|
لماذا لا نقلع عن التدخين!!! |
|
|
|
محمد سعيد حسين
|
|
2006-09-09 |
(1) كنت في الصف الأول أو الثاني ..... أو السادس الابتدائي، عندما "نترني" أبي محاضرة عن التدخين ومضاره، وضرورة الابتعاد عنه، ولم ينه محاضرته، إلا بعد أن "طير" نصف باكيت الحمراء، نافثاً دخانها في رئتيّ، ما حرضني على تجربة هذه الموبقة التي يصر الوالد على "اتيانها" وإبعادي عنها بشتى السبل،
وكم كانت دهشتي كبيرة عندما اكتشفت متعتها ليغلبني الظن آنذاك، أن أنانيته غلبت "حنانه" ويريد أن يستأثر بهذه النعمة دوني!! بعد فترة وجيزة من التدخين السري، نقل أحد "المحبين" خبراً لأبي مفاده أنه شاهدني أضع سيكارة "أطول مني" بين شفتي، والمعزّة التي بيننا ـ يقول لأبي ـ جعلتني أخبرك، كي تتصرف قبل أن يأخذها عادة "يقصدني طبعاً".. وتصرف أبي طبعاً........ كان في حديقة منزلنا في القرية شجرة رمان، وكانت وارفة الظلال كثيفة الأغصان؛ قبل الخبرية، وبعدها بقليل، أصبح في حديقة منزلنا في القرية، جذع لشجرة رمان، كانت منذ قليل وارفة الأغصان، كثيفة الظلال!! وقبل أن تهدأ أوجاعي، وبينما كانت أمي تضمد ما استطاعت، من الجراح التي خلفتها قضبان الرمان على سائر جسدي، كنت أفكر كيف سأسرق باكيت أبي الحمراء، لأنتقم منه مرتين، مرة في الحزن الذي سيسببه له فقد الباكيت، ومرة أخرى في القهر الذي سيعتريه عندما يعلم أنني دخنتها كلها في ساعة واحدة..!! وثمة انتقام آخر، لم أجرؤ حينذاك أن أعلنه لنفسي، وهو عزمي على تعليم أخوتي الأصغر مني ارتياد جنة التدخين الرائعة.!!!!!!! كبرت قليلاً.. وقررت ـ عن قناعة ـ أنني فور انتهائي من تقديم امتحانات البكالوريا، سأقلع عن هذه العادة الرديئة التي لن تجلب لي سوى الخسارة المادية والصحية.... وانتهت الامتحانات.. ولكنّ قلق الانتظار ـ انتظار النتائج ـ جعلني أؤجل الفكرة قليلاً ، وبعد صدور النتائج، كان علي أن أدخن بكثافة، لأخفف من الكرب الذي أصابني بسبب الرسوب.. وفي العام التالي، كان السبب الرئيسي لامتناعي عن ترك التدخين، هو العلامات الضئيلة التي نجحت بها، والتي لم تتح لي التسجيل في كلية الطب البشري، ولا حتى في المعهد المتوسط الهندسي، ولا .. أي شيء آخر.. فازداد كربي، واشتدت مصيبتي، ولم يكن ليخفف عني هول أحزاني، سوى هذه السيكارة اللعينة!!! وكانت الخدمة الإلزامية، ملاذي الأخير، الذي سيخلصني "قسراً" من هذه العادة الرديئة، فراتب المجند لا يسمح له أن يأكل رغيفاً واحداً من الخبز في اليوم، فكيف بشراء الدخان؟!! توكلت على "الفقر" وعقدت العزم على هذه النية.. وأمضيت خدمتي الإلزامية، دون أن أدخن سيكارة واحدة، سوى تلك التي كان يجود بها عليّ، الأجاويد من الزملاء، وكانوا كثراً، وعليه، قدر لي أن أدخن أكثر من أي مدخنٍ منهم.. ولي في ذلك عذر، فهم الذين كانوا يتكرمون عليّ، وليس من اللباقة والأدب في شيء، أن تردّ يد الكريم إذا مدت إليك بشيء، ولوّ.. نحن قوم نفهم بالأصول!!!! أنهيت خدمتي الإلزامية، وانطلقت إلى امتحانات البكالوريا من جديد، ولكن بفرعها الأدبي هذه المرة، ومن الطبيعي أن لا أشغل نفسي بمسألة تافهة كالإقلاع عن التدخين، وأمامي هذا التحدي العظيم، وبانتظار النتائج، كنت أدخن بشراهة لم تكن لتفلح في التخفيف من توتري، لو لم أبدل دخاني آنذاك، من الحمراء الطويلة، إلى المارلبورو ذي النكهة المميزة، التي قيل عنها أنها تتويج لملذات الحياة، وهذا سبب آخر جعلني أبدل إليها، إذ أتاحت لي هذه ، أن أتوج كل الملذات التي لم أتعرف على أي منها حتى الآن، بمتعة ما بعدها متعة !! صدرت النتائج، واستطعت الالتحاق بجيوش الدارسين في كلية الحقوق ـ جامعة دمشق ـ وهناك، كان من الطبيعي أن أؤجل مشروعي إلى ما بعد التخرج، حتى لا يؤثر هذا على دراستي وجدي واجتهادي!!يتبع..
|