|
مَن هو القاتل الحقيقي؟!.. |
|
|
|
د. فينيتا الشيخ
|
|
2006-07-14 |
في صيف العام 1999 في مدينة جميلة في منطقة الغاب نحرت ر. م. وهي أم ولدين وحامل بالثالث. وكان القاتل أخاها. لم يكن ذنبها أنها تزوجت رجلا من طائفة أخرى ولم تعترض على رأي أهلها. ذنبها أنه كان من نصيبها رجل لا أخلاق له ولا شرف وهو معروف بسلوكه السيء وعلاقاته المشبوهة وزياراته المتكررة إلى المقاهي الليلية وكان يمارس عليها ألوانا من العنف. ذنبها أنها كانت تتردد في يأسها إلى أهلها بأمل أن تجد عندهم قليلا من الدعم والدفء وربما حلا لمشاكلها العائلية. عبثا. فإن المرأة مكانها عند زوجها مهما كلفها الأمر. لقد جاء الحل فجأة وكأنه نزل من السماء. ذات يوم أخبر" فاعل الخير" أباها أنها تستقبل رجلا وكان هذا كافيا فلا داع من التحقق من صحة كلامه ولم يتساءل أحد كيف أدخلت هذا الرجل إلى مخدعها وهي تسكن مع عائلة زوجها واقرباؤها في الجوار. في تلك الليلة عقد عند أهلها اجتماع بحضور الأب وزوجته الثانية (الأم متوفية) والإخوة. سمعت الأخت الصغرى في الغرفة المجاورة ما دار هنالك وأرادت أن تنبهها ولكنها منعت من مغادرة البيت. وفي صباح اليوم التالي حسب المخطط المتفق عليه حضر الأخ المذكور إلى منزل أخته فاصطحبها معه إلى منزله قائلا أنه مشتاق إلى لقمة من يدها. لم تدرِ ر. م. ولم يخطر ببالها ما كان يختبئ وراء هذا الطلب اللطيف فسارعت لتلبيته. وعندما أدخلت المأيدة إلى الغرفة أتى أخوها من خلفها فطعنها عدة طعنات بسادية ووحشية. ثم سلم نفسه إلى "العدالة" دون أن يغسل يديه الملطخة بالدم. لقد حكم عليه بالسجن لمدة قصيرة على الرغم من أنه تبين من خلال التحقيق أن الشخص المتهم بها برئ ، وهو فعلا برئ، كما هي بريئة أيضا، وعلى الرغم من أنه كان يعرف أن أخته حامل، وأنه بقتلها سيقضي على روحين في آن معا! وعلى الرغم من اعترافه أنه أبعد زوجته قصدا لأن القتل كان في نيته! وعلى الرغم... فقد اعتبرت هذه الجريمة جريمة الشرف!! واي شرف!! المنفذة بهدف حماية المجتمع من انحطاط الأخلاق!!! هل ثمة، وهذه الحالة، مجالا لخلط الحابل بالنابل يا الأستاذ عمار الأحمد؟ أذكر كلمة أحد رجال الدين وقت دفن هذه المرأة: نحن جميعنا مسؤولون عما حصل! نعم، نحن جميعنا قتلة عندما نقبل بقتل الإنسان هكذا أيا كان السبب. في الحقيقة ثمة أشياء كثيرة في مجتمعنا تشجع على ارتكاب هذا النوع من الجرائم. ولا سيما الاعتقاد السائد (و هو خاطئ جدا) الذي عبرت عنه الأستاذة مايا الدباس. لا يزال كثيرون بيننا الذين يفكرون مثلها أن وجود هكذا القانون أو بالأحرى إراقة دماء النساء يشكل ضابطا للأخلاق. ليس القانون الذي يربي الأخلاق وليس الأخلاق شيئا يمكن اكتسابه بالقهر والسوط والإذلال. وكذلك لا يفسح إلغاء القانون لتعميم الفاحشة وانتشار الفساد إن لم يكن الرغبة بارتكاب الفاحشة والفساد معششين في أعماقنا. إن الأخلاق كالنبتة الجميلة تحتاج لنموها إلى عناية ورعاية وعمل دؤوب والأسرة التي يسودها الحب والاتفاق والاحترام المتبادل هي المكان بامتياز حيث نستطيع أن نزرع بذورها وننتظر فتح زهورها الفواحة. إنما هذا المفهوم، والقوانين التي تميز بين الرجل والمرأة بإعطاء الرجل الحرية ووضع القيود الظالمة على المرأة وإذلالها مهينة للمرأة ولكنها مهينة للرجل أكثر وتساهم إلى حد بعيد بإبقاء هذا الرجل في مجتمعنا قاصر التفكير والشخصية مما يفسح المجال بسهولة له ليتدنى إلى حضيض حيوانيته ويتصرف بوحشية وعدم دراية بما يقدم عليه من جريمة بشعة. مشكلة كبيرة في تلك الزغاريد والهتافات المشجعة له على فعلته الشنعاء لتظهره بطلا يدافع عن الشرف والمجتمع مع العلم أنه في حقيقة الأمر مجرم لا أكثر. إن اعتبار المجتمع عامل قوي ونحن نسعى إلى نيله ونحشى فقدانه شعوريا ولا شعوريا، وفي الواقع عدد لا بأس به من الجرائم من هذا النوع ترتكب على هذا الأساس. مشكلة كبيرة في إصرارنا أن نظل غارقين في هذه الغيبوبة الجاهلة، مشكلة كبيرة في هذا الانصياع الأعمى إلى عادات وتقاليد لا تمت إلى الدين والأخلاق والإنسانية بصلة، كيلا نستفيق ولا نرى أن الدم المراق على محراب " الشرف" هذا يذهب هدرا ولا يكفي أبدا ليغسل ما فينا من الضعف والعجز والتخلف العقلي. أود في الختام أن أشكر فريق الوثيقة " أوقفوا قتل النساء" ومَن ساهم بوضع هذه الحملة الوطنية من أجل القضاء على جرائم الشرف. يجب أن نتكلم، يجب أن نقرع الأجراس.. ليت مبادرتكم الجميلة تصير فعلا بداية مسيرة شاملة نحو بناء مجتمع إنساني يسوده العدل والسلام ويعيش فيه كل من الرجل والمرأة في العز والكرامة بصفتهما الإنسان. وأتمنى لو تتبنى الجهات الرسمية هذه القضية بشكل جدي بالقيام بدراسة القانون وتعديله، بوضع برامج عملية لتوعية الناس وتعليم أساليب التربية السليمة وتوضيح معاني الدين الرفيعة والعمل على ساحة الميدان، ربما تشكيل مجموعات واعية في وسط المجتمع تأخذ على عاتقها البحث عن الأساليب المناسبة لحل المشاكل ومنع وقوع مثل هذه الجرائم البربرية. 18/10/2005 خاص:
|