|
عطية مسوح
|
|
2006-07-13 |
كثرت "جرائم الشرف" في الفترة الأخيرة، وقد فتحت "النور" هذا الملف بدءاً من عددها الماضي، واهتم الزميل بسام القاضي بمتابعة ذلك سواء في موقع "نساء سورية" أو في صفحة "المجتمع" التي يشرف عليها في جريدة "النور". قالوا الكثير عن "جرائم الشرف"، ومازال الكثير يمكن أن يقال، ولكنني سأوجه كلامي هذه المرة للقاتل بالذات، لا للحكومة ولا للمجتمع. سأوجهه للقاتل غسلاً للعار ودفاعاً عن الشرف والكرامة، قاتل أخته أو ابنته لأنها اختارت زوجاً لها خلافاً لإرادة العائلة أو بعض رجالها، أو خلافاً للتقاليد الطائفية. سأقول له: لا تتوهم القوة، فأنت أضعف من ضحيتك. ضحيتك مارست اختيارها وفق قناعتها وإرادتها الحرة، وأنت غلبك الإحساس بالذل، فاعترفت بالممارسة أنك ذليل مهان، وأن عليك أن تقوم بفعل ما، فعلٍ يعادل في همجيته وغرابته ذُلَّك الكبير، ويمحوه من أعين الناس وعقولهم. ولكن مهلاً، أواثق أنت من أن ذلَّك سيُمحى؟ ألن تظل في نظر الكثيرين أخاً أو أباً لـ(عديمة الشرف) تلك؟ القتل في "جريمة الشرف" لا يكون إلا غيلة، والقتيلة عزلاء لا تعرف كيف تمسك بالسكين أو المسدس، فدعنا نتساءل أيها القاتل: لماذا تقتل غيلة؟ في كل الظروف والعهود، القاتل غيلة هو الأضعف، هوالخائف، سواء أكان دافع القتل شخصياً أم سياسياً، حتى حين يدبّر الحاكم اغتيال شخص ما، سياسي يعارضه أو مفكر يطرح مالا يتفق مع مصالحه، فإن الحاكم في هذه الحال هو الضعيف، لأنه سبّب للآخر رعباً، ودفع به إلى تدبير عمل همجي. فالقتل إذاً سيزيدك ذلاً لأنه يخرجك من دائرة القوة إلى دائرة الضعف، ومن صف الأسوياء إلى صف المرضى. ألا تستثيرك أمراض المجتمع ومآسيه؟ فلم لا تستنفر قواك لمواجهتها؟ ألا يستفزّك الظلم الذي يقع عليك شخصياً؟ فلمَ لا تقابله بالرفض؟ أم أنك ترتعد خوفاً ممن هم أكثر منك قوة وجاهاً، وتسعى، في فرصة ما، لتعبّر عن تمرّدك بقتل صبية لم تؤذِ أحداً، ولاتحمل لك إلا المحبة، صبية عزيزة النفس،لا تفرّط بحقها في الحب والاختيار؟ صدّق أن الحسد والغيرة يملأان قلبك، وأنهما من عوامل دفعك إلى الجريمة، فأنت متخاذل ضعيف أمام نفوذ العادات البالية والمفاهيم التقليدية، وضحيتك قوية صلبة لا تستسلم ولا تتخاذل، وتتوقع أن تكون حياتها ثمناً لحريتها، فتضعها على كفها، خلافاً لما تفعله أنت في مواجهة الظلم الذي يحيق بك كل يوم ومن كل جانب. أنت ذليل قبل أن تفعل أختك أو ابنتك مافعلت. وأنت تعرف ذلك حق المعرفة، فالظلم إذلال، وأنت تعيشه يومياً، وأنت جزء من أمة لم تستطع حماية أرضها وكرامتها وثرواتها، فذُلَّك الأصغر الذي تتوهمه وتخافه، وتقتل فراراً منه، وتظن أنك تزيله بإزهاق روح بريئة، هو لا شيء بالنسبة للذل الأكبر، ذلّ أمة لا تستطيع أن تفعل ما ينبغي لمواجهة أعدائها، وتسير من سيئ إلى أسوأ، ولا تعرف كيف تصحو وتنهض. إنك تعرف ذلك كما يعرفه غيرك، وتحاول التعويض بأن ترفع صوتك حتى يُبحّ، في الكلام عن الشرف والفضيلة، وتستنفر قواك النفسية والجسدية إن أرادت أختك أو ابنتك التصرف كما يحق للإنسان أن يتصرف. إنك تعلم أن الأمة التي يُمَسُّ شرفها وتغدو نهباً للآخرين، تلوذ بالقيم البالية، وتبني لها قصوراً وأسواراً من العزة الزائفة، وأن الشخص الذي لا يستطيع الإسهام في مقاومة ديكتاتورية أو استغلال، أو ردّ دخيل معتدٍ، يسعى إلى تحقيق ذاته في صور أخرى، منها أن يتسلّط حين يستطيع، وأن يباهي الآخرين، الذين هم مثله أيضاً، بالهمجية المستترة بعباءة الشرف والمروءة، والضعف المستخفي في إهاب القوة. كلما ازدادت بنية المرء العقلية والنفسية هشاشة، ازداد تغنياً بقوة زائفة وشرف ذكوري بدائي، وتعاظمت عدوانيته تجاه أقرب الناس إليه. وكذلك الأمة، التي يقتل بعض أبنائها بعضاً، في حالات العجز عن مواجهة المعتدين الغرباء.تنشر بالتعاون مع جريدة "النور"
|