العنوان الأصلي: في أيلول.. حين تهجر المكتبات البيع بالتنقيط... العائلات السورية تعلن حالة الطوارئ: عادت المدارس..دمشق القديمة- سوق المسكية.., وازدحام كبير يضيق به السوق الأشهر في بيع المستلزمات المدرسية, ولا تضيق به دكان العم أبو كمال, رغم أنها لا تتجاوز الأربعة متر مربع, ف(هذه الأيام موسم , يقول أبو كمال, والطلبات كثيرة, وهي مناسبة وفرصة للبيع يجب أن نستغلها, قبل أن نعود للبيع بالتنقيط بعد أقل من شهر..). وسط الأمتار الأربعة سيقف العم أبو كمال, ليكتفي بكتابة طلبات الزبائن على قصاصات ورقية, وبعدها سيكون على واحد من عماله الثلاثة (الواقفين خارج الدكان طبعاً), أن يرافق الزبون إلى المستودع القريب حيث يتم جمع الطلبات وحزمها, وإذا لزم الأمر تأمين سيارة لنقلها, قبل أن يعود إلى دكان الأمتار الأربعة لتلقف زبون جديد و قصاصة جديدة من أبو كمال. لا يبدو أبو كمال قياسا بمساحة محله (وحش) السوق, إلا ان الرجل يقول إنه يعرف من أين تؤكل الكتف, لذلك سيبقى هو من يبيع أكثر وسط تجار السوق...فهو أولاً لا يكتفي ببيع الجملة, بل ويتاجر بالمفرق أيضاً, مؤكداً أن الأهالي يأتون إلى السوق بحثاً عن الرخص, وهو الأمر الذي يحرص عليه في بضائعه (جملة أو مفرق) بوصفها فلسفة البيع في تجارته: (ربح قليل..بيع كثير). يمتد سوق القرطاسية والمستلزمات المدرسية على نحو مواز لسوق الحميدية, وهو امتداد لما يعرف بسوق العصرونية, ويضم على جانبيه عدد من المكتبات التي تختص ببيع المستلزمات المدرسية: دفاتر وأقلام و محايات وسواها..ورغم أن سمة البيع بالجملة هي الغالبة في السوق إلا أن عددا من محلاتها لا تمانع ببيع المفرق, في حين اكتفت بعض المحلات بتجارها معلنة على واجهاتها: (البيع بالجملة , عذراً عدم الإحراج). وسواء باعت هذه المحلات بالجملة والمفرق أو اكتفت بالجملة, ومهما اختلفت أسعارها وتفاوتت فيما بينها ستضيق بمساحاتها الطلبات, فبضاعتها مرغوبة بحكم ما يطلبه المدرسون, كما يقول أحد البائعين, وأي من الناس لا يمكن أن يلبي رغبات أولاده وطلبات مدارسهم). و(طلبات المدارس, بالطبع, أوامر)..سيعلق أحد زبائن المحل ويدعى أسامة, قبل أن يخبرنا عن قائمة طويلة من الطلبات يستعد لشرائها, قال إنه يعمل على تحصيلها من هنا( ليوفر من ثمنها على الأقل نسبة ربح بائع المفرق المفترضة, ويستبق بها طلبات الأساتذة ولاسيما أن الأسعار ستدخل في تزايد مستمر مع اقتراب افتتاح المدارس لتصل ذروتها خلال الأسبوع الأول من الدوام المدرسي بعد أن تكون المدارس قد حددت طلباتها لتلاميذها وباشرت التدريس عملياً). السوق ليس المكان الوحيد لشراء مستلزمات المدارس من القرطاسية, فللمكتبات المنتشرة وسط أحياء المدينة حصتها أيضاً من موسم البيع المدرسي وقد دخلت هي الأخرى سباق التنافس مع تجار السوق بعد أن توجهوا إلى المعامل المختصة لشراء بضائعهم منها مباشرة, يقول رأفت(صاحب مكتبة): (في الشراء من المعامل مباشرة توفير كبير, ولكنها تمتنع عن بيعنا بكميات قليلة, الأمر الذي يدفعنا للاتفاق مع عدد من المكتبات الأخرى لنتقاسم معا الحد الأدنى من الكمية التي ترضى المعامل ببيعها,.. ويبرر رأفت محاولته استدارج البضاعة من مصدرها الأساسي, قائلاً: (الزبون اليوم يبحث عن الرخص وعلينا أن نعمل على استقطابه دون غيرنا...), ولا يخفي رأفت أن التنافس على البيع وتخفيض الأسعار يبلغ ذروته هو الآخر في هذه الفترة, فالجميع يريد أن يبيع أكثر. ومهما دخلت المكتبات تنافساً فيما بينها, ومهما بدت أسعار سوق المسكية مغرية وزهيدة, ستأتي البسطات (الطارئة خلال شهر افتتاح المدارس) سواء الجوالة منها أوالثابتة, لتسحب البساط من الجميع, وقد جاءت صدى لرغبة أهل الطلبة, ولاسيما سكان الأحياء الشعبية منهم, فبضاعة هذه البسطات رخيصة, غالبها من نوع (الستوك) أو من تلك المصنوعة من خامات رخيصة,.. أو كما قال حسان الورع وهو صاحب واحدة من هذه البسطات المتنقلة, بأنها (مستدرجة من بضاعة المعامل (المضروبة) ومن تصافي المكتبات). بضاعة حسان الرخيصة عامل جذب مغر لأبي العيال, فخالد الحسن أبو الأولاد الخمسة يجد فيها أكثر من كوة نجاة من طلبات المدارس التي لا تنتهي, مؤكدا أن فرق السعر يصل إلى الربع أحياناً, أما عن نوعية البضاعة فيقول خالد: عندما تكبر القائمة تتراجع شروط عديدة ومنها النوعية, المهم تلبية طلبات الأساتذة...). ورغم ذلك كانت قائمة الطلبات ثقيلة جداً على خالد عامل المياومة, الأمر الذي استوجب منه اللجوء إلى طلب سلفة على راتبه يدرك أنه قد يستغرق عدة أشهر في تسديدها, لافتا إلى أنه قد يفكر العام القادم بالتحضير لهذه القائمة قبل افتتاح المدارس بمدة كافية كما يفعل عدد من أصدقائه. قائمة الطلبات بالنسبة لأولياء الطلاب تبدأ من المكتبات و لكنها لا تنتهي بنهاية زيارتها, فما زال أمامهم تأمين الحقائب المدرسية و الملابس..وربما يلزم الأمر تأمين أحذية رياضية وسواها..ومع هذه الطلبات تدخل بعض العائلات السورية سباق المسافات الطويلة فالحقيبة المدرسية كما اللباس يفترض أن يصمدا أكثر من عام, دون أن يستبدلا إلا إذا استدعت الضرورة ذلك, ما دامت فاتورة هذه الاحتياجات جدا باهظة لا يمكن الاحتيال على نوعيتها , لذلك سيبقى مطلوبا منها أن تؤدي خدماتها لمدة طويلة, قد تصل حد تناوب الأخوة عليها الأكبر فالأصغر..وهو خيار ربما يبدو محدوداً ولكنه موجود على كل حال..بالعموم خيارات الشراء هنا قد تخضع لإلحاح الأولاد قبل أي شيء, ثم (إن الأولاد يسعدون بحاجياتهم المدرسية الجديدة), كما تقول إحدى الأمهات. القائمة تطول ومعها لابد للعائلة أن تدخل حالة طوارئ أو كما يسميها أحد الآباء بمرحلة شد الحزام, البعض يجد ملاذه بجمعية شهرية يدخلها مع أصدقائه شريطة قبضها مع افتتاح المدارس كما فعل زهير, و البعض الآخر يبدأ رحلة الجمع مبكراً لاقتطاع مبلغ معين كل شهر للغاية ذاتها, بينما وجدت عائلات في مطمورات أولادها..الحل, ف(الولد لابد أن يتعلم كيف يوفر من مصروفه الشخصي, تقول أم رياض, للمساعدة في جزء من مستلزماته المدرسية وليشعر بشيء من المسؤولية تجاه هذه المستلزمات..). قصي الابن الأصغر للسيدة أم رياض والطالب في الصف الخامس الابتدائي قال إن لمطمورته موسمين للفتح الأول في العيد والثاني عند افتتاح المدارس..لافتاً إلى أن غلة المطمورة الوفيرة هذا العام غطت جزءاً كبيراً من احتياجاته. والاحتياطات المسبقة التي تتخذها كثير من العائلات السورية لمواجهة موجة المصروف الزائد مع افتتاح المدارس, لا تعني بالضرورة تجاوز أزمة تأمين الطلبات بالكامل, وبالتالي لابد من الاحتيال بالبحث عن البضاعة الأرخص أو بالاقتصاد بها. لعبة الرخيص والأرخص, وحكاية التوفير والجمعيات الشهرية.. ستبدو معادلة كثيراص من العائلات السورية إلا أن ثمة عائلات أخرى لا يعنيها الدخول في جدل هذه المعادلة, بقدر دخولها في متاهة الأنواع العديدة للمستلزمات المدرسية, والبحث عن الموضات والصرعات فيها, البعض برر هذه الهواجس بأنها بمثابة حافز غير مباشر للأولاد من أجل جد واجتهاد مضاعف, البعض الآخر استغرب السؤال, ف(القضية, كما يقولون, مسألة إمكانيات ومن معه ما الذي يمنعه...?!), ثمة مبرر ثالث غير معلن رغم أنه بدا واضحاً, له علاقة (بشوفة الحال), على حد تعبير صاحب أحد المكتبات, الذي أكد أن ثمة جزء من بضاعته مخصص لجزء من الزبائن, زبائن تدفع ولا تسأل..? لا يمكن الجزم بنسبة هؤلاء من يدفعون ولا يسألون, ولكن بلا شك يمكن الحديث عن حالة استنفار شامل تدخلها الأسر السورية بالكامل مع افتتاح المدارس..حالة لا تنتهي إلا مع إغلاق المدارس أبوابها مجدداً. |