|
صفحة 1 من 2
تمهيد لا بد منه.. كما نعلم ونفهم نظريا وعمليا بأن المرأة هي نصف المجتمع.. نصفه الإجتماعيي, الإقتصادي, والحضاري.. نصفه الباني والمعطاء بلا حدود.. منذ ابتداء البشرية حتى اليوم. فالمرأة هي المرأة في كل بقعة زرتها وشاهدتها.. وخبرتها على هذا الكوكب. ابتداء من الصين إلى الأرجنتين, ومن بولونيا, فرنسا, هولندا,, تشيكوسلوفاكيا, اليونان, إيطاليا, وقبرص. مرورا في البلاد العربية.. بداية سورية, لبنان, الأردن, فلسطين,, الأغوار والمخيمات,, - العراق بعربه وكرده,إلى تونس, مصر, السودان, وأرتيريا, شاهدتها واختبرتها عن قرب ودراسة حية ومعاشة.... إنسانة منتجة عملية شجاعة ومربية دوما وأبدا.. وفي كل الظروف. هذه القناعة واللوحة الجميلة الخيرة التي تكونت وتشكلت لدي عن قرب واحتكاك ل يومي ومعايشة بالأوساط الشعبيةالملتصقة بالأرض والمزرعة, والاّلة والمصنع وكل مناحي الحياة الصغيرة والكبيرة - كنت أعتز وأفتخر وأفرح بها, وأجلها وأحترمها وأقدرها ولدي رغبة عميقة لإبراز هذا الجمال والصورة المخبأة في الزوايا البعيدة عن الأضواء ومنابر الإعلام.. هذه الكنوزواللآلئ, والخمائر الفاعلة في جسم المجتمع التي تنتمي إليه. أردت أن أبتدئ أولا في رسم ونقل هذه اللوحة الإنسانية الرائعة.. من أول وسط وبيئة عشتها وترعرعت وساهمت و شاركت فيها منذ فترة الطفولة وحتى اليوم. للحقيقة أقول.. بأن المرأة في ريف صيدنايا.. مثل مثيلاتها في أرياف سورية كلها والعالم أجمع.. مع بعض إختلاف الظروف الخاصة لكل بلد. إمرأة عاملة نشيطة خبيرة وماهرة, مجتهدة مثابرة شجاعة ومتحررة, ولديها تراكم معرفي هام موروث منذ أجيال وأجيال.. هي مرتبة نظيفة, منظمة, فنانة ومبدعة بكل معنى الكلمة. هذه اللوحة الرائعة الجميلة عندنا كانت موجودة منذ أقدم العصور وحتى سبعينات القرن الماضي - والتي أخذ يتقلص الكثير منها ليحل محلها نشاطات ووظائف ومهمات واهتمامات وهوايات أخرى مع تغيير نمط الحياة, والقوى المنتجة والعلاقات الإجتماعية والإقتصادية. أبدأ في فصل الربيع: بما أن فصل الربيع هو فصل الأرض والعمل والجمال.. والأرض - البرية الحقل البستان الحديقة المزرعة المسكبة المدرج كلها عناوين وأسماء لفناءات مزروعة.. تعتبر إمتدادات للمنزل الريفي والعائلة التي تسكن فيه. * تقليم الكروم - * كروم العنب, وجمع الأغصان القديمة أي,, الزبارة,, في لبنان يقال لها تشحيل, - وهي عبارة عن قص الأغصان القديمة الزائدة بمقص خاص, وهذه العملية يلزمها دراية وخبرة في هذا المجال - تجمع هذه الأغصان حزما حزما لتجف في الشمس من ثم تنقل فيما بعد إلى المنزل لإستخدامها وقودا للخبز في التنور والتدفئة في فصل الشتاء سواء في المواقد أو المدافئ. _ مساعدة الحراث في حراثة كروم العنب والتين - منذ الصباح الباكر ترافقه مع الزوادة,,, والمساك,, أي مسك وتحييد الكرمة أي الجفنة, من أمام فدان الحراثة حتى لا تدوسها وتكسرها أرجل الدواب, مع تقديم الغداء للحراث بعد انتهاء العمل. _ حفر وتجميع وحمل الطين الأبيض من المحافر مع الكلس من ظواهر البلدة - إلى المنزل لإستخدامه فيما بعد في صبغ البيوت - وكثيرا ما كلفت هذه العملية حياة بعضهن لصعوبتها وفنيتها. * صبغ -,, تبييض,, جدران وغرف البيت الداخلية, وواجهاته الخارجية بالبياض الأبيض مع النيلة, ليبدو أكثر إشراقا وجمالا لاستقبال الأعياد وفصل الصيف بالزهو والنظافة والجمال, فقد كانت البلدة تبدو من بعيد كالحمامة البيضاء,, قديما,, قبل اكتساح اللون الرمادي الإسمنتيالحديث الباهت في تشويه البناء الريفي الجميل. توريق الكروم * أي إزالة الأغصان الزائدة الكثيرة الجديدة, حتى لا تمتص نسغ وموية الأغصان الأم الأساسية لتكون الثمار أكثر ونوعية أجود.. واقتلاع الأعشاب الضارة من الأرض وخاصة حول أشجار التين والكروم و ى. وإحضارها طعاما للماشية التي تربى في المنازل. قطف وجمع ورق العنب,, العريش,, من الكروم وحدائق المنازل, لتصفيفها وتطبيقها ثم حفظها بالماء والملح في أوان زجاجية أو فخارية, أو تجفيفه في أماكن نظيفة وظليلة.. لإستعماله مؤونة في كل الفصول. قطف عسل النحل من بيوت الطين التي كانت تصنع لهم قديما,,القطفة الأولى,, * التي كانت تتم في فصل الربيع - والقطفة الأولى هي الأطيب كما كان يقال والألذ طعما, لأن النحل يكون أنشط والزهور الربيعية تختلف عن الخريفية, وخاصة زهور البيلسان والزيزفون ومروج الربيع. وهذه الوظيفة لها مهارتها وقواعدها ومعلميها المشهورة في بلدتنا قديما وحديثا. جمع التراب الجديد من سفوح التلال والجبال * - لتجديد تراب أحواض وأصص,, بلانتين,, الورود والزهور لزرعها في هذا الفصل لكي تنمو وتزهر في الصيف في المنازل والنوافذ والشرفات وأمام البيوت والأحواش أي الفناءلت المنزلية المسيجة بالطين أو الموا الأولية الأخرى, حتى أساطيح المنازل كانت تمتلئ بالزهور البلدية هذه وأهمها الحبق والعطرة وشب الزريف والخباز وكل ماينعش الهواء والجو والمشهد للساكنين والضيوف. جمع أعشاب خاصة من الحقول والبراري من القش ذو الساق الطويل القاسي,, صوروير,, لصنع المقشات والمكانس البيتية المحلية لتنظيف البيوت والأحواش بها, عدا ما كانت تأتينا من حلب ودمشق المشهورة بهذه الصناعات الشعبية الفاخرة والناعمة. جمع وقطف ثمار الحصرم - * من كروم العنب قبل قبل نضجها وصنع شراب الحصرم منها بعد عصرها وطبخها من ثم تعبئتها في زجاجات خاصة مؤونة للبيت ومادة لتحميض المأكولات. صناعة مشتقات الحليب * - الجبن - يكبس بعد غلية بالماء والملح والمحلب,, حبة حلوة,, والحبة السوداء وحفظه بعد تبريده في أوان فخارية أو زجاجية. وأحيانا يحفظ دون غليه على النار فقط بالماء والملح, أو الزيت. * تصفية اللبن الرائب وتجفيفه - في أكياس الخام البيضاء, أو في,, الزكرة,, ظرف من جلد الحيوان, خصيصا لذلك - واللبن المصفى فيها لذيذ جدا وله نكهة وطعم خاص, وبعد أن يصفى جيدا يصنع منه كرات صغيرة ثم توضع في أوان زجاجية لتغمر بزيت الزيتون للفصول القادمة. كما تصنع في هذا الظرف الزبدة والسمنة بعد خضها. جمع الأزهار والأعشاب والورود البرية - لتجفيفها في الظل وحفظها كشاي في فصل الشتاء دواء للسعال والزكام والأوجاع الأخرى, وأهم هذه الزهورات: الروميران, البابونج, المريمية - ولها هذه النبتة السحرية عدة أسماء حتى داخلالبلد الواحد أو في البلاد العربية الأخرى - والزوفى, زهر الزيزفون, والبيلسان, والخطمية, والورد البلدي خزامى, زعتر بري شباشيل الذرة وغيرها من عطاء الأرض.. الصيدلية الأولى المجانية للإنسان, والمرأة تعتبر في هذا المجال الصيدلانية والطبيبة الأولى - تاريخيا - والمختبر الأول, والخبيرة بامتياز.. وجدارة بملاحظاتها وخبرتها وذكائها, وطبيعة عملها البدائي في جمع القوت والرعي والثورة الزراعية الأولى فيما بعد التي تمت على يديها.هذا ما فصلته أكثر في بحث اّخر اّمل أن أنشره مستقبلا.. * أعمال فصل الصيف: صناعة المربيات أي - الحلويات - من ثمار المشمش, الخوخ, والباذنجان وقشر البطيخ الأحمر, والتفاح ووالخ بعد طهيها بالسكر أو تجفيفها بالصواني المغطاة بالشاش الأبيض تحت أشعة الشمس, ليعبأ فيما بعد في الأواني الزجاجية لوقت الحاجة. الحصاد - حصاد سنابل القمح والشعير والعدس والحمص والكرسنة التي جفت في هذا الفصل الحار والجاف بعد نضوجها في السهول والروابي ومدرجات الجبال, الزراعية المحيطة بالبلدة وعلى تخوم البلدات المجاورة البعيدة والقريبة - ثم تجمع في باقات صغير ثم أكبر فأكبر لتصبح.. حملا.. لينقل فيما بعد على ظهور الدواب إلى بيادر البلدة المحيطة بها في كل الإتجاهات - وهذه العملية كانت تتم عندنا باليد دون إستعمال المناجل كما في بقية البلدان - وهي عملية ومهنة شاقة جدا ومجهدة وتحت أشعة شمس الصيف الحارة, ولكن العمل الجماعي فيها والأهازيج والأغاني المرافقة لها تخفف من وطأة التعب. وكثيرا من الأيام كان الفعلة والعاملات والعمال ينامون في الحقل أو البرية لعدة أيام في منطقة الحصاد لبعدها عن البلدة. * جمع القش من البيادر أي - ساق قش سنابل القمح - ونسميها,, الأصل,, تعالي نأصل, فبعد أن تجمع أحمال الحصاد كل على حدة حسب نوع المحصول, تجمع أكواما كبيرة وعالية لتدرس وتذرى فيما بعد لفصل الحبة عن القش. فتأتي النساء والفتيات لنزع الساق الطويلة والقاسية للسمن السنبلة وجمعها باقات باقات من جبال السنابل, لإستعمالها فيما بعد في صنع,, السلال والأطباق والقفف وغيرها من الأدوات المنزلية بعد تلوينها بشتى الألوان بعد نقعها بالماء لتصبح مرنة ومطواعة في العمل ويتم صنعها بسهولة بواسطة اّلة صغيرة تسمى المخرز, من قبل الأمهات والجدات والصباياأمام البيوت على المصاطب أي المقاعد الطينية أو الحجرية أو الإسمنتية في فصلي الصيف والخريف. وقد كن يتنافسن ويتباهين بالسرعة والأشكال والزخارف التي تعكس البيئة والرموز والمعتقدات,.. وقد أصبحت أخيرا من التراث. وقد كانت هذه المصنوعات الشعبية المحلية وخاصة الأطباق يحمل عليها جهاز العروس عندما ينقل من بيتها إلى بيت العريس في زفة وغناء ورقص ريفي جميل يعمق روح التضامن والمحبة والفرح. التذرية _ بعد درس وهرس السنابل تحت لوح خشبي كبير وقاسي ومثقب بالمسامير الكبيرة الضخمة وهو مصنوع خصيصا لهذه العملية ينقل ليذرى في ماكينة خاصة لفصل الحبوب عن كل ما علق بها وتجمع في أكياس وتخيط لتنقل فيما بعد للمنازل لتنظيفه لتهيئته للطحين, فلذلك هو يحتاج إلى عملية طويلة ومتعبة ولكن لا بد منها لتأكل العائلة الخبز اليدوي النظيف والطبيعي وكانت بعض العائلات تبيع أكثر محصولها من القمح وتستعيض عنه بالشعير والذرة الصفراء. حقا كان الإقتصاد والتدبير من سمات المرأة الصيدناوية. * تصويل..,, القمح السلموني,, للطحين - أي تنظيفه تماما من الحصى والشوائب الأخرى. كانت هذه العملية تتم قديما قرب نبع العين في البستان اأنه يحتاج مياه كثيرة أو أمام عيون البلدة قبل إيصال أقنية الما ء إلى المنازل, وأحيانا كان يتم أمام االبيوت بعد نقل مئات الجرار والصفائح من مياه اعين البلدة, كان ينظف عدة أدوار ويصفى في مصافي وقفف قش ليحمل فيما بعد على أساطيح المنازل ليجفف على بسط الشعر الأسود وبسط القطاع تحت أشعة الشمس ليعبأ مرة أخرى في أكياس لأخذه على المطحنة, وكانت ربة البيت طوال يومين تراقبه من الطيور لئلا تأكله وتستمر في تقليبه طوال النهار وتجمعه وتغطيه ليلا لئلا يفسده الندى الليلي رغم أن الطقس والجو عندنا جو جاف صخري وبعيد عن الغابات والبحار, ولكن كانت الأمهات تعمل ذلك عن دراية وخبرة ومنفعة.. ألم أقل أن لكل شئ عند المرأة أسراره..! حقا كانت معلمة وخبيرة وبصيرة تستحق كل حب واحترام. |