|
كنا صغيرين والأشجار نادرة… |
|
|
|
ردينة حيدر
|
|
2006-07-14 |
كنا صغيرين والأشجار نادرة…… كان حي القابون هو عالمنا المغلق بقبضة فولاذية، وخلف الأبواب كانت تعرش في ظلام ورطوبة الجدران الأسرار المرعبة.. الأسرار التي كانت تختبئ نهاراً وتزحف ليلاً ناشرة الخوف في كل مكان.. مما اضطرنا إلى استخدام أربعة اقفال للبيت الواحد.. ليصبح الخروج بعد الثامنة مساءً أشبه بانتحار حقيقي.. كان أبي مساعداً في الجيش العربي السوري، السبب الذي جعلنا نرحل خلفه إلى دمشق ونهجر قريتنا الجبلية الساحرة، لكن المتقعة في الفقر والموت…ومن ثم الانتقال إلى أكثر المناطق تعصباً وازدواجية في دمشق. كنت شاباً صغيراً في الصف السابع، وكان همي الوحيد آنذاك هو إخفاء عضوي المنتفخ بشكل دائم، لأن أبي كان يخيم كالرعب في بنطلوني…أبي الذي كان غاضباً من العدو ومنا في آن معاً.. لم أكن شاباً تافهاً بلا هدف كما أعتقد، لكني كنت كذلك بنظر الجميع الذين لم يضطروا إلى قول ذلك، فقد كنت ألمح كل شيء في عيونهم القاسية… والسبب هو أنني كنت أغسل الصحون وأساعد أمي وشقيقاتي كما لو أنني كنت فتاة..! وفي أحد الأيام الغريبة في الحي المتزمت والذي لم أتمكن حتى زمن قريب من التخلص من ذلك الإحساس العظيم بالغربة بين أزقته… وفي الصباح الباكر فاحت رائحة دم طازج… وانتشرت في كل مكان ووصلت حتى أبواب الحي وتوقفت إلى الأبد، محولة الحياة إلى كابوس نتن.. كان زميلي ذو الثالثة عشرة ربيعاً في المدرسة -والذي كان في أغلب الأحيان غير مرئي- بسبب صغر حجمه وبراءة ووجهه- قد أقدم على قتل شقيقته ذات السبعة عشر ربيعاً والتي أحبت ابن الجيران في غفلة السكاكين. وكان أهل زميلي قد اشتبهوا بوجود علاقة جنسية بين الاثنين، فدفعوه وهو الأصغر بينهم إلى إطلاق النار عليها وقتلها في أرض الدار.. دون مقدمات! وبدأت أرض الدار تدور موزعة حكاية الموت على البيوت المجاورة لأجيال وأجيال… وكنت أتساءل حينها عن ذلك الشيء المحرم الذي تذوقته، لدرجة الحكم عليها بالموت مباشرة.. وراح خيالي يشط ويتسع منطلقاً نحو السماء.. المنفذ الوحيد للضوء في ذلك العالم.. هل تطاول ثدياها لدرجة كبيرة وسرقا أموال بيت الله..!! هل ذبحت أحداً، ودخنت سيجارة فوق جثته..!! هل زورت ونهبت وخانت أبناء وطنها..!! أسئلة كثيرة كانت تدور وتدور…مسببة صداعاً أزلياً… بينما كان النمل الأحمر يسحب الجثة وينزل بها إلى جحوره المظلمة..! هناك في الحديقة تم دفن الجثة والتعتيم على الموضوع كاملاً، لكن أزهار الشهوة راحت تنموا في كل مكان مسببة الرعب للجميع أزهار من النوع الآكل للحم البشري.. برائحتها القاتلة… ومنذ ذلك اليوم تغير صديقي.. كبر فجأة… ونمت شواربه بسرعة كبيرة وغارت عيناه في وجهه كقبر وصار رجلاً.. وبقيت أنا (شاباً تافهاً) أصارع وحشاً خفياً يخرج في كل الأوقات، ويحاصرني حتى الاختناق..!!24/11/2005 خاص:
|