|
لا تبكِ! اضطهاد تاريخي للرجل.. |
|
|
|
نساء سورية
|
|
2006-07-21 |
حين قررنا أن نفتح باباً خاصاً بقضايا الرجل في "نساء سورية"، لم نكن نهدف إلى تأكيد التمييز بين المرأة والرجل. ولا إلى (المناكدة) بأن للرجل قضاياه كما للمرأة قضاياها! بل لأن هناك أنواع من الاضطهاد والتمييز التي يتعرض لها الرجل مبنية على أساس التمييز الجنسي. أي مبنية على أساس أنه "رجل= ذكر"! كما أن الأدوار الاجتماعية التي أنيطت بكل من الرجل والمرأة، ترتب على الرجل، بصفته ذكراً، أعباء كثيرة ليست في (مصلحته) كإنسان. بل كثيراً ما تتناقض مع هذه المصلحة. هذا من جهة. ومن جهة أخرى لأن الطريق باتجاه علاقة متساوية ومتكافئة بين الرجل والمرأة، لا تقتضي فقط معالجة التمييز ضد المرأة، وحل الإشكاليات القانونية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية المتعلقة بهذا التمييز، بل أيضاً حل القضايا في المستويات ذاتها التي كرست أعباء ومهام على الرجل قد لا يمكن للمساواة والتكافؤ أن يتحققا ما لم تعالج بطريقة صحيحة. والواقع أن الرجل المضطهِد (بكسر الهاء) للمرأة على أساس جنسها وما ارتبط به من أدوار اجتماعية محددة، هو أيضاً ضحية لكثير من عناصر التمييز ذاته، لكن بوجه آخر. أي أنه هو أيضاً مضطهَد (بفتح الهاء) على أساس جنسه وما ارتبط به من أدوار اجتماعية محددة. وهو ما سأتناوله في مقالات متتالية. أول ما نعانيه نحن "جنس الرجال" هو جملة السلوك العاطفي الذي تتم تنشئتنا عليه بصفته سمات أساسية لا يمكن أن تتحقق "الرجولة" دونه. ومن هذه الجملة قاعدة شهيرة تُعلم من اللحظات الأولى لطفولة الذكر: "لا تبكِ!". والمنع من البكاء هذا غالباً ما يترافق مع أشكال عنف مختلفة ومناسبة للحظة التي يتم فيها. ولا يندر أن يدعم بالضرب المباشر تأكيداً للمقولة المضمنة فيه. وهذا ما يعانيه الكثير من الأطفال الذين يعبرون عن استياءهم بالبكاء. خاصة حين يكون البكاء ناجماً عن تدخلات خارجية كاللعب مع أطفال آخرين. وهذه الحالة الأخيرة دارجة على نطاق واسع. إذ يلجأ الأهل، الآباء والأمهات والأخوة والأخوات، إلى تأكيد أن بكاء طفل تعرض لمشكلة مع رفيقه في الحي هو أمر بالغ السوء إلى درجة أنه يستحق أن يضرب الطفل الذي يبكي كي يتوقف عن البكاء! وطبعاً هذا يعني أن يلجأ إلى أساليب أخرى في الردّ يقف على رأسها استخدام العنف ضد الطفل الآخر الذي تسبب بالحالة. ولا يختلف الأمر حين يتعلق البكاء بحاجة محددة لم تلبّ. كطلب أمر من الأم أو طلب لعبة أو مشكلة لم تحلّ.. فهي جميعاً يرد عليها بالطريقة ذاتها: منع البكاء بمختلف الوسائل بما فيها الضرب. من الضروري، قبل أن نكمل، أن نقول أن البكاء هو آلية بيولوجية أساسية لتفريغ الشحنات العاطفية الشديدة. ولذلك لا يرتبط البكاء بالمواقف التي يسمها المجتمع بـ(الضعف) فقط. أي لا يرتبط بالحزن والقهر والهزيمة والإخفاق.. وحسب. بل هو تعبير أساسي أيضاً عن شدة الفرح وشدة الوجد ولهفة اللقاء والضحك الشديد.. ورغم اعتراف المجتمعات بالأشكال المختلفة للبكاء، إلا أنه ارتبط في مجمل الثقافات البشرية بالجانب (السلبي) فقط. وباستثناء البكاء من الضحك الشديد، وهو أيضاً غير محبذ (للرجال)، فإن الرجل مدان دائماً حين ممارسته لأي من أشكاله المختلفة. البكاء إذاً بحد ذاته، وبغض النظر عن المواقف التي تسببه، هو أمر منظور إليه على أنه صفة مناقضة (للرجولة). صفة تنتقص من (الرجولة). ولا يشذ عن هذه القاعدة سوى بعض المتدينين (وهذه تشمل جميع الأديان) الذين يرفعون سوية الاقتراب العاشق مع الذات الإلهية إلى مستويات عاطفية عليا. (ما يسمى في الإسلام بالوجد الصوفي). الحرمان من البكاء، إذاً، يتضمن نوعين من الاضطهاد الممارس على (الذكور) قبل أن يصيروا رجالاً، ثم على الرجال حين يبدؤون ممارسة أدوارهم الاجتماعية. النوع الأول هو حرمانهم من التفريغ العاطفي. مما يؤدي إلى كبت شديد يقول بعض العلماء أنه من الأسباب المهمة في التسبب ببعض الأمراض النفسية والجسدية. والنوع الثاني هو العنف الجسدي المترافق مع منعه في مرحلة الطفولة. والعنف الاجتماعي والنفسي المترافق مع إدانته في مراحل (الرجولة). إضافة إلى ذلك، غالباً ما يترافق هذا الحرمان مع تأكيد أن البكاء هو "للبنت". وهذا التقسيم، الذي تم تناوله كثيراً من قبل المهتمين بصفته تمييزاً ضد الأنثى، هو أيضاً تمييز صارخ ضد الرجل. وهو يعني إجبار الرجل عموماً، ومنذ مراحل مبكرة من طفولته، على اتخاذ أدوار أكبر من إمكانياته. بصفتها الوسيلة الأساسية التي تؤكد (عدم ضعفه). وفي هذا يتساوى الموقفان من حيث لا إنسانيتهما. فالإقلال من قيمة إنسان ما لا تزيد سوءاً عن الإعلاء من قيمته حين يتعلق الأمر بممارسة الحياة. فكلاهما يؤدي إلى اغتراب حقيقي بين الإنسان وواقعه. وكما أن وضع مهندسة في مكتب تافه لتوقيع الأوراق يؤدي إلى إحباط شديد للمرأة، فكذلك وضع رجل غير مناسب في موقع قيادي عال. كلاهما يعني توتراً نفسياً غير مبرر، وغير منتج. وكلاهما يعني تهميشاً لإمكانية الفرد المعني. هذا إذا أخذنا الأمر من زاويته الصحيحة (النفسية- الاجتماعية- الإنتاجية)، من زاويته الشعاراتية. كما أن هذا الحرمان يلعب دوراً هاماً في توجيه الذكر، طفلاً ثم رجلاً، نحو العنف بصفته الوسيلة الثانية لتفريغ الشحنات العاطفية، وهي الأكثر شيوعاً، كما أنها الأولى من حيث القبول الاجتماعي. وتاريخياً تم تثبيت الرجال (العنيفون) على أنهم رواد ونماذج تاريخية تحتذى. وللمفارقة، يعبر الكثير من الرجال (الذكور) في جلساتهم الخاصة، حين تنزع صفات (الرجولة) كصفات عليا مقدسة، عن احتياجهم الشديد في لحظات كثيرة للبكاء. بل أغلبهم تصل الدمعة إلى أطراف جفونهم مرات عديدة ثم تعاد قسراً إلى الداخل! تاركة في مستوى الشعور طاقة هائلة لم تجد طريقاً لتتفتت. ومضيفة شعوراً سيئاً آخر يتمثل في نظرة سلبية يحملها لذاته التي اتجهت، دون إرادته، إلى البكاء. هكذا يبدو أن الجملة التي تستخدم كثيراً بصفتها نموذجاً للتمييز ضد المرأة- الأنثى، (البكاء للنساء)، هي أيضاً نموذج صارخ للتمييز ضد الرجل. أي أنها، ببساطة، وسيلة ثقافية لقسر الرجال-الذكور والنساء-الإناث على لعب أدوار محددة في المجتمع. أدوار، من زاوية هذه المسألة، لا تأخذ بالحسبان خصائصهم الإنسانية، بل على حساب هذه الخصائص.2006-07-21 خاص:
|