظ يلون في أساليبـــه، ويطور أدواته الفنية باستمرار، ما جعل أعماله تواكب على طريقتها الخاصة مسار الرواية العربية بأجيالها الجديدة التي أحدثت تحولاً جذرياً على مستوى الشكل والمحتوى لا مجال هنا للحديث عنه. ثم واصل محفوظ تتبّعه للمخاض الاجتماعي السياسي وما تبلور عنه من تيارات فكرية وسياسية في العهد الناصري، ثم ما وصل إليه المجتمع المصري في عهد السادات، عهد (كامب ديفيد)الذي أيّده محفوظ سياسياً، ووقف أبطال رواياته ضده، شأنه في ذلك شأن بلزاك الرجعي في السياسة والتقدمي في الفن. وتعد رواية (يوم قتل الزعيم) شاهداً على عصر الانفتاح والخصخصة الذي لم يجرّ على غالبية الشعب المصري إلا الدمار الاقتصادي والروحي والأخلاقي.الرمز والرمزيـــة: وتأتي المرحلة الرابعة في إبداع محفوظ مقرونة برواية (أولاد حارتنا) العمل الذي ما زال يثير العواصف منذ إيقاف نشره مسلسلاً في (الأهرام) سنة 1959ومنعه في مصر حتى اليوم. ويمثل هذا العمل المرحلة الرمزية في نتاج محفوظ، وهو تجسيد للصراع بين الدين والعلم من خلال شخصيتي الجبلاوي وعرفة، ومحفوظ لاينتصر لطرف على الآخر، بل يحاول أن يقول عبر شخصياته أن في الدين والعلم معاً، وفي تناغمهما وتفاعلهما الخلاق قارب النجاة للبشرية الغارقة في صراعاتها المادية. وقد تلقى النقاد والسياسيون ورجال الدين والأدباء هذه الرواية عبر استجابات متباينة ومتناقضة في كثير من الأحيان. وربما كان السبب الرئيس في اختلاف وجهات النظر وفي تأويلها تأويلاً مغرضاً، كما قال محفوظ نفسه. إنهم ينظرون إليها ككتاب بينما هي عمل فني يدخل فيه التخييل عنصراً أساسياً، ومن هنا لا يمكن محاكمتها إلا من خلال معايير الفن لا الدين ولا الإيديولوجية. وإثر الهجوم الذي تعرضت له (أولاد حارتنا) من التيار الأصولي امتنع محفوظ عن نشرها في مصر إلا بشرطين، الأول: أن يسمح الأزهر بطباعتها، والثاني أن يكتب أحد الأصوليين المعروفين مقدمة لها. وقد انبرى عدد كبير من النقاد المتنورين للدفاع عن الرواية، وتحليلها، فكتب غالي شكري في كتابه (المنتمي) قائلاً: (كان الفنان يرى أن الشر الاجتماعي، الصراع الطبقي، سوف يُحل بالاشتراكية، ويتفرّغ الإنسان حينئذ لمأساته الأزلية، فيحل مشكلة الموت بالعلم، ويصل إلى الله من نفس الطريق. لم يكن الله عنده قوة مفارقة للوجود، وإنما كان سر هذا الوجود ولغزه الذي ندعوه يوماً بالمطلق، ويوماً آخر بالحقيقة). وعلى خط الدفاع نفسه كتب محمود أمين العالم قائلاً: (لم يكن في الأمر إعادة كتابة لتاريخ الرسالات الدينية، وإنما استلهمها محفوظ رمزياً في رواية (أولاد حارتنا) لنقد الحاضر الملتبس والتبشير بعالم أفضل). لقد انشغل النقاد بأطروحة الرواية أكثر من انشغالهم بفنيتها، والمعارك التي دارت حولها لم تكن بسبب رمزيتها بل بسبب التأويل الديني لشخصياتها، وعلى الرغم من عشرات الدراسات حولها إلا أن تلك الدراسات ظلت في معظمها أسيرة للنظرات الجزئية المتعلقة بهذا الجانب أو ذاك دون الوقوف عند جدلية الشكل والمحتوى في بنيتها الكليّة. وتقف إلى جانب (أولاد حارتنا) في مرحلة محفوظ الرمزية روايات عدة، نذكر منها: (ليالي ألف ليلة وليلة) و(رحلات ابن فطومة) اللتين استعاد من خلالهما الموروث السردي العربي القديم في (ألف ليلة وليلة) و(رحلة ابن بطوطة) محققاً معهما علاقات تناص على مستويات عدة، دون أن يقع في أسر المحاكاة المطابقة لهما.ـ أبطاله يحتفظون باستقلالهم النسبي عنه، وما يصدر عنهم لا يطابق وجهة نظره بالضرورة وإن تقاطعت مع واحد دون الآخر.موسوعة الحياة المصرية: إن نجيب محفوظ هو بحق موسوعة الحياة المصرية المدينية في القرن العشرين. صحيح أن الطبقة الوسطى نالت الحظ الأوفر من اهتمامه، فرصد حياتها وآمالها وتحولاتها الدراماتيكية، لكنه في الوقت نفسه لم يغفل المجتمع المصري بكل شرائحه وتياراته الفكرية المتصارعة. فكان الإنسان في قوته وضعفه، والزمان في جريانه وعبثه وسخريته، والمكان بأبعاده الجمالية وظلاله الحضارية والروحية، ورحلة الحياة والموت، والسؤال الميتافيزيقي عن سرهما، والتاريخ كماض مستمر في نسغ الحاضر, أبرز المدارات التي طاف بها محفوظ في تجربته الروائية الإبداعية على مدى أكثر من نصف قرن. متخذاً من الواقعية منهجاً في التصوير الفني تارة، والرمزية تارة أخرى، وفي أحيان كثيرة كان يجمع بين الاتجاهين في عمل واحد وفي سياق متفاعل متناغم خلاق، مستخدماً في هذا وذاك مختلف التقنيات الفنية. إن خصوصية محفوظ لا تكمن في مقاربته لتلك القضايا والعوالم فحسب بقدر ما تكمن في صدقه الفني وتصويره الواقعي للبيئة المحلية، ونفاذه إلى جوهر الشخصية الإنسانية في صراعها مع نفسها والعالم المحيط. فالشخصية عبر تشكلها في المكان والزمان والوسط الاجتماعي، وعلاقتها بنفسها وبالآخر، وما تعيشه من طموحات وخيبات، وتواجهه من صراعات حياتية ومواقف فكرية تعصف بها، وتضعها على حافة مصير جديد، هي البؤرة التي تتمحور حولها شبكة العلاقات الروائية عند محفوظ وتتصاعد من خلالها الأحداث، وتتوتر في دائرة الضوء أمام نفسها والآخرين. وهذا الغنى والتنوع في الشخصيات وتباينها في شتى المراحل التي مرّ بها محفوظ، هو ما يشد القارئ إليها ويجعله يشعر أنه صدى لبعض أصواتها, تلاحقه كظله في بوابات القاهرة وميادينها وحاراتها وأزقتها. ـ ليبراليته انعكست على خطابه الفني الذي جسّد صراع القيم والأفكار والمواقع والانتماءات السياسية بموضوعية وحياد. الواحد.. المتعدّد: إن بعض القراء والنقاد يحاولون المطابقة بين محفوظ وبعض شخصياته، لكن الكاتب لا يمكن أن يتماهى مع أي من تلك الشخصيات، فهو قد يبدو متعاطفاً مع هذه الشخصية أو تلك، لكنه لا يسلك بالضرورة سلوكها، أو يعتنق أفكارها، فدائماً هناك مسافة بين المبدع وما يصوره من شخصيات وأحداث. وقد دفع محفوظ الثمن غالياً بسبب الربط المباشر بين شخصيته وأعماله إلى حد إباحة دمه في محاولة الاغتيال المعروفة التي نفذها أحد المتطرفين بذريعة إساءة محفوظ للذات الإلهية !؟. وكما رأى هذا الشاب في محفوظ ملحداً فقد رأى فيه آخرون وفدياً ويمينياً ويسارياً وعلمانياً ووجودياً وعبثياً وعدمياً ومعادياً للثورة ومؤيداً للانفتاح وعراباً للصلح مع إسرائيل. لكن القراءة المتأنية لمجمل أعماله لا تدلنا على أية شخصية تطابقه فكراً وسلوكاً وعملاً. وبقدر ما أعطى محفوظ لكل شخصية من شخصياته شيئاً من مخيلته وفكره وروحه فقد أخذ منها أيضاً. ولعل تنوّع هذه الشخصيات وتباينها ليس إلا دليلاً على تنوّع شخصيته وغناها الروحي والفكري، فهو بفرادته وفرديته واحد لكنه من خلال ما صوره متعدد شأنه شأن كل مبدع عظيم. إن كاتبنا لا يخفي ليبراليته على مستوى التصريحات السياسية التي كان نتيجة إيمانه بها ـ كما يشير يوسف القعيد ـ مستعداً لأن يدفع حياته ثمناً لحق خصمه في أن يبدي رأيه، وربما كان إيمانه بالليبرالية أحد المفاتيح في فهم كتاباته التي قدمت الحياة المصرية في قاهرة المعزّ الخالدة بكل طبقاتها وتياراتها وأطيافها، تاركاً للجميع حرية التعبير عن أفكاره دون أن يقحم نفسه أو آراءه على أحد منهم، وفي ذلك تكمن عبقريته السردية في تشييد عمارة الرواية العربية. تنشر بالتعاون مع جريدة "النور"
|