|
نقاش لمشروع الاستراتيجية الوطنية للشباب |
|
|
|
بسام القاضي
|
|
2006-08-05 |
تعمل الهيئة السورية لشؤون الأسرة، بالتعاون مع اليونيسيف، منذ أكثر من عام على إعداد استراتيجية وطنية للشباب في سورية. وشكلت عدة لجان تحضيرية لدراسة وإعداد جوانب مختلفة من الاستراتيجية. وفي هذا السياق دعت اللجنة المعنية بإعداد هذه الاستراتيجية ممثلي الجهات المعنية، وبعض الباحثين، وبعض الإعلاميين، إلى نقاش دراسة قانونية قام بها كل من المحامين: عاطف مسوح، وسام جلاحج، أبو فراس ضاحي، تحت عنوان الشباب في القوانين السورية. قدم الأستاذ عاطف مسوح ملخص عام للدراسة التي عملت على استخلاص وجمع القوانين المتعلقة بموضوع الدراسة في القوانين السورية المختلفة. متضمنا الاقتراحات والتوصيات التي شغل منها قانون الأحداث حيزاً هاماً نظراً لعلاقته الأساسية مع المرحلة العمرية التي تتناولها الدراسة. وكذلك جاءت التوصيات مطالبة بتعديل الكثير من القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية وتشغيل القاصر والعنف الأسري وقانون الأحزاب المزمع إصداره وقانون الجمعيات وقوانين النقابات. وتطرقت التوصيات إلى ضرورة إصدار قوانين تكافح جرائم الانترنت كجرائم التشجيع على السياحة الجنسية واستغلال الأطفال. (لاحقاً ستصدر الدراسة كاملة عن الهيئة السورية لشؤون الأسرة).نقاش مفتوح ثم أبدى الحاضرون ملاحظاتهم وآرائهم على الدراسة. والتي أشارت إلى عدة ثغرات رأى المشاركون أن الدراسة عانت منها. فقد أشار د. كريم أبو حلاوة أشار إلى الدراسة تعاني من ضعف في المفاهيم، أهمها تحديد مفهوم الشباب ومجاله العمري. متسائلاً عن كيفية اعتماد المساحة العمرية من 7-25 سنة للشباب؟ وهو ما يتناقض مع كل الاعتمادات المعروفة. وأشار إلى أن المساحة العمرية المعتمدة عالمياً لسن الشباب تقع بين 14 و24 سنة. وانتقد منهج الدراسة بكونها دراسة وصفية قامت بتعداد للقوانين المتعلقة دون دراسة أو تحليل. كما انتقد بنية الدراسة من حيث سؤالها الأساسي المفترض غير الواضح. ورأى أن السؤال الذي يفترضه هو عن العلاقة بين التشريع- القانون والمجتمع؟ ورأى أنه لم يتم وضع السؤال الأساسي ولم تتم، بالتالي، الإجابة عليه. وطرح تساؤلاً عن مدى ملاءمة حتى الدستور للتغيرات المجتمعية الكبيرة التي شهدها المجتمع السوري. وأشار د. حلاوة إلى مشكلة فئات واسعة من الشباب السوري هي العاملة في اقتصاد الظل، الاقتصاد غير المنظم وغير الخاضع لأي شكل من القوانين. وهذه الفئات، مع أسرها، تعيش وتعمل بمعزل عن الدولة والقوانين. وهو قطاع ذو دخل كبير عموماً كما أنه لا يدفع أي شكل من أشكال الضرائب. الأستاذ معتز دوه جي أبدى بعض الملاحظات العامة، وتساءل عن إشكالية الدراسة؟ ولماذا نحتاج إلى قانون للشباب؟ وأشار إلى قضية البطالة السائدة بين الشباب ومشكلة التشغيل وانعكاسها على واقع الشباب. كذلك اشار إلى مشكلة المشاركة السياسية للشباب وضيقها وعدم العمل على إشراكهم فيها. كما لفت الانتباه إلى علاقة الشباب بوسائل الإعلام والحرمان الواقع عليهم من حيث إمكانية إنشاء وسائلهم الإعلامية الخاصة التي يديرونها هم وفق ما يرونه مناسباً. وتحدث الاستاذ دوه جي عن مشكلة التدخين والنرجيلة والكحول وانتشار بيعهم للشباب دون أية رقابة على أعمارهم. بل حتى ارتياد النوادي الليلية متاح للجميع بغض النظر عن سنهم. إضافة إلى أن عدداً كبيراً من الشباب يعمل في هذه النوادي، وبعض الشابات أيضاً يعملن في الرقص وتقديم خدمات مختلفة داخل النوادي الليلية. د. أحمد حيدر تساءل إن لم يكن الإعداد للخطة الوطنية للشباب يمشي بالعكس. إذ يفترض مبدئياً أن تكون هناك فكرة واضحة لما نريد يبحث على أساسها عن الإطار القانوني المناسب وعن أدوات تفعيل الشباب وإدماج طاقاتهم في المجتمع. وأشار إلى أنه ليس هناك روح واحدة في القوانين السورية، فهي (لملمة) جلبت من أماكن وظروف ومجتمعات مختلفة بعيد الاستقلال. ونحن نحتاج إلى تلك الروح لتبني المنظومة القانونية المتكاملة. وأشار د. حيدر إلى مشكلة التعليم في سورية من حيث المناهج وأساليب التعليم وما يرافق ذلك من أدوات.. مؤكداً أن نصف سكان سورية خاضعون بمستويات مختلفة للتعليم. مما يعني أن حل مشكلة التعليم يعني حلولاً لقسط كبير من مشاكل الشباب. وتساءل: إن كان الجميع يعترف بأن التعليم في سورية يعاني من مشاكل في كافة مستوياته، فلماذا لم نستطع الوصول إلى حل؟ ورأى أن الجانب المتعلق بربط التعليم بالإنتاج والعملي ومن ثم حاجة السوق هو حاجة قصوى. كما أشار إلى علاقة الشباب بالعمل السياسي وقانون الأحزاب طارحاً أنه يجب أن ينص قانون الأحزاب على منع التنسيب لأي حزب لمن هم دون سن الرشد (18 عاماً). كما أكد د. حيدر على ضرورة أن يبنى العمل كلياً على أساس رؤية واقعنا الاجتماعي ومكوناته الثقافية من دين وتراث وعادات وتقاليد. الأستاذة هالة الآغا تساءلت عما يعنيه تأكيد الدستور على حماية الأسرة وتشجيع الزواج؟ ولماذا لا يجد ذلك تطبيقاً له في القوانين؟ الأستاذة لينا ديوب اقترحت دراسة آلية وكيفية خرق القوانين الموجودة قبل البدء بدراسات لقوانين جديدة نظراً لأن التجربة تقول أن هناك الكثير من القوانين الجيدة التي لا تجد لها أثر على الوقع بسبب آليات تطبيقها التي تفرغها من كل مضمون، بحيث يمكن الوصول إلى آليات تسمح باقتراح قوانين تتجاوز هذه الثغرة. السيدة رحاب شيخ ابراهيم اكتفت بتقديم ردود دفاعية على كل ما ورد في الدراسة ويتعلق بقوانين تقع في مجال عمل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، خاصة قانون الأحداث، مبينة أن الوزارة تقوم بكل ما عليها في هذا الشأن. د. أحمد أصفر أكد على أهمية وجود فلسفة- رؤية تكون مرشداً أساسياً للاستراتيجية الوطنية للشباب. وتتم الدراسة بناء عليها. وأهمية أن يؤخذ الواقع الاجتماعي والثقافي بالحسبان. مشيراً إلى أن كل ثقافة تتضمن عناصر تطويرها ضمنها. وهو مايجب البحث عنه واعتماده في ثقافتنا. وقال أن العلاقات القانونية لا يجب أن تحل محل العلاقات الإنسانية، كما هو الحال في علاقة الأب وابنه مثلاً. وأخذ على الدراسة أن بعض توصياتها جاءت خارج السياق، إذ قدمت بعض الاقتراحات بتعديل قوانين لم تجر دراستها. الأستاذ عفيف دلا قال أن الاستراتيجية ليست بصدد تقييم القوانين ووضعها. وأشار إلى أنه يجب الالتفات إلى عدم المبالغة حين نفكر بالقانون. إذ يجب أخذ الوقائع الاجتماعية بالحسبان. كما انتقد آلية العمل في التحضير للاستراتيجية من حيث غياب التنسيق بين اللجان المختلفة المعنية بالتحضير لهذه الاستراتيجية. د. فاروق باشا قال أن الدراسة تمشي فعلا بالعكس. والصحيح هو أن تسبقها الدراسات الميدانية لمعرفة الواقع الذي يجري الحديث عنه. وأكد على ضرورة ربط الثقافة بالمجتمع.توضيحات من الدارسين من جهتهم، معدو الدراسة علقوا على النقاش بإيضاح أن مجال الدراسة المتفق عليه هو أصلا الدراسة الوصفية. أي البحث عن القوانين المتعلقة بالشباب وتجميعها واستخلاص اقتراحات من واقعها. وهذا ما فعلته الدراسة. ونظرا لغياب مفهوم (الشباب) عن القوانين السورية، بدا من المهم تناول كل ما يتعلق بها في هذه القوانين التي تعتمد سناً مطاطاً يبدأ فعلا من سن التمييز (السابعة من العمر). والقوانين السورية تقسم المسؤوليات حسب أربع فئات من العمر: مرحلة الجنين، ومن 0-7 سنوات، ومن 8-14 سنوات، وما فوق 18 سنة. وبعض ما ينطبق على من في عمر 17 سنة ينطبق على من في عمر 8 سنوات. وأشاروا إلى أن قوانيننا قد أخذت أساساً من تشريعات مختلفة دون رؤية ناظمة. وهو ما نراه اليوم فيها من تناقض وقصور. ورأوا أنه، على العموم، باتت بالية ولا يمكن استخدامها أصلا في دولة حديثة. وتطرقوا إلى أن بعض القوانين هي جيدة من حيث التشريع. لكن التعليمات التنفيذية التي تأتي لاحقة بها تفرغها كلياً من مضمونها حتى تكاد تلغيها. وهذه مشكلة يجب العمل على حلها.وبعد.. لعل في الواقع الذي أشار إليه الباحثون من أن الدراسة أعدت لجهات معينة (الهيئة السورية لشؤون الأسرة جهة رسمية، واليونيسيف جهة "شبه رسمية" نظراً للشروط الخاصة لعمل هذه المنظمات). وفي ضعف المكافآت المادية المقدمة لمثل هذه الدراسات التي تتطلب، إضافة إلى الخبرة والمعرفة الواسعين، تفرغاً وجهداً من الصعب توفيرهما في مثل هذه الظروف المعاشية التي يعاني منها الجميع. وكذلك في الشروط المطلوبة أساساً من الدراسة من حيث تجميع وتوصيف المواد القانونية المتعلقة بالشباب، وفق ما قاله الباحثون أيضاً، بعضاً من التبرير. إلا أن ذلك كله لا يغير من واقع أن الدراسة عانت من ثغرة رئيسية أساسية هي غياب صفة "البحث" عنها. إذ رغم محاولة الباحثين تقديم بعض الشروحات للقوانين التي يجري استعراضها، لم تدخل هذه الشروحات في عمق هذه القوانين وعلاقتها مع موضوع الدراسة من حيث انعكاسها على واقع الشباب ومشاكلهم وفعالياتهم. وهذا أساسي حين الوصول إلى الاقتراحات والتوصيات. إذ إن توصيف القوانين لا يكفي للوصول إلى نتيجة مفادها ضرورة هذا التعديل أو ذاك. بل إن المقترحات والتوصيات ذاتها تحتاج إلى إيضاح لما يمكن أن تؤدي إليه هذه التعديلات. خاصة أننا نعرف أن توصيف القوانين بحد ذاته ليس موضع اتفاق كلي. بل إن بعضها موضع خلاف مهم وجوهري بين فئات واسعة من المجتمع، عدا عن حساسيته للدولة وأجهزتها. كما أن الدراسة كان يمكن أن تتقدم خطوات إضافية فيما لو جرى الربط بين القوانين المتعلقة ببعضها بقوة. ورغم أن محاولات متفرقة جرت بهذا الاتجاه، إلا أنها لم تكن ناظماً في الدراسة، وبقيت معزولة. وهذه الثغرات يمكن تجاوزها بسهولة نظراً لأن المادة الأساسية متوفرة، وهي مجموع القوانين المتعلقة بهذا الموضوع، مع ملاحظات قيمة أيضاً هنا وهناك في متن الدراسة. وبالتالي فإن جهداً إضافياً يمكن له أن ينقل الدراسة إلى مستوى مختلف فعلاً. من ناحية أخرى، لانعتقد أن هذه الدراسة ترتبط بموضوع الدراسات والاستبيانات الميدانية التي هي ضرورية فعلاً لبناء الاستراتيجة الوطنية بصيغتها النهائية. وهذه الدراسة في الأساس تحمل قيمة خاصة بها. إذ تصلح قاعدة أساسية للكثير من القراءات والاستنتاجات، وأولاً الدراسات اللاحقة. وبالتالي من الضروري فعلاً الإشارة إلى هذه القيمة الخاصة بالدراسة وبالجهد المبذول فيها. وقد بدا واضحاً أن هناك اعتراض مبطن من بعض الحاضرين لم يجر الإفصاح عنه بوضوح، لكنه تسلل من خلال إعادة الحديث مرات عن ربط القانون بالمجتمع. بينما كان المقصود هو بالضبط ترك القانون مساوياً لما ترغب بتثبيته بعض فئات المجتمع. وهي الفئات التي لم تع بعد أن المجتمع تغير إلى درجة كبيرة من حيث الواقع ومعطياته. وهذه الفئات هي ذاتها التي لا تقدم أية حلول مقترحة ملموسة لمشاكل الشباب، وتكتفي عموماً بجمل عامة ونصائح أثبتت الحياة أنها غير كافية. بل إنها قد توصل إلى نتائج عكسية إذا لم تكن معززة بإجراءات عملية تواكب التغيرات في حياة الشباب، سواء من الناحية الاقتصادية والثقافية، أو من ناحية دورهم في المشاركة المجتمعية بكافة مستوياتها. وكان مثيراً أن أحد الحاضرين دافع عن ضرب الأب لابنه تحت مسمى "العلاقة العاطفية الخاصة التي تربط الأب بابنه"! كما أن آخر دافع بقوة عن سيطرة الأب على قرار زواج الأبناء لأنه (هو من يدفع لابنه مهر زوجته، وأحياناً البيت الذي سيسكناه)! إن وضع استراتيجة وطنية للشباب هو عمل بالغ الأهمية في سورية. إلا أنه سيبقى عملاً ناقصاً، وقد يكون عملاً ميتاً أصلاً، مالم تخرج الاستراتيجية عن الخطوط الحمر التي باتت المؤسسات المعنية تضيق منها كل وفق حساباته الخاصة. فالحديث عن استراتيجية وطنية لا يشبه بشيء الحديث عن مشروع محدد، أو دراسة معينة. ومالم تمتلك هذه الجهات الجرأة الكافية لتسمية الكثير من الأشياء بمسمياتها، نقول الكثير وليس كل، فإن الخوف يبقى قائماً ومشروعاً من أن نعود إلى دائرة القوقاز الشهيرة التي طالما حكمت مشاريعنا: الجميع يتجاذب قضايا مجتمعنا في هذا الاتجاه أو ذاك. لكن أحداً لا يوقف هذا الشد، ولا تكون النتيجة سوى حبر على ورق، ومستهدفون يكملون عيشهم في مآسيهم التي حققت (المكاسب) بسببها!ملاحظة أخيرة للأسف، لم يكن هناك أحد ممن تعنيهم الدراسة! أي من الشباب! باستثناء صبية واحدة غادرت مبكرة لظروف خاصة بها!5/8/2006
|