|
قانون العمل، التعديل يراوح في مكانه |
|
|
|
ثامر قرقوط
|
|
2006-07-11 |
ـ حاج عارف: نصرُّ أن يكون هناك عقد متوازن لصالح جميع الأطراف ـ غريواتي: نريد تخفيض نسبة التأمينات وإنهاء العقد عند اللزوم ـ طرابلسي: أرباب العمل يتحايلون على القانون لعدم وجود ضوابط ـ دحلان: لا بد للدولة من التدخل لضمان عدم حصول إجحاف تعلق الأطراف المشتركة والمعنية بتعديل قانون العمل إشكالية المراوحة في تعديل القانون على التوصل إلى (توافق) يرضي الجميع، وأن يصدر قانون العمل الجديد بموافقة أطراف الإنتاج الثلاثة: الحكومة، وأرباب العمل، والاتحاد العام لنقابات العمال. واللافت أن كل طرف من هؤلاء الثلاثة يريد إرضاء الطرفين الآخرين بما لا يتعارض مع مصلحته. قانون العمل بالغ الأهمية، فعقد الوظيفة الأول في فرنسا كاد أن يسقط الحكومة، وخرجت تظاهرات رافضة له وداعية إلى إلغائه. والأمر ذاته حدث في 10 أيار الماضي في لبنان عندما خرجت بعض الأطراف في مظاهرة ضد عقد العمل. وما زال تعديل عقد العمل في سورية في عنق الزجاجة تماماً، وشريعته العقدية مثار خلاف كبير بين ممثلي العمال في محاولاتهم الدفاع عن المكتسبات العمالية، وبين أرباب العمل (القطاع الخاص) الباحثين عن أيسر الشروط وأسهلها. وتبدو الحكومة أكثر ميلاً لوجهة نظر أرباب العمل، ولديها الكثير من الحجج. فكيف يمكن التوصل إلى تعديل قانون العمل والأطراف الثلاثة متمسكة جداً بشروطها، وتنتهر فرصة التعديل لتعميق مكتسباتها؟ وهل يمكن تعديل القانون دون الإجحاف بحق أحد الأطراف، وأن يعدل القانون دون آلام؟ ـ أكثر الخوف ما زال قطاع الأعمال ينتظر لحظة تعديل قانون العمل رقم 91 لعام 1959 الذي صدر أيام الوحدة السورية ـ المصرية، وتلاه تعديل واحد بصدور المرسوم رقم 49 عام 1962 القاضي بحماية العامل من التسريح التعسفي. وإشكالية التعديل المرتقب تكمن بالدرجة الأولى في اتباع صيغة (العقد شريعة المتعاقدين)، وبالتالي السماح لأرباب العمل بتسريح العامل. وثمة اتجاهات قوية تدعو إلى ذلك، وهي تدرج تحت مسميات الانفتاح وجذب الاستثمارات ورفع الإنتاجية وتحقيق الجدوى الاقتصادية..إلخ. وأكثر الخوف قادم من جعل هذا العقد قابلاً للإلغاء ويصبح التسريح التعسفي سيفاً مسلطاً على رقاب العمالِ. وهناك مقاربة لا بد من ذكرها. عندما كان تعديل قانون العاملين الأساسي يناقَش، أثيرت قضية وجود المادة التي تسمح لرئيس مجلس الوزراء بتسريح العامل دون ذكر الأسباب، لكن هذه المادة أخذت جدلاً واسعاً بين الحكومة ومجلس الشعب، إذ أنيطت فيما بعد بلجنة وزارية وصار ممكناً حق التقاضي، والعودة إلى العمل. إذاً فكيف يأتي قانون يبيح تسريح العامل دون ذكر الأسباب علماً أن المادة 137 بوضعها الحالي غير مرضي عنها من جانب اتحاد العمال، ورغم أن الحكومة لا تنظر إلى تفصيلات العمل كما يراه القطاع الخاص، وتستخدم المادة 137 في حالات محددة في أغلب الأحيان. إلا أن وجود نص تشريعي يترك الباب مفتوحاً وممكناً أمام أن يجد العامل قرار تسريحه دون أن يعرف لماذا؟ أو في لحظة يراها رب العمل مناسبة؟ هو أمر لا تعترف به قوانين العمل. ـ للمرة العاشرة لا تخفي الدكتورة ديالا حاج عارف، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل عدم رضاها عن استمرار الجدل حول تعديل قانون العمل. وأكدت (بلهجة العتب) أن قانون العمل الجديد يناقش للمرة العاشرة مع الاتحاد العام لنقابات العمال من أجل الوصول إلى صيغة اتفاقية. وتلفت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل قائلة: نحن نمثل أطرافاً متشاركة، ونطبق التشاركية الحقيقية، ولا نود لطرف أن يكون مختلفاً مع طرف آخر. ربما لا تعكس هذه النظرة ما يشاع عن الدور الذي تمارسه وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وقيامها بمحاولة تعديل قانون العمل وفق صيغ جديدة لا تعطي العمال الأولية، وهذا لا يعني التراجع عن مكتسبات سابقة تحققت، بقدر ما هو تجاهل لبديهيات حقوق العمال. وتحاول الوزارة أن تأخذ دور الوسيط بين ممثلي العمال وأصحاب العمل، وهو على عكس الدور الاعتيادي الذي كان يناط بالحكومة بأن تكون راعية لحقوق العمال بالدرجة الأولى ومدافعة عنها، التزاماً بقوانين العمل. لكنها التشاركية التي تحاول الحكومة تأسيسها والانتقال من حالة إلى أخرى لا بد من آلام مرافقة. سألنا السيدة الوزيرة: هل ما زلت مصرة على صيغة العقد شريعة المتعاقدين؟ فأجابت: نحن لا نصر إلا على أن يكون هناك عقد متوازناً لصالح الأطراف بمجملها. وتفسر د. حاج عارف ما قصدته بالعقد المتوازن على أنه العقد الذي يضمن حقوق ومصالح الأطراف الثلاثة وهم أصحاب العمل والعمال والدولة. ـ عند اللزوم تشارك غرف الصناعة، بوصفها ممثلة رسمية لأصحاب العمل، في دراسة تعديل قانون العمل. وكما هي حالة الطرفين الآخرين يؤكد المهندس عماد غريواتي رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها أن اللجنة تدرس بروية كبيرة تعديل قانون العمل بما يتلاءم مع مصلحة المستثمر والعامل والدولة في آن واحد. ويبرز هنا تساؤل جوهري: ما هي مصلحة المستثمرين وأرباب العمل؟! يقول غريواتي: نريد أن تنخفض النسبة التي تدفع في التأمينات الاجتماعية لتصبح معقولة وغير مرهقة سواء لصاحب العمل أو العامل نفسه، وبالتالي تكون هناك إمكانية لدفعها بشكل كامل وتكون الأجور المعلنة هي الأجور الحقيقية، إضافة إلى تعديل بعض قوانين العمل التي تلائم مصلحة العامل والمستثمر، وخاصة موضوع إنهاء عقد العمل عند اللزوم أو أن يكون العقد شريعة المتعاقدين. تفترض هذه الحالة التزام الشفافية المطلقة وعدم دخول المزاجيات والسلوكيات الخاصة في الحسبان، وفي ظل عدم وجود إطار مؤسسي يحكم عمل القطاع الخاص يصبح التخوف لدى العمال ـ عبر ممثليهم ـ مبرراً، فمتى يرى أصحاب العمل أنه ينبغي عليهم إنهاء عقد العمل؟! يؤكّد رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها: لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتخلى صاحب العمل عن العامل الجيد والمنتج، بل هو على العكس يتمسك به. ويضيف غريواتي: يوجد بعض الحالات من بعض العمال الذين يكون أداؤهم غير سليم، وفي هذه الحالة يضطر صاحب العمل إلى صرف العامل، وهي حالات قليلة جداً. ـ الإقصاء الاجتماعي قامت دول عربية عديدة بتعديل قوانين العمل لديها تبعاً لظروفها وحاجات اقتصاداتها وبما لا يتعارض مع مصلحة العمال ومكاسبهم. يقول السيد محمد طرابلسي من الاتحاد العام للشغل في تونس ومستشار منظمة العمل العربية: نعارض أن يكون الانفتاح الاقتصادي على حساب فئة اجتماعية دون أخرى. وأثبتت الأيام أنه مع كل عملية انفتاح كان المتضرر الأساسي هو العمال. ولذلك لا بد أن يتوازى الانفتاح الاقتصادي مع ضوابط يتم التفاوض بشأنها مع ممثلي العمال وأصحاب العمل، حتى لا ننزلق إلى حالة تضعف ارتباط العامل بعمله وتجعله عرضة للطرد وإقصائه اجتماعياً وفق إرادة رب العمل، بدعاوى الجدوى الاقتصادية ومردودية العمل. ويضيف طرابلسي: عقد الشغل هو حلقة هامة في محاربة هشاشة التشغيل، ولا بد أن يوفر العقد الاستقرار للمؤسسة وللعامل. أما عن عقد العمل في تونس فيقول طرابلسي: يكون عقد العمل لمدة معينة كتجربة، والحد الأقصى هو أربع سنوات، ثم يقع ترسيمه وتثبيته في العمل آلياً. لكن أصحاب العمل يتحايلون فقبل نهاية العقد بأسبوع يطردون العامل ويعيدونه بعد أسبوع آخر، وتحتسب المدة من جديد. ويصف طرابلسي ذلك بأنه تحايل على القانون، لعدم وجود ضوابط وإجراءات رادعة. وعن اقتراحاته للوصول إلى حل مرضٍ يقول طرابلسي: إن انسحاب الدولة يضر بالتوازنات الاجتماعية والاقتصادية، وبالقدر الذي تشجع فيه الدولة على الاستثمار يجب أن تشجع المبادرة الجماعية التي من شأنها تنمية الاقتصاد الوطني وتوفير مواطن الشغل. وفي الوقت نفسه ـ يتابع طرابلسي ـ على الدولة أن تضع الضوابط حتى تُحترم عقود الشغل والاتفاقات المبرمة بين نقابات العمال وأصحاب العمل، فلا يجب على الدولة أن تنسحب من هذا المجال وعليها أن تسهر على تطبيق القانون وإيجاد الآليات لمحاربة التحايل. ـ أجهزة رقابية الدكتور عبد الله صادق دحلان، نائب رئيس مجلس إدارة منظمة العمل العربية وعضو مجلس الشورى السعودي، يرى أن عقود العمل في السعودية تتماشى مع أنظمة منظمة العمل الدولية وقوانينها، التي تؤكد أهمية ضمان حقوق العامل وتحمي العمالة من إجحاف بعض قرارات أصحاب العمل. ويقول د. دحلان: ترتبط العقود بتوقيت زمني وبحقوق لا يمكن لصاحب العمل الخروج عنها، إذ توجد أجهزة رقابية وقانونية تفصل بين العمال وأصحاب العمل. تتضمن عقود العمل في دول الخليج العربي بنوداً أساسية (الالتزام بنظام العمل الدولي والمحلي)، وبنوداً متغيرة (المميزات، وضوابط العمل). ويقترح د. دحلان عدم فرض بنود إضافية أكثر من البنود التي تضمن حقوق العامل وصاحب العمل. ويرى د. دحلان أن حقوق العامل تتمثل بفترة العقد ومميزاته وتهيئة الأجواء المناسبة لأداء العمل وحق العامل في الإجازات، والتأمينات الاجتماعية والتأمين الصحي. وأن لا يكون هناك تعسف من صاحب العمل في الفصل قبل انتهاء مدة العقد أو الإقلال من المميزات. وهنا لا بد أن يكون للدولة تدخل قوي جداً يضمن عدم حصول الإجحاف. ومن جهة ثانية يحتاج صاحب العمل إلى انضباط العامل، ولا بد أن تراجع عقود العمل كل فترة. ـ سيد الموقف الإصرار على تعديل قانون العمل، والفترة الزمنية الطويلة لدراسته ونقاشه، أوصلت الأطراف الثلاثة (الحكومة، أصحاب العمل، اتحاد العمال) إلى عبارة: إرضاء جميع الأطراف. ويبدو أن تعارض المصالح ورفض أي طرف التنازل عن مكتسباته، والبحث عن مزايا جديدة، هو سيد الموقف. ثمة حل توفيقي خرجت به وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل باقتراح نموذج لعقد العمل بصفته شريعة للمتعاقدين، وما زال قيد التداول والدرس: إن النسبة التي تقتطع من الرواتب والأجور لصالح التأمينات الاجتماعية ليست مشكلة مستعصية ما دامت النسبة تقتطع أصلاً من راتب العامل أي هي ماله بالأساس. أما عن بقاء العقد دائماً فأثبتت العقود الماضية أن التهرب من تسجيل أصحاب العمل للعمال في التأمينات الاجتماعية وعدم توثيق عقود العمل هو ميزة إضافية للقطاع الخاص. إن الاستمرار كما الحالة السابقة هو خطأ، ويزيد من المشكلات والغبن اللذين يتعرض لهما العامل، كما أن ترك العامل دون عقد يضمن حقوقه ويشعره بالأمان لمستقبله في ظل التحايل الذي نراه والتشوهات في العلاقة بين العامل وصاحب العمل أمر يخالف قوانين العمل. وليس من الصعب أن يكون العقد قابلاً للإلغاء في حالات معينة وخاصة جداً، تحدد في أنموذج العقد صراحة، وعدا ذلك تبقى العقود دائمة بما يتناسب مع مصلحة أطراف الإنتاج الثلاثة. إن حاجة العامل الماسة إلى العمل في ظل ارتفاع نسب البطالة جعلت العامل يخضع لشروط قاسية جداً دون أن يدافع عنه أحد. والفرصة الآن مواتية لطي الصفحة، والبدء من جديد وفق شروط جديد تحدد فيها الأوليات، ومن خلالها يعدل قانون العمل. فالتنمية والاستثمار لايلغيان حقوق العمال إطلاقاً. 11/7/2006
|