لم ألتق أحداً, وحدثته عن مقتل هدى أبو عسلي, أو أي من الصبايا الأخريات اللواتي يقتلن بذريعة الشرف أو لزواجهن من خارج الطائفة، إلا وأجابني: ألم تكن لتقوم بفعلته, لو كانت الفتاة قريبة لك؟, تفاجأت عندما كان الرد على كلامي عن شناعة القتل وعن وحشية الأخ بمثل هكذا سؤال, وليس لمرات قليلة فقط, إذ لم تكن هذه الإجابة إلا الكلام الوحيد الذي تلقيته رداً, وحجة في إثارة المكبوت في داخلي "كشرقي", واستثارة لهذه الحمية. كان لا بد بعد عدة ردود من النوع ذاته أن أجالس ذاتي, وأمارس فعل التفكير العميق, لم كل هذه الردود؟ ولم هذا الدفاع السلبي؟, فاخترت شريحة من الذين تحدثت إليهم, وهم مجموعة شخوص من أحد الأحياء, بالنظر ملياً إليهم, يتبين أن شخوص هذا الحي هم عبارة عن مجتمع مصغر, مكون من مجموع المنازل والعمارات والمحلات المحيطة, وباستخدام عدسة مكبرة والنظر بعمق, نجد أن عناصر من أفراده هم عين وأذن لا بل وأنف حساس لكل ما يدور في هذا المجتمع, لا بل صحافيون مؤثرون في الإعلام الشفهي الذي لا زال يتصدر جنباً إلى جنب مع الشيطان الأكبر (التلفاز) لا بل ويتفوق عليه أحياناً كثيرة. طبعاً كل خبرية وكل همز ولمز حتى تعدّ, هي بحاجة للبهارات الضرورية, إضافة لبعض الخضروات الطازجة, حيث تنتقل تدريجياً إلى غرف التحرير (مطابخ البيوت), فلا ينسى مديروا التحرير التذوق مبدين ملاحظاتهم بخصوص الإضافات الواجبة كالملح والحامض وخلافه من عدة هيئة التحرير, وما إلى ذلك من تدوير وإنتاج وإعادة صياغة ونشر وتوزيع, ولو نظرنا إلى ثقافة هؤلاء وتركيبتهم المعرفية, لوجدنا أن قنوات الطبخ والترفيه المستمرة طيلة اليوم, وهي النافذة الوحيدة للإطلال على العالم الخارجي, مع الانتباه إلى أحادية توجيه هكذا منابر, طبعاً شمل الاتهام شريحة مجتمعية واسعة لا يمكن الاستغناء عنها, هذا لو فكرنا بالمنطق الانفعالي الذي ألغى وجود هدى وقبلها الكثيرات من المجهولات أو بدقة أكثر من اللاتي تم طمس قصصهن وفي الغالب حورت حتى تصبح عصاً ترفع على كل من يجرؤ على رفع صوته ولو خفيضاً ليعيش, لكن هل الحقيقة ألطف من ذلك؟؟ ربما لكن ألطف بقليل فقط, التصنيف هنا يشمل كل شخص ليس على تواصل مع القراءة, والمقصود بها الورقية أو على شاشة الكمبيوتر, أي يشمل الاتهام كل المستسهلين والمتناسين لدور المعرفة في تطوير المجتمع دون استثناء, مع أهمية التفريق بين التعلّم والمعرفة, أو بتحديد أكثر غير الراغبين في توسيع هذه المدارك سواء عن قصد أو عن غير قصد, هذا في حال قطعوا شوطاً في التعلّم الضروري جداً, أم أن السعي وراء لقمة العيش والتنازل تجاهها عن الكثير من البديهيات التي لا تطعم خبزاً على رأي أغلبية ساحقة وهو مثل شعبي معروف ومنتشر بشراسة, هو مبرّر. فهل يبقى هؤلاء أعمدة المجتمع وهل يستطيع مجتمع الوقوف بهكذا أعمدة, وبالحديث عن الأعمدة والركائز, فلنتحدث ونناقش عن سبب تكون فكرة (القتل), وحالة الشحن التي يعيشها الضحية (المنفّذ), قبل تنفيذه لجريمته, لننظر إلى المجتمع ملياً, ألن نجد كل من سبق الحديث عن ضعف معرفتهم واستسهالهم في قفص الاتهام, أم أنهم ضحايا ثقافتنا الشفوية أيضاً؟. 19/10/2005 خاص:
|