|
إعداد: مصطفى رزق
|
|
2006-07-14 |
تتعرض المرأة في المجتمعات العربية لترسانة من الانتهاكات، تصل إلى حد تعريض حياتها للخطر والموت أحيانا، تحت لافتة وشعار غامض ومطاط اسمه (الشرف). ويظهر جليا التناقض في التعامل مع المرأة في المجتمعات العربية، ففي الوقت الذي تلعب فيه المرأة دورا حيويا في الحياة من خلال العمل وكسب الرزق يتم معاملتها بقدر متدن من الحرية في الحركة والتعبير عن نفسها، وهو المفهوم الذي يبدو كأنه متأصل في الثقافة والوعي الجمعي للمجتمع العربي، تظهره النظرة الدونية للمرأة في بعض المناطق، وكأنها فقط ماكينة، ووسيلة للتفريغ الجنسي، أو آلة للإنجاب. قيود شرعية كما تزداد خطورة الأمر حينما تؤيد هذه الأفكار فهمًا مغلوطا وغير حقيقي لقيم الدين، فالمرأة التي كرمها الله في رسالاته وكتبه السماوية، يُنظر إليها وفق منظور مغلوط على أنها (العورة) ومصدر الغواية والدنس وربيبة الشيطان في الإيقاع بالرجل في مهالك الخطيئة! غير أنه، وفي الوقت الذي يروج فيه البعض إلى أن جرائم الشرف لها صلة بالدين، وبالقيود والحدود التي يضعها على المرأة، يوضح العديد من رجال الدين الإسلامي أن الإسلام جعل إثبات جريمة الزنا مسألة معقدة إن لم تكن مستحيلة، فهو يتشدد مثلا في المسائل المتعلقة بهدر دم الإنسان، وفي قضية مثل "الزنا" التي يدور موضوع جرائم الشرف حولها، يشترط أربعة شهود وشروط أخرى تعتبر "تعجيزية" حتى لا يبيح القتل لمجرد الوشاية أو الشك أو فورة غضب. كما يشترط الدين الإسلامي أن يجمع الشهود الأربعة على رؤيتهم للجريمة بأم أعينهم، ويقسمون على ذلك أمام قاض، وهذا أمر صعب إن لم يكن مستحيلا، والقصد من ذلك منع وقوع مثل جرائم العرض هذه، وأيضا الستر على الناس وعلى الأسرة والحفاظ عليها. القانون.. والشرف من ناحية أخرى، تأتي التشريعات القانونية لتنقص من حق المرأة الإنساني المنتهكة حقوقها أصلا، وذلك في انحياز تطبيق تلك القوانين، كأحكام قضائية ضد المرأة والذي يتأكد بالتساهل مع الرجل الذي قتل امراة باسم الشرف، ويكفي الرجوع للأسباب التي تستند عليها الأحكام القضائية كدافع لقتل النساء باسم الشرف، وتلك الأسباب هي ترديد للموروثات الثقافية والاجتماعية التي لا تتدخل المنظومة القضائية في نقدها. والغريب ـ في هذا الجانب ـ أن معظم المواد القانونية التي تتساهل مع جرائم الشرف، مأخوذة من القانون المصري، المأخوذ أساسًا عن القانون الفرنسي. كما يقف القضاء في ذلك موقف الهجوم على الضحية الأنثى بمبررات واهية تدين المتهم الذكر أكثر من إدانتها للمجني عليها، ومع ذلك تأتي الأحكام القضائية مخففة، استنادًا إلى المادة 17 من قانون العقوبات المصري؛ التي تجيز استخدام الرأفة بتخفيف العقوبة أو تخفيضها، مخالفًا بذلك دور القضاء في حماية الحريات وصون الكرامة الإنسانية لأفراد المجتمع بدون تمييز. ازدواجية مجتمعية ومن الناحية الثقافية والاجتماعية فنجد أن الثقافة المرتبطة بالنظام الأبوي في بلدان الشرق ليس لها علاقة بالدين الإسلامي وسيرة المؤمن فقط، بل هي عادات وموروثات في نظام معقد من الأعراف والتقاليد؛ التي ترجع إلى أصول قديمة ممتزجة بالثقافة البدوية والمجتمعات الجبلية المنعزلة والبعيدة عن حضارة المدن، والمتناقضة مع ثقافات الحضر والمدن. وقد أنتج هذا الإرث الثقافي الممزوج بأفكار العديد من العقائد السماوية، ثقافة شرقية ترى في "الأنثى" وما تفعله "عيبًا" يلطخ بالعار جبين الرجال، وتأتي بالمذلة لعشائرها وأقوامها وعاداتها القادمة مع رمال الصحراء، وتحط من قدرهم ومنزلة عائلتهم. وتدعونا تلك الجرائم لتأمل البيئة التي تنتجها على المستويات الاجتماعية والاقتصادية، فنجد أن الشرائح الأكثر عزلة وافتقارًا وأكثرها تعرضًا للانتهاكات الاجتماعية والاقتصادية هي أكثر الشرائح تصديرًا لتلك الجرائم، وهو ما قد يتم تفسيره كنوع من الإعلان عن الذات والدفاع عنها في مواجهة قمع وفقر لا يفرق بين الرجل والمرأة، وبما أن المرأة هي الطرف الأضعف يتم ممارسة القهر عليه تمامًا؛ لسلسلة من القهر المتبادل. دور الإعلام تلعب المؤسسة الإعلامية دورا خطيرا في تلك المسألة سلبا أو إيجابًا، من خلال العمل على تغيير أو ترسيخ المفاهيم الاجتماعية الخاطئة، ويصبح الأمر مثيرًا للدهشة بل وللسخط أيضا، حين تتحول تلك الانتهاكات إلى مجرد مادة يومية للإثارة ولزيادة المبيعات، بدلا من إلقاء الضوء على مدى خطورة تلك الجرائم وضرورة نبذها والتصدي لمرتكبيها، بل يتعدى الأمر ـ من خلال الصياغة ـ في الكثير من الأخبار التي تعلق على تلك الجرائم كأخبار حوادث إلى التشجيع على ارتكابها مثل "قتلها ليغسل عاره"، أو "لشكه في سلوكها"، أو "السم لابنتها لتتخلص من فضيحتها". وتأتي الوسائط الإعلامية والفنية كالتلفزيون والسينما والإذاعة؛ لتظهر المرأة دائما سببًا دراميا أساسيا لتحريك الأحداث بغوايتها للرجال أو سوء سلوكها! فلا تخلو مشاهد السينما من ضرب أو قتل لأنثى، وكذلك تترات المسلسلات التي لا تخلو من مشاهد لضرب أو صفع الشخصيات النسائية؛ كمادة مثيرة لبداية المسلسل، ولجذب انتباه المشاهد إلى أن الدراما "ساخنة" وتستحق المشاهدة. يشار في هذا الصدد، إلى أنه تبدأ في منتصف العام الجاري عمليات تصوير فيلم يدور حول جرائم الشرف، تحت عنوان "ياسمين"، وتنتجه الإماراتية "نايلة الخاجة"، ويحكي قصة فتاة فلسطينية تربطها علاقة صداقة قوية مع أحد الأميركيين الفلسطينيين الذين يزورون الضفة الغربية، وخلال حوارهما، يقوم الأميركي بتصويرها بالفيديو وهي تتحدث إليه، لينتشر الشريط في القرية وتتطور أحداث الفيلم حتى يتقرر مصير الفتاة ما بين أخ متطرف فكريًّا، وأب حنون يخاف على ابنته الوحيدة. دراسة في دراسة له بعنوان "الجرائم بسبب الشك" قال مركز قضايا المرأة في مصر: إن السبب الأساسي لارتكاب جرائم الشرف هو الشك في السلوك، حيث بلغت نسبة جرائم القتل بسبب الشك 79 %. وتؤكد الدراسة ـ التي نشرت نتائجها مجلة "أخبار الحوادث" المصرية ـ أن هناك عددًا كبيرا من النساء المجني عليهن يتم قتلهن لمجرد الشك، وجاء في المركز الثاني في جرائم القتل، اكتشاف الخيانة أو اعتراف الضحية بها، ونسبتها 9 %، يليه الرغبة في منع إظهار العلاقة مع العشيقة سواء كانت عشيقة الجاني أو عشيقة أحد أقاربه وبلغت 6%، كما تم ارتكاب جرائم قتل ضد عشيقة الأب أو الأخ أو ابن العم، وبلغت نسبتها 6%. ومن خلال جملة من النسب السابقة ورؤية عابرة لبعض القوانين المطبقة في العالم العربي، هناك العديد من الأسئلة الهامة التي تطرح نفسها على الشارع العربي، وعلى الحكومات التي من المفترض أن تأخذ هذه الجرائم البشعة والممارسات اللاإنسانية بحق المرأة بعين الاعتبار.. ألم يحن الوقت لإعادة النظر بقانون يبيح قتل الإنسان؟ أليس من الأجدر محاسبة الأخ أو الأب و تطبيق أقسى العقوبة على من تسول له نفسه قتل نفس بشرية؟ خاصة إذا ثبت علميًّا وشرعيًّا أن المقتولة عذراء في حالة اتهامها بالزنا؟ لكل هذه الأسباب التي تشرح وتفسر وتؤدي في الوقت نفسه لوجود هذه الجريمة ـ وبهذه الصورة ـ في المجتمعات العربية.. يبرز بإلحاح ضرورة التصدي لهذه الانتهاكات والتعرض لها بالبحث والحوار والغوص في أعماق التربة الاجتماعية؛ للوصول إلى الجذور العميقة لأسباب تلك الجرائم؛ التي توفر لها الدعم والتبرير والقبول الاجتماعي، بل والفخر بارتكابها والحض عليها.المصدر: الجسر
|