|
المرأة الريفية بين العمل المنزلي والزراعة.. وحقوقها |
|
|
|
رهادة عبدوش
|
|
2006-09-02 |
انها من الشخصيات التي ما زالت تقطن بذاكرتي منذ أيام الطفولة منذ أن كنا نحلق حولها منذهلين من قدرتها على السيطرة على بقرتها الضخمة للوصول الى ثدييها وحلبهما
لتستخرج منهما أكوابا من الحليب اللذيذ توزعها علينا وتبيع ما بقي منه لأهالي القرية لتنطلق بعد ذلك الى البستان تسقي الفاصولياء واللوبياء والباذنجان والبندورة وأشجار الفاكهة لتعود الى القرية محملة بما أينع من خضارها وتبيعه أيضا لسكان القرية والوافدين اليها وتتابع نهارها في العمل بالبيت وتحضير المونه على مدار العام دون توقف . وبعد مرور السنوات وجدت نفسي أبحث عنها وأسأل عن أخبارها وأخيرا زرتها في منزلها انها )أم جورج) ما زالت كما هي بوجهها المتعب البشوش ويديها الخشنتين المعطاءتين فلا تجدهما الا محملتين بالجوز والتفاح، وما زالت عينيها كما عهدنهما منشغلتان بما عليها أن تفعله. لاقتني بترحاب حدثتها عن أخباري وحدثتني عن أحوالها قالت لي: "كان الشقا لاحقنا الآن نحن من يلحقه". توفي زوجي تاركا لي أ ربعة أطفال قررت أن أربيهم بنفسي، كانت عندي بقرتان كنت أبيع حليبهما وما ينتج عنهما من لبن ولبنه وقريشة وكانت الأرض التي نملكها ومنهم علّمت أولادي ونالوا شهادات جامعية وعندما بدأوا يعملون قرروا أن يريحوني فباعموا البقرتين واستلموا الأرض عني لكني لم أستطع التوقف عن العمل "ألم أقل لك الآن أنا التي تلحق الشقى" التعب بدمي تعودت على العمل ما أن أجلس وأستريح حتى تلاحقني الأمراض لا أجلس ما زلت أمّون وأبيع الصنوبر والجوز والملبن والسماق والزعتر ودبس(الرمان و العنب والفليفلة والبندورة) وخل التفاح وعصير الحصرم وورق الدوالي للكسالى واذا احتاج أحد مكدوسا أو قريشة فأحاول تأمينهم رغم معارضة أولادي. وانا أعمل برغبة مني وما زلت أشعر أن لي مكانة في البيت فأنا مثل أولادي وأكثر أؤمن دخلا جيدا للمنزل وأساعدهم في تدبير أمورهم أشعر بشخصيتي أكثر عندما أعمل لا يغرك أني عجوزا لكني ما زلت صبية وما زلت كما عرفتيني قوية قادرة على التحمل. طبعا أنهيت زيارتي محملة بما لذ وطاب من صنع يديها وتعبها. انها نموذجا عن معظم نساء قريتنا اللواتي يعملن يدا بيد مع أزواجهن وآبائهن في بساتينهم وبيوتهم والتي طبعا لا يرثن منها شيئا ويعملن أيضا بتحضير المونة للعام كله للبيت أو للبيع اذا كن بحاجة ولا يخفى كم يساهم عملهن في تأمين دخل للأسرة.لكن ذلك النموذج ليس الوحيد في قريتنا فهي قرية غنية بأراضيها الزراعية ومعامل عصير العنب لذلك تأتي اليها الأيدي العاملة من القرى المجاورة وأكثرهم من النساء اللواتي تعملن في الأراضي بالفاعل ربما لأن أجسادهن أكثر ليونة أو لأنهن المستضعفات دوما وأيضا من النساء من يعملن بالمعامل حتى أنه يوجد باص يقلهم مع الرجال من قراهم الى مكان العمل. (أم حسين) يعرفها معظمنا تأتي يوميا من القرية المجاورة لقريتنا والتي تبعد حوالي الربع ساعة ليبدأ دوامها من الساعة السادسة والنصف قبل أن تحمى الشمس وينتهي الساعة الثالثة حيث ينتظرهم الباص عند مدخل القرية وخلال هذا الوقت تنجز أعمالا هائلة فهي تحطب وتسقي وترتب الفاكهة لارسالها الى السوق وعند موسم القطاف يتسابق عليها الجميع لتساعدهم بجني المحصول لبراعتها بالعمل يوميتها (300) ليرة سورية كما اخبرتني أكثر أو أقل حسب نوع العمل وأحيانا تعمل اضافي فتعود الساعة السادسة مساء. قالت لي: "ما أحلى هذه الأيام عن السنوات السابقة التي كنا نأتي بها سيرا على الأقدام نقطع الجبل الموحش ونخاف من الحفر والحيوانات فقبل طلوع الشمس تبدأ مسيرتنا بالطريق الوعر ونعود برغم تعبنا أيضا سيرا على الأقدام لكن الآن اختلف الوضع". وهي ليست الوحيدة من اسرنتها فكانت تأتي مع والداها عندما كانت صغيرة وعندما تزوجت أصبحت تأتي مع زوجها وأولادها عندما كبروا من شباب وبنات فأولادها بالرغم من أنهم تعلموا لكن لصعوبة العثور على وظيفة قرروا العمل في القرية فمواسم الزراعة تبقى على مدار العام وهم لهم الأولوية لسمعة والدتهم الطيبة. وأخبرتني أيضا أن معظم الفتيات اللواتي يعملن في معامل العنب من قريتها وهن يؤمنّ مصروف عائلاتهن وعندما سألتها ان ورثت شيئا من اهلها قالت لي نحن أصلا لا نملك شيئا لنورثه أما البيت فهو للشباب البنت عندنا لا ترث حتى يوميتنا هي لمصروف البيت لا تفكر احدانا بأن تحتفظ لنفسها بمبلغ ما فكلنا يد واحدة رجالا ونساء لا فرق. لكن بيني وبينك المرأة عندنا تتعب كثيرا فبعد أن تنتهي من عملها تعود الى البيت لتعمل وتربي أولادها وتؤمن المونه حتى اننا نبيع منتوجات الحيوانات التي نربيها من حليب أو قشطه وزبدة وجبنة وقريشة وهذا كله على عاتق النساء فالرجل لا علاقة له بذلك. فكأنما كتب على المرأة أن تشقى منذ الولادة حتى الموت هذه أحوالنا صحيح أن العمل نعمة لكن حياتنا كلها شقاء. ودعتها وأنا أتذكر أغنية عبد الوهاب "ياعيني على عيشة الفلاح" وودت لو اني أسألها عن رأيها بهذه الكلمات التي تجزم أن حياة الفلاح مريحة فكيف اذا كانت فلاحة تعمل ضعف عمل المرأة في في المدينة وأضعاف عمل الرجل في الريف والمدينة معا. ورغم ذلك تبقى في الظل بدءأًًً من أسرتها انتهاءا بوطنها كله. |