|
مقطع من رواية: دفّ الصخر، لمطاع القاق |
|
|
|
مطاع القاق
|
|
2006-07-14 |
«انت وين رايح؟!» "وين رايح؟ … رايح معكن" "ما في داعي هلأ … بتلحقنا بعد شي أسبوع أسبوعين … قوم انزيل" "كنانة! . . شو عم تقولي؟!" "متل ما قلت لك … نزيل" كانت الشمس قد غربت، فادي بجانب كنانة ينظر إليها باستغراب. «كنانة! . . أنا زوجك» «زوجي؟ … (تضحك هازئة) نزيل بدنا نوصل بكير، … بعدين هلأ امك بتقلق عليك … نزيل!» «ولك شو عم تقولي؟!» فقال صالح: خلص متل ما قالت لك … بتلحقنا بعدين ومد يده وفتح الباب، فنزل فادي، وهو لا يدري ماذا يجري، ويقف وراء الشباك، يستجدي نظرة من كنانة التي لا تلتفت إليه نهائيا، ثم تطلب من صالح أن يمشي. وتمشي السيارة بسرعة وفادي واقف متجمدا يراقبها تبتعد حتى تجاوزت الأفق. * * *دخلت السيارة إلى دف الصخر بعد أن تعطلت بالقرب من العرزال وأخرتهم لأكثر من ساعتين، وقد أخذت تصعد فوق الحجارة المتراكمة بفعل تساقط الأحجار المستمر. كانت دف الصخر صامتة لم تتكلم حتى الآن، وقد انطبعت وجوه خلف النوافذ. أما الريح وأصوات الضباع فكانت تسرح وتمرح في الحواري. ولم تلبث السيارة أن وصلت إلى بيت أبو صالح، فينْزِل صالح ويفتح الباب اللصيق بكنانة، فيُصعَقُ من نظرتها تلك: «قلت لك لا تطلعي فيني هيك … هدول العيون بدي قلعهم» يتناولها من شعرها بعنف، ويأخذ بجرها على الأحجار، فيستقبلها أبو صالح بعد أن شتمها وبصق بوجهها، ولم يدعها صالح إلا في أوضة المعيشة، ولم يلبث أن تركها وخرج هاربا، فتستقبلها أم صالح وندى خير استقبال بالصفع والضرب واللكم والتقريع: "يا شرموطة! . . وين هربتي؟" «قلنا عقلتي … تاريكي شرموطة» "يا فلتانة! … بدنا ندبحك دبح … اليوم بدنا نموتك" بينما كنانة تحاول أن تدافع عن نفسها، ولم تلبث أم يزن أن وصلت، حتى ضاعفت الشتائم واللكمات، ثم تركوها منكمشة على نفسها في الزاوية عندما دخل أبو صالح وصالح: "خلص! . . تركوها، … صالح روح جيب الداية بسرعة" "ليش الداية أبي؟!" "مشان إزا مساوية شي ندبحها" "لاقيتها عندو… وكان طالع من الحمام" يرفع أبو صالح صوته، تقابله زوجته معترضة. كانا يريدان أن يعجلا بذبحها قدر المستطاع، ولكنه يصرخ بهم وقد تحول صوته تدريجيا إلى الحشرجة: "ولك ما بتخافوا من الله … ولك يا عالم يا ناس في آخرة وفي حساب … ولك هي بنتي … هي بنتي شو بدي قول لربي بكرة إزا سألني ليش دبحتها؟ … ولك افهموا بقا افهموا" "ودف الصخر؟" "(صمت) روح ورا الداية بالأول" يخرج أبو صالح هاربا من وجوههم، قبل أن تصدح الدمعة، إلى المضافة ويروح يجهش بالبكاء المر. يركب صالح سيارته مخترقا دف الصخر بأسرع ما يمكن متحاشيا الأوجه والعيون. تقترب هند من بيت أبو صالح، ثم تدخل إلى أرض الدار وهي تسمع التقريع والشتائم اللذين ينصبان على رأس كنانة كالأحجار. فتواجهها أم صالح وتأخذ بشتمها هي الثانية محملة إياها الذنب في عقوق ابنتها، ولكنها تأخذ بالاستجداء أن ترى كنانة مجرد رؤية، ولكن بغير جدوى. فتخرج والشتائم تلحق بها. تمشي في الحارة وهي تبكي بمرارة، ولا تكاد تستطيع أن تتقدم، وهي بغاية اليأس، تأخذ بالالتفاف إلى الخلف، وتنظر باكية، ثم تحمل حجرا وترميه بغضب فوق بيت أبو صالح، وتتناول حجرا آخر وترميه أيضا. وصارت تعبر عن غضبها برمي الأحجار، وصارت الأحجار تتساقط هنا وهناك وكأنها تساعدها، وقد تحول الناس من مراقبة بيت أبو صالح إلى الذهول بضحيتهم الجديدة هند، حيث بدأت رسميا فضيحةٌ جديدة تتسلق إلى لسان دف الصخر. مر أبو توفيق وهو أبو حبيبها وأخذ يشتمها، ويشتم أباها، ثم أخذ يتهمها بأنها هي إذن، الملعونة التي ترمي الأحجار، وهي التي تسبب الرعب لأهل دف الصخر، ثم يأمرها أن تذهب إلى بيتها. ولكنها ترفض بشدة، بل تشتم دف الصخر وأهلها، وتطلق أدعيتها وتتمنى أن يصيب هذه البلدة، مثلما تنبأ لها عادل، بأن تبتلعها الغولة، بل تبتلع كل الناس، حتى لا يخرج منها مخبر. بعدما سأل صالح عن أم عدنان الداية، قالوا له بأنها ذهبت إلى اليونسية، لأن امرأة ستلد هناك، ومن فوره توجه إلى هذه البلدة، حيث بحث، وسأل كل بيت تقريبا، ولم يستطع أن يجدها، ثم عاد ليسأل عنها في بيتها، وانتظرها لساعتين دون أن تأتي. وقد عاد وهو يشعر بالحنق الشديد من أبيه، كانت أم صالح تتكلم معهما، وتحث زوجها على أن يتخذ القرار أخيرا: «شو صاير لك يا رجال … ما بتعرف دف الصخر؟!» «أخ من دف الصخر!» لما أتى صالح ليقول بأنه لم يجدها، وقف أبو توفيق بجانب أبو صالح، ولم يقبل أيضا أن يحصل شيء كهذا، فعاود الخروج، وهو ينفخ بشدة، وعاد إلى أم عدنان الداية، يبحث عنها من جديد. وفي الثانية بعد منتصف الليل، وكان صالح قد أخذ إغفاءة في سيارته، وهو ينتظر أمام بيت أم عدنان، حيث وصلت وقد أنزلتها سيارة بغير أضواء استفاق بعد أن مضت، ولم يستطع أن يراها، فتقف أم عدنان مباشرة: «مرتك مو حبلة شو جايبك بهـ الليل؟» «بدنا ياكي مشان شغلة تانية» «لضب هـ الصرة بالبيت» تفتح الصرة وتتفاجأ مما بها ثم ترميها، وتأخذ بشتم الغيلان بلسانها السليط، وتركب في السيارة، ثم تأخذ بسرد ما حصل معها، وهما يتقدمان في الطريق، عن الغيلان عندما أتوا عند المساء على هيئة بشر عاديين، ادعوا بأن لديهم امرأة تلد، فذهبت معهم، وقد أدخلوها في مغارة، وطلبوا منها أن تساعد واحدة منهم، كان الطلق يدب بها، وقد وعدوها بملء الصرة ذهبا، طبعا إن كان المولود ذكرا، وان كان أنثى وضعوا لها بدل الذهب بصلا. وقد وفوا بوعدهم عندما كان المولود ذكرا وأقيمت الاحتفالات، ثم رأت بعينيها أساور وأقراطا من الذهب الخالص توضع في صرتها حيث تفحصتها جيدا وأمرتها على لسانها لتتأكد، ومن ثم أوصلوها إلى بيتها وشكروها. وعندما تلقفها صالح اكتشفت أن ما في الصرة روث متعفن، فأخذت تشتمهم. وعندما مروا بجانب الغيضة تعطلت السيارة، مع ظهور الغولة، وكان مأزقا جديدا أخرهم. أم صالح وأم يزن وندى كن يعدن بين الحين والآخر لضرب كنانة وتقريعها، ولم يلبث أن أطل صالح آتيا بالداية أم عدنان، وما أن دخلت من باب الأوضة حتى صرخت بكنانة: «الله يقصف عمرك … جبتي المصايب لأهلك» وأخذت تفتح الصرة الثانية، واقتربت من كنانة المرمية في الزاوية: «يللا وليه … قومي مقصوفة الرقبة … اشلحي وقربي لهون … الله يقطع جنس النسوان شو عاطل» تدافع عن نفسها وتأخذ بشتم الداية، ترفض بشدة أن تكشف عن نفسها لهذه المرأة الشمطاء، لكنها لم تستسلم وأخذت بالمحاولة معها عنوة، بمساعدة أم صالح، وصارت تضربهم بكل ما تستطيع، بل إنها صارت ترميهم بشتائمها حتى طغى صوتها على دف الصخر. يدخل صالح أخيرا ويمد يده على المسدس: «خلص ارجعوا … الله يعطيكن العافية أم عدنان» تتراجع أم صالح والداية، وهما تشتمانها، ويلقم صالح المسدس ويوجهه صوب كنانة، فتنقض بعيونها ليصاب بالرعب، وتقفز بكل ما تستطيع إلى المسدس تحاول أن تلتقطه وتنْزَعه منه فلا تستطيع، ويصاب صالح بالذعر الشديد، بل إن إصبعه تضغط على الزناد لتخرج الرصاصة مخنوقة، ولم تكن بحاجة لقطع أي مسافة، حيث كانت فوهة السبطانة لصيقة بالصدر تماما، على الفور تطلق أم صالح زغرودة. تنهار كنانة وهي تشعر بلذة فائقة يتراقص جسدها، ويأخذ بالقفز ويتمايل، بينما دمها يندفع خارجا من صدرها. وعيناها تكادان تقتلان صالح الذي يرسل الرصاصة الثانية مذعورا، فتغوص في دمها وتتوقف عن الرقص، يخرج صالح مسرعا هاربا من عينيها، وكانت دف الصخر ما تزال صامتة ترى ولم تتكلم حتى الآن، والوجوه متجمدة خلف النوافذ بينما الصبح يتشقشق. يعود إليها من جديد، يجرها من شعرها، يسحبها خارجا من البيت كله، ثم يربطها بالسيارة، ثم يمشي بها في طول دف الصخر وعرضها، وكنانة النشوانة تنظر إلى الوجوه الراضية المطبوعة خلف النوافذ، وكأنها تتحداهم. تغمس أم صالح كامل كفها بدم كنانة، وتطبع الأبواب والجدران من أجل عيون الحاسدين، وهي لا تفتأ تزغرد بصوت عال، وكأنها في عرس حقيقي. وما أن يعود صالح من تجواله بكنانة، حتى تصبح زغاريد أم صالح يرافقها خنة ومغص. يفك كنانة عن السيارة، ثم يجرها جرا وهو لا يكاد ينظر إلى عينيها، والتي ما زالت شاخصة تدب الرعب في قلبه يرميها في أوضة المعيشة: «نضفوها ولبسوها … وقولوا انها سممت لحالها» تتوقف دف الصخر عن الإنصات، وتعود دفعة واحدة إلى حركتها العادية، يمر رجل وهو يشد بقرة، وتمر مجموعة من الأغنام من خلفها راع، ويعدو الأولاد مطلقين صيحاتهم الصباحية المعتادة إلى مدارسهم، وتغوص دف الصخر في جلبتها اليومية، يمضي يزن وقد رنت بأذنه الرصاصتان المخنوقة والرنانة، وهو يبكي بشدة. سُمعت النعوة بعد قليل في مكبرات الأصوات في دف الصخر، بينما جلس الرجال في المضافة يتلقون التعازي، وصوت المذياع يتعالى بسورة قرآنية. ولا يكاد أبو ضامن أن يصل ويطلق زموره فرحًا، ثم يطلق عدة رصاصات فرحا، فيخرج صالح مباشرة، ويقابل خاله، الذي وصل إلى باب الدار: «أه يا بطل! . . رفعت راسنا للسما!» يعانقه ويقبله ثم يدخلان إلى المضافة، وبعد نصف ساعة، يصل شرطيان، ومعهما مذكرة قبض على كنانة، كان فادي قد قدم بلاغا ادعى به بأنهم خطفوا زوجته حين أبرز عقد الزواج، ولما علما بموتها، قاما بالتعزية، ثم طلبا رؤيتها، فأدخلوهما إلى أوضة المعيشة، كانت كنانة ممددة في وسط الأوضة، وقد ألبست فستان عرسها الأحمر وطرحتها، وأم صالح تصرخ وتولول بأعلى صوتها، هي وابنتاها، أم يزن وندى، والنسوةُ تحاولن أن تهدئهن، وأم عدنان تندب بصوتها الحزين، وتلقي بأشعارها المؤثرة وتصف كنانة بأبهى وأطهر الصفات، ثم يخرج الشرطيان، وهما يكادان يدمعان، ثم يوقعان على ضبط يصف بدقة متناهية ما جرى لكنانة، ثم يذهبان. عند الدفن، يدعى صالح كونه أخاها، كي يملأ عينيها بحفنة من التراب على حسب العادة، وقد تفاجأ من هذا الطلب، وكاد يطلب من أخيه الأصغر أن ينوب عنه، ثم يتراجع ويتقدم ، وهو يشعر بالرعب الشديد من أن تفتح عينيها وترميَه بنظرتها الشيطانية تلك، والتي لا تكاد تفارق عينيه. يقترب مرتجفا ثم ينْزِل في القبر، يزيل الكفن عن وجهها قليلا، وهو يحمل بكفه حفنة التراب، فيأخذ جفنا كنانة بالتباعد، وما أن يحمل حفنة التراب ويلتفت لينظر إلى عينيها، وتنظر إليه نظرتها إياها، فيصرخ، وقد فشل في مهمته، بل إنه يرفع كفيه إلى عينيه، وكأن نارا اقتحمت الحدقتين ليتراجع إلى الخلف، وهو يستغيث من عينيه. «دفّ الصخر» - رواية المؤلف: مطاع القاق الناشر: دار علاء الدين 20017/10/2005 خاص:
|