|
حقوق الملكية الفكرية، وتوصيات جلسات الحوار المفتوح |
|
|
|
د. جورج جبور
|
|
2006-09-07 |
نتناول في جلسات الحوار المفتوح موضوع حقوق الملكية الفكرية. وبما أنه تم تكليفي بإدارة هذه الجلسات، فمعنى ذلك أنني أستطيع أن أعبر عن آرائي في فرص عديدة على مدى ثلاثة أيام.
إلا أن هذه الاستطاعة لا تعفيني ولا تعفيكم (كان الله في عونكم) من تقديم مداخلة قصيرة بدائية (نسبة إلى بداية ونسبة أيضاً إلى بداءة أي أولية أي غير مشذبة). مداخلتي هذه التي لا تحيط بالموضوع، تتألف من نقاط ست كما يلي: 1- للعرب دور رائد غير معروف عالمياً على نطاق واسع، في موضوع حقوق الملكية الفكرية، ابتدأ تاريخه منذ الجاهلية، ولعله بلغ قمة تنبئية مع المتنبي في قوله الشهير: أجزْني إذا أنشدت شعرا فإنما بشعري أتاك المادحون مرددا 1 فإذا كان من الواجب تعريف العالم بدور العرب الرائد فإن هذا لا يعفينا هذه الأيام من الأخذ عن الغرب المتقدم، على نحو عام في موضوع كنا رواداً فيه. بل فليكن دورنا التاريخي مقدمة نبني عليها اليوم بهدف استعادة الريادة، ونستطيع ذلك. لا تصدقوا أننا لا نستطيع. 2- لا بد من حماية حقوق الملكية الفكرية لقيام عملية تنمية شاملة. المبدع ولا سيما الوطني المبدع، ركن التنمية الأول. وقد أصاب كبد الحقيقة الدستور الدائم للجمهورية العربية السورية (الذي وافق عليه السوريين في استفتاء عام 11/3/1973 حيث نص في مادته رقم /24/ على ما يلي: أ- العلم والبحث العلمي وكل ما يتم التوصل إليه من منجزات علمية ركن أساسي في تقدم المجتمع العربي الاشتراكي، وعلى الدولة أن تقدم له الدعم الشامل. ب- تحمي الدولة حقوق المؤلفين والمخترعين التي تخدم مصالح الشعب.من معالم التطور الفكري الكبير أن شعبنا رفع الاهتمام بحماية حقوق المؤلفين والمخترعين إلى مصاف دستورية. ومن الأمور ذات الدلالة أن مسيرة التحديث والتطوير التي يقودها الرئيس بشار الأسد أصدرت في أوائل ما أصدرت قانون حماية حقوق المؤلف في 24/2/2001، بعد أشهر قليلة من تسلم الرئيس بشار الرئاسة. 3- حقوق الملكية الفكرية موضوع تقني (فني) في أساسه، مليء بالرهافة التي تبلغ حد الحذلقة، ويتطلب ثقافة خاصة من المفيد نشرها وتنميتها. إلا أن هذه الحقوق أخذت تكتسب، وربما بشكل جاد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أهمية دولية سياسية واقتصادية وإنسانية. تريد هيئات متنفذة في العالم أن تصبح حقوق الملكية الفكرية أداة تهديد سياسي واستغلال اقتصادي، بل وسيلة من وسائل انتهاك حقوق الإنسان، وأولها الحق في الحياة. سمعتم حتماً بمواقف شركات أدوية ترفض السماح بتصنيع أدوية متواضعة الثمن من أجل مرضى الإيدز وغيره. إذن التعاون الإنساني ضرورة وينبغي أن تقدوه الأمم المتحدة ومنظماتها المختصة ومنها اثنتان في مجالنا: المنظمة الدولية للملكية الفكرية (الأومبي أو الوايبو 2) ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو). وبما أننا أمة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج ننعم بثقافة واحدة فإننا نرى لجامعة الدول العربية ومنظماتها المختصة ولا سيما المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة دوراً كبيرا في إقامة تعاون عربي حقيقي يختص بشؤون حقوق الملكية الفكرية. وبهذه المناسبة لا أستطيع أن أمنع نفسي من القول إن علينا العمل لتعديل الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي لم تنص مادته الـ /36/ على حماية حقوق المؤلف. كذلك فإني أفتقد المعرفة بمآل الاتفاقية العربية للملكية الفكرية. 4- لمعادلة حقوق الملكية الفكرية ثلاثة أطراف، فثمة المؤلف الذي أبدع، وثمة الناشر (أو المصنع) الذي وظف مالاً، وثمة القارئ (أو المستهلك) الذي ينبغي أن يقدم له المنتج أدنى كلفة ممكنة. التوفيق بين هذه الأطراف الثلاثة، ومصالحها متناقضة بالضرورة، هو جوهر العمل في مجال حقوق الملكية الفكرية. حق المؤلف المبدع أن تصان حقوقه المعنوية والمادية لكي يستمر في الإبداع، وحق الناشر أن تصان حقوقه بمواجهة التزوير الذي يستشري ويتصاعد استشراؤه، وحق القارئ المستهلك أن يحصل على المعرفة، كما قلت قبل قليل، بأدنى كلفة ممكنة. هل بالمستطاع الحصول على صيغة ذهبية لأكفاء هذه الأطراف الثلاثة؟ ليس ذلك بالسهل وليس بالمتسحيل. والاستفادة من تجارب غيرنا في هذا المجال أمر مندوب بل ضروري. 5- من أجل نشر ثقافة حقوق الملكية الفكرية وتنميتها لا بد من مجموعة عمل تتابع هذه المجموعة تأخذ في عديد من بلدان العالم هيئة منظمة غير حكومية، من المناسب إنشاؤنا في سورية منظمة للدفاع عن حقوق الملكية الفكرية يشارك فيها المبدعون والموظفون الماديون في إبداعهم والمستفيدون من الإبداع. كما قد يكون من المناسب اقتصار المشاركة على طرف واحد من الأطراف الثلاثة، أو طرفين حسب الظروف. ما ألح عليه هو أنه لا بد من جهد يقوم به المعنيون مباشرة بحقوق الملكية الفكرية، لنشر ثقافة هذه الحقوق وتنميتها تمهيداً للدفاع عنها. وكنت أحب لو أن قانون حماية حقوق المؤلف (ولم أستشر به أنا الذي قد أكون أول من عالج هذا الموضوع في سورية قبل نحو ثلاثين عاماً) نص على تشجيع إنشاء منظمة غير حكومية للدفاع عن حقوق الملكية الفكرية. 6- ثم إن جلسات حوارنا سوف تختتم بإصدار قائمة توصيات ممكنة التنفيذ. من هذه التوصيات إصدار أو تطوير دورية تعنى بحقوق الملكية الفكرية، ولدينا نشرة اسمها بالمرصاد تقوم منذ سنوات بعمل نافع في هذا المجال، كذلك من هذه التوصيات إنشاء مقررات خاصة بحقوق الملكية الفكرية في الكليات الجامعية ذات الصلة ككلية الحقوق والتجارة والاقتصاد. وأرجو كل من لديه توصية أن يتفضل فيقدمها إلى إدارة الجلسة. وآمل أن نشكل لجنة توصيات تتابع هذا الموضوع.وأخيرا يبقى أن أشيد بجهود شخص له فضل كبير في العناية بحقوق الملكية الفكرية في سورية، هو الأستاذ محمد عدنا سالم 3. كما أود أن ألفت النظر إلى أن جلسات حوارنا المفتوح هذه سوف تستأنف في معد ثابت دورياً كل عام هو يوم 23 نيسان (إبريل) اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف. وأرجو لكم وقتاً مفيداً مع جلساتنا الثلاث.توصيات جلسات الحوار المفتوح في موضوع حقوق الملكية الفكرية: بنتيجة ثلاث جلسات للحوار المفتوح في موضوع حقوق الملكية الفكرية، وذلك أيام 12-13-14/10/2002م، في قاعة المحاضرات على أرض معرض دمشق الدولي وضمن أحد أهم فعاليات مهرجان الكتاب العربي صدرت التوصيات الموجزة التالية: 1- متابعة تنفيذ القانون رقم /12/ لعام 2001م، وما يرتبط به من تعليمات تنفيذية. 2- ضرورة إنشاء هيئات حكومية أو غير حكومية أو مشتركة بغية الدفاع عن حقوق أصحاب الملكية الفكرية على تعددهم وبالشكل المناسب. 3- ضرورة نشر ثقافة حقوق الملكية الفكرية بمختلف الوسائل بما في ذلك إصدار دورية متخصصة بهذا الشأن وإحداث مقررات خاصة بحقوق الملكية الفكرية في مؤسسات التعليم العالي السورية والاهتمام على نحو خاص بتعريف القضاة السوريين بهذه الحقوق لأن القضاء هو المرجع الأهم في تطبيق القانون. 4- ضرورة إيلاء حقوق الملكية الفكرية الاهتمام الازم من قبل كل الهيئات الحكومية غير المختصة مزارات التموين والاقتصاد والإعلام والتربية والصناعة والمالية علماً بأن أسماء الوزارات المذكورة أنفاً إنما وردت على سبيل المثال لا على سبيل الحصر. 5- حث الدولة بجميع مؤسساتها على بذل المزيد من الجهد لجعل الوطن العربي منطقة واحدة لحماية حقوق الملكية الفكرية. 6- حث الدولة بجميع مؤسساتها على بذل المزيد من الجهد لرفع سوية التعاون السوري مع الهيئات الدولية العاملة في مجال حقوق الملكية الفكرية، ولا سيما الوايبو واليونسكو بما في ذلك الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية. 7- دراسة إمكان إنشاء هيئة عليا لشؤون الملكية الفكرية.(وضعت هذه التوصيات من قبل لجنة شكلت بالتوافق، مؤلفة من الدكتور جورج جبور والأستاذ عدنان سالم والأستاذ ربيع خشانة). دمشق في 15/10/2002، مدير الجلسات الدكتور جورج جبور. --------- 1 عقدت اليونسيكو، بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بين 28/5 ة 1/6/1990 اجتماعاً في تونس للمستشارين العرب في شؤون الملكية الفكرية، لوضع برنامج على المستوى الجامعي لدراسات حقوق المؤلف والحقوق المشابهة. في هذا الاجتماع طالبت بأن يبتدئ البرنامج بالإشارة إلى بيت شعر المتنبي هذا، فوافق الجميع، لا أدري مقدار التطبيق الفعلي لهذه الموافقة الفكرية. (انظر جورج جبور في الملكية الفكرية: حقوق المؤلف، دمشق، دار الفكر، 1996، ص 143). 2 قرأت مؤخراً أن الأومبي تدرس صيغة لصيانة حقوق ملكية الثقافات التقليدية لبعض الوصفات الطبية المصنعة حديثاً. هذه خطوة ممتازة، وقد تكون سابقة تقنع البعض للنظر في حقوق ملكية فكرية للعرب حين ترجم إسهامهم الفكري إلى اللغات الأوربية. 3 هو نائب رئيس اتحاد الناشرين العرب ورئيس اللجنة العربية لحماية الملكية الفكرية ورئيس لجنة اتحاد الناشرين السوريين. ------------"قدمت هذه الورقة خلال ندوة عقدتها الجمعية السورية للملكية الفكرية بدمشق- مكتبة الأسد، مساء 9/8/2006- وشارك فيها كل من الدكتور جورج جبور- الأستاذ عدنان سالم- الأستاذ ربيع خشانة"د. جورج جبور، عضو مجلس الشعب، عضو الهيئة الاستشارية لمجلة "الضاد" (أسست عام 1931). نشرت في مجلة "الضاد"- العدد (3)- آذار 2003. |