|
خالد نعمة
|
|
2006-07-11 |
عندما يضيق البيت بأهله، يكون الحل بالانتقال إلى بيت أكبر، أو باستعمال بيت آخر مع تقسيم القاطنين بينهما. وعندما تنوء ربة المنزل بأعباء منزلها المترامي الأطراف، فإنها تتمنى في قرارة نفسها لو أنها تدير منزلاً آخر أقل اتساعاً وازدحاماً. تدور في خلدي هاتان الصورتان كلما شاهدت ما آلت إليه دمشق، وأضطر مرغماً إلى المشابهة بين حالها وحال البيت الضيِّق الذي أسيء استخدامه، إذ أُثقل بكثرة ساكنيه فعجز عن توفير الحد الأدنى من الخدمات المريحة لكل فرد منهم. إن الملايين العديدة من السكان الأصليين والوافدين، وحزام مناطق المخالفات الجماعية الذي يحيط بدمشق من جميع جهاتها، وسوء تخطيط وسط المدينة والارتجال في عمليات تعديل هذا الوسط، وعدم وجود مخطط تنظيمي استشرافي للمستقبل منسق ومعتمد لآفاق تطور البناء والعمران فيها لعقود قادمة، وتمركز الدوائر العامة والجهات الحكومية فيها تجعل محاولات تحسين الواقع القائم وتجميله ليس إلا محاولات بائسة لن تُفلح كثيراً في إصلاح ما تخرب. وقد يكون الحل الأمثل هو بناء عاصمة إدارية وسياسية جديدة بمنظور معماري مواكب للعصر، ذات مخطط تنظيمي يأخذ بالحسبان ما يمكن أن يستجد من تطورات ديموغرافية خلال نصف قرن مقبل على الأقل. ولن يضير ذلك دمشق بشيء، فهي ستبقى عاصمة تاريخية. وينبغي ألا يخيفنا أو يزعجنا الأخذ بهذا الاقتراح، فقد سبقتنا إليه عدة دول، كالبرازيل وكازاخستان وغيرهما. وسيكون من المناسب جداً أن تُبنى مثل هذه العاصمة في نقطة من البادية السورية تتوسط الرقعة الجغرافية لأرض بلادنا، لأن ذلك سيجعل أطراف البلاد متساوية البعد قدر الإمكان عن المركز، وهو الأمر الذي يدخل في صلب الأمن الوطني. وهنا لا داعي للخشية من عدم توفر المياه، فدمشق أصلاً تعاني نقصها، مَثَلُها في ذلك مثل جميع المدن السورية. وسيكون بالإمكان جر مياه الشرب إلى العاصمة المقترحة من نهر الفرات، وهو أمر أسهل كثيراً من المشروع المفترض لجر مياه نهر السن إلى دمشق، وذلك بسبب سهولة التضاريس الداخلية الفاصلة بين الجزيرة ووسط البلاد مقارنة بوعورة تضاريس الأراضي الفاصلة بين دمشق والساحل، ويمكن كذلك استخدام التقنيات الحديثة في تكثيف رطوبة الجو. وسيساعد بناء مثل هذه العاصمة على إيجاد نوع من التوازن في التوزع السكاني على نطاق البلاد، إذ سيسمح بنقل جزء مهم من الكتلة السكانية إلى مناطق مترامية الأطراف من البلاد تكاد تكون شبه خالية من البشر، كما أنه سيخلق حوافز أكبر لمجابهة التصحر واستصلاح الأراضي البور وزراعتها. وهو إضافة إلى ذلك كله سيخلق جبهات عمل واسعة لعشرات آلاف الأشخاص على مدى عقود ولكثير من شركات القطاعات الاقتصادية الوطنية، كما أنه سيكون بالإمكان خلق البنية التحتية اللازمة لقيام الحكومة الإلكترونية الحقيقية بالتزامن مع بناء هذه المدينة العاصمة. |