|
المرأة السورية مازالت في وضعية القهر المزدوج |
|
|
|
د. طلال عبد المعطي مصطفى
|
|
2006-07-21 |
مع دخول البشرية القرن الواحد والعشرين، وتحول العالم تقريباً إلى قرية صغيرة بفضل العولمة بكافة أشكالها، وبالرغم من الكتابات التي لا تحصى والشبه يومية تحت عناوين كلاسيكية تؤكد حصول المرأة السورية على حقوقها وتستند إلى إحصاءات رسمية تحدد نسبة وجودها في المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيره، ومع أننا لا نبخس من قيمة هذه الإنجازات التي حققتها المرأة السورية في العقود الأخيرة مقارنة بالماضي، ما زالت وضعية القهر تفرض على المرأة السورية بأوجه متعددة، وسأوضح ذلك من خلال حالة امرأة (أمل) متزوجة ولها ثلاثة أولاد، وهي في الخامسة والعشرين، وتعيش في حي لا يبعد عن جامعة دمشق كثيراً. نالت الشهادة الثانوية بتفوق، ولم تستطع متابعة دراستها الجامعية لأن عائلتها تعتقد أن الفتاة تحضر إلى الجامعة بقصد "الفلتان"! فالدراسة الجامعية، برأيهم، ليست ضرورية للفتاة. لأن "آخرتها" الزواج! مع أن زوجها لا مانع لديه من متابعة دراستها الجامعية، ولديه القناعة المطلقة بضرورة متابعة الفتاة لدراستها الجامعية. لكنه، في حالة زوجته، لا يحبذ متابعة دراستها حتى لا يسمع كلاماً سلبياً من العائلة، أو حتى لا يواجههم. هذه رواية لحادثة لا تتكرر كل يوم. والفتاة لا تمثل المجموع النسائي في مجتمعنا. بل إن مقاعد كلية الآداب تغص بالإناث هي خير دليل على عدم تمثيليتها. وبالرغم من ذلك، ولكونها تبدو خارج الزمان وغريبة على المكان، تصلح وسيلة لتعريف أحد معاني مفهوم "مساواة المرأة مع الرجل" الغامض أحياناً، والمثير للجدل دائماً. فالفتاة المتفوقة علمياً تمنع عن حق كرست بداهيته في القرن الواحد والعشرين لكل الناس، وهي لا تمنع عنه لأسباب مادية، أو لأنها لا تف الشروط الأكاديمية المطلوبة لتحقيقه، ولا حتى لأنها منشغلة بأدوارها النسائية.. بل تمنع عنها الدراسة الجامعية فقط لأنها تنتمي إلى فئة النساء! أي لأنها ولدت في هذه الدنيا بسمات بيولوجية محددة، صنفت بموجبها أنها "أنثى"! وتبعاً لذلك فإن محيطها الاجتماعي (العائلة) يمنع عنها التعليم الجامعي لسببين: الأول: لأن التعليم الجامعي غير ضروري لوظيفتها (آخرتها) كربة منزل. الثاني: لأنه غير ضروري. وهو لا يعدو كونه مناسبة لـ"الفلتان"! أي الهروب من رقابة المحيط العائلي. وموقف هذا "المحيط" موقف حازم ونهائي ولا يأخذ بالحسبان صفات الشخصية، أو تفوقها العلمي ورغبتها الشخصية بالدراسة الجامعية. هذا المحيط تجاهل كل ما يتعلق بها كفرد منفرد عنه، ولم يظهر له منها غير كونها "أنثى". تشير حالة (أمل) إلى مظاهر أساسية من المحددات الاجتماعية والثقافية للانتماء إلى الجنس الأنثوي: وظيفتها (الزواج وملحقاته) التي لا تحتاج إلى تهيئة أكاديمية. وهذه تفضي، بدورها، إلى استوائها موضوعاً جنسياً جذاباً وقابلاً للإنجاب. ويتضامن هذا الاخير مع ضعفها الأخلاقي المفترض. وهذا ما يستوجب مراقبتها وبقاءها في المنزل لحمايتها من "الفلتان". وما على (أمل) إلا أن تلتزم هذه القواعد الأخلاقية التي يمليها عليها محيطها لما ينبغي أن تكون عليه الأنثى. لكنا تتبناها في الوقت نفسه، فهي لا تواجهها صراحة، بل مداورة، وذلك ببقائها في مجال مراقبة محيطها الاجتماعي، وتلتزم العفة الكاملة سلوكاً ومظهراً، وتختار مستقبلها في وظيفتها الأساسية، نافية رغبتها الفعلية إلى عالم الاستحالة -الجامعة-. وهكذا لا تخضع (أمل) لقواعد محيطها الاجتماعي فحسب، بل هي تقوم عبر سلوكها الخانع للأمر الواقع، بإعادة إنتاجها من جديد. وزوجها يفعل الشيء نفسه، يداور بالكذب والحيلة، لأنه لا يرغب بمناهضة النظم الأساسية التي تحكم انتماء زوجته لبنات جنسها، برغم قناعاته الخاصة "بتميزها" عنهن. هو أيضاً يخرق القواعد المكرسة المذكورة. لكن سلوكه يعيد إنتاجها في الوقت نفسه. حيث تشكل المحددات الثقافية - الاجتماعية- لانتماء الشخص إلى واحد من الجنسين جوهر ما يدعى "المساواة". هذا الوعي ليس بعيداً في الزمان، وهو لا يشمل كل الناس، ومن يصغ جيداً يسمع الكثير عن طبيعة المرأة وعن طبيعة الرجل التي تكسب الواحد دون الآخر صفات نفسية ومؤهلات اجتماعية ومهنية ومهارات، وتسوغ سلوكيات لدى أحدهما وتحظرها عند الآخر، وإلى ما هناك. و"الناس" الذين لا يشملهم هذا الوعي لا يمكن حصرهم بفئة بعينها، فالمسألة لا تتعلق بكونهم متعلمين أو جاهلين، من طبقة اقتصادية أو اجتماعية معينة، متاثرين بالثقافة الغربية أم لا، من الرجال أو من النساء.. إلخ. وشرط وجود هذا الوعي غير بسيط. ويؤكد علماء النفس أن الهوية (ذكر أو أنثى)، أي قناعة الشخص الثابتة بانتمائه لواحد من الجنسين تتشكل في زمن الطفولة الأولى من سن (2-4) سنوات. هذه الهوية تتشكل برأي البعض بالاختلاف عن الآخر. كأن يحدد الصبي نفسه بأنه "عكس" الأنثى (لا تبكي، البكاء للبنات). والأنثى تقوم كذلك بتحديد نفسها بأنها عكس الصبي (ألصقي فخذيك، لا تفرشخي كالصبيان). وأول ما يتعلم في المدرسة (بابا يعمل، ماما تطبخ). وفي النظام الأوبي السائد في المجتمع العربي يتضمن الانتماء إلى واحد من الجنسين، الانتماء إلى واحد من المجالين: "الخاص"، أو "العام"، أساساً. وإلى نمطين من الأدوار الاجتماعية الاقتصادية، أحدهما يتسم بـ"الإنتاج"، والثاني بـ"إعادة الإنتاج". ويترتب على الانتماء إلى دائرة "الخاص" وإلى القيام بدور "إعادة الإنتاج" الخضوع لمن يحتل دائرة "العام"، ولمن يقوم بدور "الإنتاج". فالمترتبات السياسية (بالمعنى العام) للانتماء إلى واحد من الجنسين ينتج علاقات من الهيمنة-الخضوع التي تغذي بدورها كل البنى المجتمعية الفوقية: الإيديولوجيا، الأخلاق، القانون.. التي تقوم بإعادة إنتاج تلك العلاقات وتساهم في تثبيت و"عقلنة" الأدوار والمكانات، متوسطة لذلك التنشئة أساساً، والقمع أحياناً. وفي الوقت نفسه، ومن بداهة القول أن الوظائف والمميزات البيولوجية لكل واحد من الجنسين لم تتغير عبر التاريخ، ولن تتغير في المستقبل القريب. وهي لا تتغير عبر الثقافات الاجتماعية المختلفة والمجتمعات والطبقات والأجناس والأديان.. إلخ.. أما المحددات الاجتماعية والثقافية للانتماء لواحد من الجنسين فقد تبدلت عبر التاريخ، وتختلف في الزمن الواحد عبر المجتمعات. وفي البلد الواحد تتغير بحسب الطبقات والثقافات الفرعية والمناطق وما إليها من متغيرات. ولعل حالة (أمل) التي تحدثنا عنها في مطلع هذا المقال، تثبت ما نقول. فالنظم التي تحكم انتماءها إلى بنات جنسها ليست متطابقة تماماً مع النظم التي تحكم زميلة لها، لأنهما تنتميان، ربما، لثقافتين فرعيتين مختلفتين، وهي قد تختلف إلى حد التضارب مع امرأة سورية أخرى نشطة في إحدى الحركات السياسية أو الاجتماعية الثقافية. وفي قصة (أمل) لا يقع القهر على (أمل) فقط، بل إن زوجها يتحمل قسطاً غير قليل منه. فهو، كما ذكرنا، خاضع لما تمليه عليه الجماعة (الوسط العائلي)، ويهرب من المواجهة، يفعل ذلك تحت سمع زوجته وبصرها. وهكذا نجد حالة قمع المرأة تظل مزودجة أفقياً من الرجل في الواقع اليومي المعاش، وعمودياً من قوى الموروث التاريخي الثقيل الذي يكتب قدرها المازوشي، فتمارس تعذيب الذات وتقوم بهذه المهمة مع ذاتها نيابة عن الرجل أيضاً. ثم تبدأ بالانسحاب إلى الداخل والانكفاء في قفص الاستلابية، حالمة بمستقبل آخر مختلف، أقل قسوة في مجتمعات العالم العربي الذي تأخر فيه كثيرا بزوغ الإنصاف والعدل.د. طلال عبد المعطي مصطفى: جامعة دمشق- قسم علم الاجتماعخاص: نساء سورية 2006-07-20
|