|
عطية مسوح
|
|
2006-09-02 |
لم يعد تأكيد فكرة التنوع والاختلاف ضرورياً، فقد كتب عنها وقيل فيها الكثير، ولا أظن أن أحداً يرفضها، أو لا يعترف بأن الحياة الاجتماعية على كل مستوى وصعيد تقوم على هذا التنوع.
لكن الفكرة التي ما تزال تحتاج إلى مناقشة وردّ هي ربط قوة مجتمع ما، أو حزب أو هيئة أو أسرة، بالتماثل. ربط القوة والفاعلية بالتماثل هو الدافع إلى (ضبط) التنوع والاختلاف، سواء أكان ذلك عن حسن نية أم كان ذريعة للتحكم بالمجتمع والتسلط عليه. ما يزال ثمة من يعتقد أن المجتمع يكون أقدر على النهوض والتطور ومجابهة التحديات إذا ضبطت تناقضاته وحكمت قواه كلها توجهات واحدة واتبعت أطرافه جميعاً سلوكاً متشابهاً تجاه كل القضايا والمشكلات التي تواجهه. وتنسحب مثل هذه الرؤية التماثلية على مختلف مؤسسات المجتمع ومنها أحزابه. فثمة من يعتقد أن الحركة السياسية سواء أكانت حزباً أم جبهة أحزاب، تكتسب قوتها وقدرتها على القيام بمهامها إذا قامت على تماثل المواقف وتطابق السلوك وتشابه الرؤى. وإضافة إلى أن مثل هذا الاعتقاد غريب عن طبيعة الحياة التي تقوم على التنوع والاختلاف، فقد بيّنت التجارب التاريخية أن المجتمعات ذات الحراك السياسي والاجتماعي والثقافي النشيط كانت أكثر قدرة من سواها على حلّ مشكلاتها وتحقيق نهضتها واجتياز الصعوبات التي تواجهها. إن الاختلاف أمرٌ نسبي، فكل مجتمع له ما يميزه من المجتمعات الأخرى، وكل طبقة اجتماعية لها خصائصها ونمط حياتها التي تجعلها مختلفة عن سواها، ولكل حزب أو حركة سياسة وأساليب عمل شرعية، وهذا ما يمنحه خصوصيته ودوره. وتمتد الاختلافات إلى داخل كل حزب أيضاً، فمن المستحيل أن يتماثل أعضاء الحزب الواحد إلا بأهدافهم العريضة والخطوط العامة للسياسة التي يتبنونها، أما فيما هو أقل عمومية، وفي التفاصيل والمواقف والأساليب، فهم مختلفون بالضرورة، وهذا هو مصدر غنى أي حزب وقوته. هذه أمور بديهية، وأظن أن معظم الناس مقتنعون بها، لكن الذي لا يزال موضع جدل، هو: كيف ينبغي أن يكون التعامل مع هذا التنوع والاختلاف؟ أمن المفيد ضبطه وتوجيهه نحو التماثل والتطابق والسعي كي لا تظهر تباينات واختلافات جديدة؟ أم إن الأفضل هو تركه يعبّر عن ذاته وفق المرتكز الجدلي الواقعي: وحدة المتناقضات وصراعها، الذي هو مولّد التطور والتقدم؟ إن الإقرار بالوجود الموضوعي للتنوع والاختلاف لا يعني شيئاً إذا لم يقترن بحمايته بوصفه حقاً للحركات والقوى، سواء أكانت متحالفة أم غير متحالفة، وحقاً للأشخاص داخل كل مؤسسة سياسية أو اجتماعية. وحماية الحق في الاختلاف ينبغي أن تقوم على أسس وقوانين لا يستطيع أحد تجاوزها أو اختراقها. فإذا تركت دون ذلك فستكون تحت رحمة المتنفذين والمسؤولين. كما أن الإقرار بحق الاختلاف لا يكتمل، ولا يصبح حقيقة إلا إذا اقترن بالإقرار بحق التعبير عن الذات، وإعلان الرأي المختلف الخاص، وشرحه والدفاع عنه، وهذا ما يميز المجتمعات العصرية الحديثة، أو الطامحة إلى السير في طريق النهوض والتحديث، وهو أيضاً ما يميز الأحزاب والحركات الجادة والقابلة للحياة والنمو، والقادرة على التأثير في عقول الناس وأحاسيسهم، لأنها برعاية حق أعضائها في التعبير عن آرائهم وشخصياتهم، تقدّم المثل في الديمقراطية والحداثة وتكتسب صدقيتها في عيون الناس، وتحوز على ثقتهم، كما تسهم بذلك في تطوير الممارسة الديمقراطية في مجتمعاتها، وفي تقوية ذاتها وتأمين مناخ من الحيوية والحركة داخلها، فتصون وحدتها الحقيقية التي لا تقوم إلا على التنوع والتفاعل، والتي تكون هشة إذا قامت على سيادة اللون الواحد والرأي الواحد، أي على التماثل والأحادية ـ كما درجنا في السابق، وكما هي الحال في الحركات السياسية العربية التي عرفها القرن العشرون. إن الوحدة القائمة على التنوع وحرية التفكير والتعبير هي الوحدة الراسخة المثمرة. |