|
بسام القاضي
|
|
2006-07-14 |
قلنا سابقا أنه من الغريب أن المناهضين لإلغاء المادة 548 من قانون العقوبات لم يجدوا سوى الاتهام أن مؤيدي إلغاء هذه المادة متأثرون (برياح العولمة)! أو أنهم لم يتوانوا عن اتهامهم بأنهم يريدون ترويج الإباحية (تحت أي مسمى يستخدمونه..)! دون أن يقدموا أي مستند في أي من شرائع الله، أو شرائع الإنسان! ومن الغريب أيضا أن أغلب هؤلاء يدعون أن رأيهم هذا إنما هو مبني على الإسلام! رغم كل هذه التصريحات المنشورة على الموقع لرجال دين مرموقين يدينون، بدرجات مختلفة، هذا القتل! وللحقيقة أننا تساءلنا جديا أين الصوت الإسلامي الآخر بين الناس؟! صوت الرحمة والرحابة والأفق المفتوح الذي سمح لقلة من الناس، وكانت منبوذة، أن يؤسسوا لدولة شاسعة الأصقاع، بنيت فيها حضارة مميزة؟! صوت العقل الذي أكدت الأديان جميعا أنه سمة الإنسان الأولى والأساس؟! العقل الذي كان يمكن للنصوص المقدسة أن تتحول إلى صنم آخر لولاه؟! إلا أن ثقتنا أن هذا ليس سوى جزء من الواقع، تتأكد يوميا. وها هو الصوت الذي نعرف أنه موجود، وإن بتردد، يتخذ زمام المبادرة ليطرح المسألة بجوهر مختلف وشكل مختلف. والمادة المنشورة في هذا العدد من "نساء سورية"، للأستاذين أحمد سامر القباني وحنان الأشرف، (اقرأ المادة..)، تعيد الحوار إلى مجراه الطبيعي الذي لا يسعى إلى الاتهام والاتهام المتبادل. بل إلى نقاش جدي ومسؤول مهما اختلفت الآراء حوله. وهو الهدف الأساس من إنشاء هذا الموقع. وبغض النظر عن الكثير من النقاط التي أثارها الأستاذين، والتي لن نناقشها الآن، من الواضح أنهما يسعيان إلى نقاش جدي يعبر عن إدانة واضحة لهذا القتل "فالقانون يدين حالة الزنا ولا يدن المرأة وحدها (..) لا ننكر أن فيه بعض الثغرات التي يمكن إصلاحها ولكن جدوا قانونا يدين الزنا بشكل رادع ونحن مع إلغائه".. وجمل عديدة أخرى تؤكد القلق المشروع حول الأخلاق الجنسية في مجتمعنا. وتطرح الكثير من التساؤلات حول قانون يسعى إلى منع الانهيار الأخلاقي فيه.وهذا الأمر الأخير هو ما أود توضيحه هنا. فقد حاول البعض ربط إلغاء هذه المادة بإشاعة الإباحية. حتى إن أحد الأساتذة في إحدى الندوات، لم يتردد في وصف المؤيدين لإلغاء هذه المادة بالمؤيدين لـ "الديوثين"!!لنكن واضحين أولا أن القتل بكل أشكاله ومبرراته هو أشد أنواع الانحطاط الأخلاقي. ولا يوجد ما يمكن أن يكون أكثر "إباحية" من استباحة الروح من أي جهة جاءت. فكيف إذا جاءت من فرد هو الشاهد والمدعي والقاضي والجلاد؟! هذا يناقض جوهر الإنسانية في كل شرائعها السماوية والأرضية. وإذا لم يكن كذلك، فإنه من حق رجل يعتقد أن فلانا هو مرتد يدعو إلى الردة، أن يشهر خنجره ويستبيح حياته دون أن يناله عقاب! أليس ما يدعيه البعض من "غيرة" على الإسلام هو الدافع الأول والأساس لقتل الناس الذي نشهده منذ عقود في الكثير من الدول؟! وهل من "غيرة" أشد من الغيرة على الدين؟! فهل يحق لكل من يقدر أو يشك أو يرتاب، أو حتى يشهد بهذا أن يقوم فيصير الشاهد والمدعي والقاضي والجلاد وينفذ حكم الإعدام بمن يعتقد أنه كذلك؟!إذا فإن المسألة الأساس التي نتحدث بها هنا، ليست قضية الإباحية (أو الزنا أو أي من مسمياتها الأخرى) بل بالضبط قضية أن يكون من حق الأفراد أن يقتصوا بأنفسهم. وقلنا أنه من الغريب أن هذه الحالة هي الوحيدة التي تمنح الفرد صلاحية كهذه. وفي كل الحالات الأخرى في القانون المذكور تعطي الأعذار المخففة والمحلة لمن "يشي" للجهات المعنية بمؤامرة أو خطة إرهابية أو.. والاستثناء الوحيد المتعلق بالسكر أو المخدرات، يعود في فقرته الثانية ليؤكد أنه لا يستفيد من ذلك إذا كان هو المسبب للحالة تلك! بينما في قانون العقوبات ذاته عدة مواد تتحدث عن "الزنى" وتعاقب عليه. وقد تكون هذه المسألة بحاجة إلى دراسات جدية وتطوير من وجود مختلفة لتلائم التغيرات الكثيرة التي اعترت مجتمعنا. بل هي بالتأكيد كذلك. كذلك في قانون العقوبات ما يأخذ بالحسبان حالات الغضب الشديد أو ذهاب العقل.. إلا أنها تترك في نصها للقاضي أن يقدر ما يراه مناسباً. وليست كالمادة 548 التي تعطي هذا الحق بشكل مسبق، وبغض النظر عن قناعة القاضي! ونتساءل: لماذا لا تلغى المادة فتصير هذه الجريمة جريمة قتل كأي جريمة قتل آخرى، ويكون للقاضي أن يقدر ظروفها وحيثياتها؟! وبضمن ذلك أن يجد القاتل في حالة تستحق تخفيف الحكم؟! ألا يجري هذا على جرائم أخرى؟! فلماذا نميز هذه الجريمة بهذه الطريقة التي تصون، مرة أخرى، حقا مسبقا للقاتل؟!ونحن لم نقل كلمة واحدة تفسر أو يمكن أن تفسر (إلا لأولئك الذين لا يسمعون ما نقول ولا يقرؤون ما نكتب، بل يسمعون ما يريدون لنا أن نقول ويقرؤون ما يريدون لنا أن نكتب!) على أنها قبول أو رضا أو تسامح أو تساهل، فكيف بتأييد للإباحية! نعم، ببساطة شديدة لم نكن نعتقد أننا بحاجة إلى توضيحها، نحن ضد الإباحية قولا واحداً. سواء في القيم الأخلاقية أو الحياة العملية أو التشريع القانوني، أو غير ذلك.. وما الموقف الذي تتخذه الحركات النسائية عموما ضد استخدام جسد المرأة في الإعلان، إلا واحداً بسيطا وسهلا من المواقف الكثيرة المعبرة عن هذا الواقع. بل إن السعي (وبعضه سعي من جهات حكومية كالهيئة السورية لشؤون الأسرة) إلى قانون أسرة عصري بدلا من قانون أحوال شخصية، يعبر بوضوح عن أن الأسرة هي أولا في هذا الأمر. وهل يحتاج كون الأسرة أولاً إلى مزيد من التوضيح في هذا الشأن؟! وهل يمكن للأسرة أن تكون "أولا" مع الإباحية أو التساهل مع مسمياتها المختلفة؟!ما نريد قوله أننا أيضا، مع جميع القلقين على القيم الأخلاقية في القيم والواقع والتشريع، ومهما اختلفت مصادر قلقنا وكيفية بحثنا والنتائج التي قد نتوصل إليها، يهمنا كثيرا هذا الأمر في عصر "القرية الصغيرة" هذه.. التي لم تعد الجمل الطنانة تفعل شيئا أكثر من أن تثقب أذن الصارخ بها.. بل تحتاج إلى بحث ودراسة وإعمال فكر. ونحن بتركيزنا على هذه المادة لا نغفل ولا نغمض العين عن ذلك. بل نعمل وفق قاعدة بسيطة وسهلة أثبتتها عقود من الشعارات الكبيرة، وكانت جداتنا قد أثبتتها قبل ذلك بزمن طويل: (لا تكبّر حجرك.. بتصيب)! فهل هناك من يعطينا مثلا واحدا في التاريخ عن تغير جذري في المجتمع يجري بين ليلة وضحاها؟! أو عن قانون كامل ينسف دفعة واحدة؟! إن دعوتنا إلى إلغاء هذه المادة المعيبة واللاإنسانية من قانون العقوبات السوري، لا تعني بحال من الأحوال تغاضينا عن كل المشكلة الأخلاقية التي يعرف الجادون في هذا النقاش أن المسألة الجنسية فيها (الإباحية والزنا..) ليست إلا جزءا واحدا منها، وجزء أساس بالتأكيد. ويعرفون أيضا أن القتل لم يحلها أبدا عبر التاريخ، لا الآن ولا في صدر الإسلام أو صدر المسيحية. ويعرفون أيضا أنها، في أغلب الأحيان، هي نتيجة جملة معقدة من الشروط والظروف وليست (فطرة) عند هذا الإنسان أو ذاك.فهل تحتاجون إلى دعوة لنقاش هذا؟! لا بأس. هذه دعوة مفتوحة لجميع القلقين على أخلاق مجتمعنا ليقدموا آراءهم وبحوثهم ووجهات نظرهم عبر صفحات هذا الموقع، وكذلك حلولهم المقترحة. (ومرة أخرى على أن لا تتضمن اتهامات مجانية للآخر، ففي هذه الحالة سترفض حكماً بعيدا عن أي مهاترة حول مفاهيم الديمقراطية!).. (للعلم فقط: أحد "أولئك" افتتح رسالته الموجهة للموقع، والتي لم تنشر، بـ: أولاد الـ...! وختمها بـ: أعرف أنكم مدّعون للديمقراطية ولن تنشروا هذا الرأي!!!).نعتقد حقا أن هذا مجتمعنا جميعاً. وأن هناك الكثير مما يحتاج إلى معالجة تتجاوز تلك الأفكار المسبقة التي طالما حكمت تفكيرنا دون أن نتأمل قليلا فيها. ولكننا نعرف أن هذا عمل طويل الأمد لن ينتهي بين يوم وليلة. وأنه لا يمكن معالجة القضايا جميعا دفعة واحدة.. فلنتحاور معاً، كل من زاويته ورؤيته، وكل في المسألة التي يرى أنه يمكنه تقديم رأي مفيد فيها.. في محاولة للوصول إلى أفضل الحلول التي يمكننا الوصول إليها..14/11/2005 خاص:
|