|
أطفال الشوارع وتسوّل البراءة |
|
|
|
رزان توماني
|
|
2006-08-05 |
من الشارع إلى المعهد الإصلاحي ثم إلى الشارع... دوامة الإصلاح على الطريقة الحكومية أطفال يتسولون بإشراف أخيهم الأكبر خطة مركّزة لإبعاد أعين الصحافة عن الموضوع بطلتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل سجن كئيب ...قفص معدني... كرة ممزقة...لا أساتذة ..لا مربّون... ومعهد يقولون أن اسمه إصلاحي!!!كلهم .. خالد، هيثم، شريف، عاصم، أحمد، هبة.. وغيرهم يروون الحكاية نفسها، تتكرر القصص وتدور في فلك أب غائب وأم دفعت بابنها إلى الشارع، لأنه أي (التسول) أصبح الحل الوحيد لأزمة اقتصادية خانقة، حولت الطفل إلى متسول، وهي مسألة ذات أبعاد خطيرة. فالطفل المتسول عندما يكبر سيبقى متسولاً. لأن من يحترف التسول لا يجيد العمل. العمل كمفهوم غائب عن عالم التسول الذي يخلص الإنسان من جزء كبير من إنسانيته ومن يتخلص من إنسانيته قادر على فعل أي شيء، لذا ينتهي معظمهم إلى الجريمة كفاعلين أو ضحايا.. إذ تقول دراسة أجراها د.نشأت حسين عن مشكلة أطفال الشوارع أن: ( مشكلة أطفال الشوارع تتمثل من الناحية السلوكية في: تعلم السرقة والنشل واللجوء المستمر إلى العنف كأحد الأسباب الدفاعية للبقاء والتكيف مع حياة الشارع، إضافة إلى الممارسات الجنسية غير السوية وتعرضهم للاغتصاب وتعاطي المواد المخدرة) هم أيضاً على اختلافهم متشابهون على الأقل من وجهة نظرنا التي لا تراهم إلا (كأبناء شارع) مصحوبة بنظرة تحمل الكثير من الدونية والاحتقار... والشفقة في أحسن الأحوال. متسولون جهاراً أو بشكل مبطن ومحميون بعلبة بسكويت أو علكة تبعد عنهم تهمة جريمة التسول، وفي هذه الحال، أيديهم تحمل المنتج، ولكن العيون هي التي تتسول.. النظرات تستعطفك لتدفع دون أن تأخذ... متسولون بالفطرة وبعضهم اكتسب المهارة بالتدريب الذي تلقاه من أخ مزاول قديم أومن أم وأحياناً من أب ..التسول...وفن التمثيل أن تكون متسولاً يعني أن تتحول إلى ما يشبه المصيدة أو الفخ .. ولسنا بالنسبة لهم إلا ضحايا بعضنا ينجو والكثير يقع، والتسول يتطلب مهارات عديدة منها الكذب والتمثيل والابتزاز العاطفي بكل ما يتطلبه من وسائل تبدأ ولا تنتهي. وكل متسول وإبداعه.. بعضهم محكوم بشبكة تنظم عمله كما يروي (خ.ع ) -أمام إغراء الـ 500 ليرة الساحر مقابل قول الحقيقة التي برهن عليها بكل جوارحه ليستحق ورقة لها سحر خفي- يقول: "هناك رجل كبير يأتي بنا إلى الشارع ويوزعنا في مناطق تختلف من يوم لآخر، يحمّلنا بالسوزوكي، ويوزعنا كل مجموعة في منطقة، ولا يأتي ليأخذنا إلا بعد أن نعطيه المال اللازم400 ليرة من كل واحد عن كل يوم. كما يؤمن لنا هذا الشخص الحماية من الدوريات وهو الذي علمنا كيف نتسول". وبعضهم تنظم (العائلاتية) عملهم إذ يتسولون هم وأخوتهم برعاية وإشراف الأخ الأكبر غالباً، والبعض يفضّل العمل الفردي ويعمل لحسابه الخاص الذي يعود في النهاية إلى جيب الأم أو الأب المسؤولين الأساسيين عن المشكلة، فعاصم الذي يتسوّل في أحد أحياء دمشق الراقية حاملاً علبة بسكويت لا تباع، يقول بأنه يعمل لوحده وليس وراءه أحد .. ولكن والده هو الذي دفعه إلى العمل (يتكلم عاصم بما يشبه الفخر عن أبيه وعما يقوم به، ويقول إن والده دفعه إلى العمل في الشارع كي يتعلّم تحمل المسؤولية) ورغم اقتناع عاصم وثقته بما يفعل إلا أنه يخاف أن يراه أحد زملاء المدرسة في الشارع يوماً خوفاً من المضايقات، ويحلم لو كان بإمكانه أن يذهب إلى المدرسة ويعود إلى البيت ليدرس ما تعلم. ورغم أهمية الجانب الاقتصادي وتأثيره على التسول إلا أن الجانب الاجتماعي يبدو أكثر أهمية، فهناك عائلات فقيرة جداً ولا تتسول، وهناك عائلات ليست فقيرة وأحياناً ميسورة ومع هذا تتسول. ومن هنا أهمية الوعي الاجتماعي وضرورته لمكافحة ظاهرة تنتشر بكثرة في مجتمعنا وهذا ليس بحاجة إلى برهان يقول د. نشأت حسين في دراسته عن أطفال الشارع: "لا يوجد إحصاء دقيق لعدد أطفال الشوارع عربياً وعالمياً، ولكن الأمم المتحدة قدرت أعداد أطفال الشوارع بحوالي 100 مليون طفل شارع على مستوى العالم بينهم (25-30) مليون في آسيا و40 في أمريكا الجنوبية و20 في إفريقيا وحوالي (10-15) متواجدين في باقي بلدان العالم" ورغم انعدام الإحصائيات المحلية إلا أن بإمكان أي كان ملاحظة الزيادة الغريبة لأطفال الشوارع وبالعين المجردة إلا عين وزارة الداخلية ووزارة الشؤون الاجتماعية العمل الكليلة عن كل هذه الأخطاء، لا بل إنها تشارك ربما في زيادة انتشارها، وأخص بالذكر وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل التي تمتلك ما لا يحصى من أساليب ماهرة في تضليل الصحفيين والباحثين والدارسين والراغبين في أي معلومة أو دراسة لا تمتلكها، أوليس الساكت عن الحق شريكاً في الخطأ؟ أوليس التضليل والإبعاد يوفر الحماية للمقصر وستاراً لأخطاء ترتكب يومياً، ومنعاً لإيجاد الحلول ؟، وهنا لي تجربة شخصية مريرة مع وزارة الشؤون، ما كنت لأسردها لولا أنها تفيد الموضوع، فقد توجهت بعد أن استكملت لقاءاتي مع المتسولين إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل كونها طرفاً مسؤولاً عن الموضوع، وعلمت أن الوزارة تقوم بواجبها الإصلاحي من خلال معهد إصلاح المتسولين في الكسوة، ولم أطلب الكثير، لم أطلب سوى الدخول إلى معهدها الإصلاحي الذي تفتخر به، ففوجئت أن الوزارة تطلب موافقة وزارة العدل، وبعد أن توجهت إلى وزارة العدل استغرب المعنيون إرسالي إليهم وخط النائب العام على كتاب رسمي قدمته له (إلى وزارة الشؤون لبيان الرأي في الموضوع). والموضوع باختصار ليس سوى دوامة للصحفيين والباحثين وكل من تسول(لاحظوا كلمة تسوّل) له نفسه أن يعرف شيئاً عن التسول، وزارة العدل لا توافق إلا بموافقة وزارة الشؤون ووزارة الشؤون لا توافق إلا بموافقة وزارة العدل، وقد علمت فيما بعد، ومن أحد المصادر في الوزارة أنها لعبة متفق عليها لإبعاد الصحفيين، وسألت بشكل علني في وزارة الشؤون عن نوعية المادة التي ستكتب، هل ستنتقد وزارة الشؤون أم أنها إيجابية تجاهها، وبناء على جوابي يتقرر دخولي أو عدمه، وقلت بأنني أريد انتقاد ظاهرة التسول وليس الوزارة، إلا أن كلامي لم يكن مصدر ثقة، وهكذا لم تترك الوزارة لي إلا الحيلة لأتبعها وتم الأمر، إذ دخلت تسللاً إلى معهد إصلاح المتسولين والمشردين، وعندما دخلت هناك عرفت سبب تخوف الوزارة وما أرادت أن تمنعني من رؤيته. معهد إصلاحي..؟ باختصار المعهد الإصلاحي ليس فيه أي نوع من الإصلاح سوى اللهم في اللافتة التي تدل على المركز وما تبقى لا شيء، هو لا يختلف عن الشارع إلا في كونه حجزاً يسلب حرية مفقودة لأطفال محرومين. - أين يذهب الأطفال بعد خرجوهم من المعهد؟ (إلى الشارع) يجيب أحد العاملين في المعهد دون أن يعلم أني صحفية. - ألا يوجد إصلاح في معهد الإصلاح؟(لا شيء) ألا يتعلمون مهنة تحميهم من العودة المستقبلية إلى الشارع؟ (لا مهنة ) ألا يوجد مدرسون أسوة بباقي السجون إن لم نقل مراكز الإصلاح؟ (هناك صف ومقاعد ولكن ليس هناك أي مدرس في المعهد). ليس هذا فحسب بل يفتقر المعهد إلى أبسط البديهيات، إذ لا يوجد هاتف أرضي لطلب طبيب أو ما شابه في حال حدوث طارئ، وليس هناك قسم مخصص للبنات، وكل ما يملكه المعهد مهجعٌ كبير وغرفة جلوس وصف وحمام وقفص يحتجز ملعباً لا إمكانية فيه إلا للعبة السباق التي ملّ الأطفال تكرارها طوال اليوم بعد أن انثقبت الكرة التي تبرع بها محسن كريم تاركة الأطفال دون لعب. هنا يبدو المعهد أسوأ ظروفاً من السجن، لا شيء يفعله الأطفال في نهاراتهم، لا يتعلمون،لا يلعبون، لا يصلحون .. لا شيء يبعد عنهم ثقل الساعات أو شبح مستقبل هو الشارع الذي أتوا منه وإليه سيعودون على ما يبدو في ظل إصلاح كهذا. ويبدو أن المعهد مجرد مهمة صورية للوزارة، دون اهتمام أو رعاية ودون عمل، خمسون ليرة سورية هي مخصصات كل طفل يومياً من الطعام والشراب وكل شيء، وهذا المبلغ تم رفعه بعد جهد جهيد من 25 ليرة كانت معتمدة حتى وقت قريب. ولولا تبرع المحسنين لكان هناك صعوبات كبيرة في تأمين اللباس واحتياجات أساسية، والأخطر من هذا أن المعهد لا يمتلك أي سلطة أو قوة رادعة لمن يرغب بالعبث بطفولة المتسولين، وعلى سبيل المثال فقد تعرض عدد كبير من أطفال المعهد للاعتداء الجنسي أثناء توقيفهم للتحقيق قبل صدور الحكم، ومع هذا لا يمتلك المعهد حق الإدعاء على المغتصبين. ويأتي هذا الدور للوزارة لإكمال مسيرة قديمة من الإهمال والخلل، فعلى سبيل المثال تأسست عام 1996 لجنة لمكافحة التسول، وكانت لجنة هامة تقدم المساعدة للمتسول أو تحيله إلى الشرطة إن ثبت ارتباطه بعصابة، ولكن الوزيرة السابقة بارعة قدسي طيب الله ذكرها تدخلت واحلت اللجنة معتبرة أنها غير قانونية، وتجدر هنا الإشارة إلى التقرير الصادر عن المنظمة العربية لحقوق الإنسان والذي تحدث عن ظاهرة التشرد والتسول في سوريا: )تلاحظ المنظمة أن حالة التشرد في سورية ليس لها مؤسسة قانونية ترعى هؤلاء الأطفال المشردين نتيجة لظروف اجتماعية كفقدان أحد الوالدين أو فساد العائلة كذلك تحت وضع اقتصادي سيئ. إنما هناك بعض الجمعيات تأوي هؤلاء الأطفال الأحداث في حالتين إما إحالة عن طريق القضاء، أو إحالة من مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل إلى جمعية رعاية المساجين، وإن الحد الأعلى لاستيعاب هؤلاء الأحداث 70 طفلاً وليس هناك موازنة مالية من مؤسسات الدولة تخصص لهؤلاء الأحداث، وإنما يأتي ريعها عن طريق التبرعات من أصحاب الأعمال الكبيرة، وغالباً ما تقوم هذه الجمعيات باستثمار هذه التبرعات بمشاريع صغيرة يعود ريعها لهذه الجمعيات ويتم تعليم هؤلاء في المدارس الحكومية. وعموماً إن هذه الجمعيات لها طابع خيري لا تجري فيها عملية تعليم وتأهيل هؤلاء الأطفال حتى يعودوا سالمين إلى المجتمع نتيجة الظروف التي تعاني منها هذه الجمعيات سواء من الناحية المادية والإدارية والاجتماعية والتربوية، فقط دورها عملية إيواء وليس عملية تأهيل وتعليم وتدريب، إنما يعود هؤلاء بعد خروجهم إلى ما كانوا عليه). عن دور الهيئة السورية لشؤون الأسرة في هذا الموضوع تقول الأستاذة رانيا الحاج علي: "نحن كهيئة لا نتعامل مع حالات فردية، وقد تم إقرار الخطة الوطنية التي وضعتها لجنة حكومية من أطراف حكومية وغير حكومية، الهدف الأساسي منها وضع نظام شامل لحماية الأطفال من العنف بحسب ما جاء في تعريف اتفاقية حقوق الإنسان ونحن طرف فيها، مكافحة تسول الأطفال يأتي ضمن أهدافنا، ويتحقق عن طريق توعية الأهل، وأهمية تربية الطفل بشكل سليم وصحيح، والتأكيد على حق التعليم، وفي الخطة هناك ما يسمى إهمال وعدم عناية تسبب الإساءة للطفل، وهذا البند يمكننا من محاسبة الأهل في مجال التسول وغيره، لكن لا بد من تفعيل هذا القانون، و نأمل أن تكون مسودة القانون جاهزة خلال هذا العام ونحن كجهة لا نسن القوانين بل نقترح مستعينين بخبراء ومختصين، كما نعمل مع الذين يهتمون بالأطفال والأهالي، والمواجهة هنا صعبة جداً وبحاجة إلى تكافل عدة جهود" لكن مع من تتكافل الجهود مع معهد لا إصلاحي أم مع وزارة صورية، مع ظروف اقتصادية تزداد صعوبة، أم فقر يتسع انتشاره مع ما يرافقه من تخلف وجهل. أم مع فرص عمل مغلقة أمام المتعلمين قبل غيرهم؟. تنشر بالتعاون مع مجلة شبابلك 7/2006
|