|
جريمة الشرف والجريمة الطائفيّة |
|
|
|
غادة اليوسف
|
|
2006-07-08 |
تنشر بالتعاون مع جريدة "النور"مازالت تلك الزغرودة تتردّد في ضمير ذلك الحيّ منذ أكثر من ثلاثة أعوام. لا لم تكن زغرودة بل كانت صرخة فجائعية مزمجرة مستغيثة هزّت جدران البيت وشرفات البيوت المغلقة المجاورة,وكلّ الحجب والجدران, كرّرت فالتبس الأمر على الجميع. الأمّهات وحدهنّ قرأنها آسفات، وقد أخفين دموعهنّ عن ذكر يتمدّد على مساحة رعبهنّ وصمتهنّ.. لا لم تكن زغرودة، بل كانت صرخة يائسة تسأل عن جواب شاف, اختلطت الصرخة الزغرودة بصوت ارتطام الجسد الفتي المقاوم, على درجات السلّم الهابط إلى هاوية قيمنا، سكن الجسد وما سكنت الزغرودة السؤال: لا.. لا.. ليش؟! لم يبق أحد في الشرق ولا في الغرب إلا وتزعّم الحرب على الإرهاب والعنف بكلّ أشكاله بدءاً من العنف الموجّه إلى الدّول وانتهاء بالعنف ضدّ الطّفل والمرأة. ولم يبق أحد إلا وتشدّق بالديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة قانون عصري يشمل مناحي المجتمع البشري. وما بقي أحد على مختلف المشارب إلا وتزيّا بالزّي المبهرج بالكلام عن المؤسّسة الحاضنة لتنوّع المجتمع الإنساني، من بوش إلى بلير إلى شارون إلى كلّ الرعاة، بدءاً برعاة البقر والبشر وانتهاء برعاة السياسة، مروراً برعاة المؤسسات الدينية ورعاة الرعية من خراف الطوائف الضّالة والمهتدية لطوائف لا عدّ لها ولا حصر، تتناهب المجتمع الإنساني. إضافة إلى الزّعامات الطّائفية التي يتأبّد وجودها بتأبيد التّشرذم الطّائفي. كلّهم بدؤوا يسايرون الموضة ويسيرون في ركب الباعقين بأبواق الشعارات الآنفة, لضرورات تجميلية تجعلهم أكثر قبولاً في عيون غبشت, وابتليت بالعشاء الليلي بسبب هذا الليل المظلم الذي يشبه ليل امرؤ القيس الطويل الذي يبدو أنه لن ينجلي عن صبح، إذا بقيت الحال كما هي عليه. وقد اختلط الصادق بالكاذب، والحابل بالنابل، والضحية بالقاتل، والمجرم بالمناضل,وباتت الفوضى سيّدة الموقف في العالم,كلّ ذلك في زمن كثر فيه اللغط عن الحوار والاعتراف بالآخر: بدءاً بالحوار مع الأبناء والبنات, والزوجات والبلدات, والبلدان والأعراق والأديان، زمن قامت الدنيا فيه ولم تقعد على رأس هنتنجتون وفوكوياما,زمن نحاول فيه باستماتة أن ننفي عن أنفسنا سبّة العنف والإرهاب، ونثبت بالبرهان القطعي أنّنا مسالمون. ونتباهى بمناسبة وبغير مناسبة بوحدتنا الوطنية, تلك الغلالة الرقيقة التي لا تستر عورة تشققاتنا الطائفية التي تسقط لدى أوهى دغدغة من هبّة عابرة لنسمة غير مواتية, ونحن المبتلون بفنّ الفصاحة والخطابة والزّعيق على المنابر، حتى إذا خفت هدير التصفيق عاد كلّ إلى ما كان عليه منذ ما قبل عهود (وإذا الموءودة سئلت بأيّ ذنب قتلت)! نلقي بالجينز وربطة العنق خارج أسوار العشيرة ومضارب (بني ذبّح)، ونرتدي عمامة أبي جهل, ونتمنطق بالخنجر المرصّع بعيون حاولت يوماً أن تبصر. ونحمل السوط نفسه، ندخل خيمة السبايا والجواري لنجلد ضعفنا في نصفنا الآخر, ثمّ نخرج فخورين بفحولة وهمية نستر بها خصاءً بات مكشوفاً خارج أسوار تلك الخيمة. ونتغنّى بقصائد الشّرف المحصور في أسفل المرأة على نغمة (هذا ما وجدنا عليه آباءنا)، ثمّ نخزّن في عقولنا (قات) الأمجاد المكذوبة ونجترّ البطولات التي ضخّت عبر الزّمن مستنقع العار الذي نغوص فيه، ننشغل به عن عار التخلّف والجهل والضعف والتداعي والعطالة الفكرية، والأمّية الوجدانية والتردّي الاقتصادي وفقدان الحيلة والحول والقوّة. نطمر رأسنا بأسمالنا ونبحث عن مجد مزيّف كتعويض عن عقدة ذنب وعار لا تزال تتمكّن من جيناتنا الوراثية منذ أوّل عبد مخصي مقيم في مملكة البطريق الأوّل الآبد والأبدي، لنحمي مجتمعاً مازالت الغرائز الذكورية بكلّ تجلّياتها هي وحدها منظومة الضّبط الذاتي له، بدءاً بالغرائز القبلية والعشائرية والطائفية والعرقية والدينية وانتهاء بالغرائز الجنسية (الذكورية) طبعاً! في مجتمع مازال يبرّر جرائم الذكور المنسوبة إلى (الشرف) ويعاقب المرأة عليها، مع أنّ قيمة أيّ فعل تنسب لمن قام به بنفس القدر، سواء كان فرداً أو أكثر، في مجتمع يأخذ فيه الفعل قيمتين متناقضتين: فالذكر يتباهى بفتوحاته وغزواته الجنسية، بينما توصم فيه المرأة وتذبح. في مجتمع كهذا يتجذّر العنف، وتنمو بذرة التمييز التي انبثقت عنها كلّ أصناف التفرقة بين البشر. في مجتمع العقل الملغى يصمّ القانون سمعه عن صرخة المحاكمة الأنثوية التي تقول: يعود أخي من الماخور عند الفجر سكرانا.. يعود كأنّه السلطان من سمّاه سلطانا فسبحان الذي سوّاه من نور ومن فحم رخيص نحن سوّانا وسبحان الذي يمحو خطاياه ولا يمحو خطايانا؟! منذ أن لطّخ دم القلب العاشق والشجاع لكل الصبايا المقتولات على امتداد وطننا عهر صمتنا، في هذا الزمن المنسوب إلى السنة الخامسة من الألفية الثالثة لولادة المسيح نبي المحبّة والتسامح، وفي الألفية الثانية للبعثة المحمّدية التي توجّهت إلى كلّ الناس بالدعوة للتعارف والتواصل: (يا أيها الناس إنّا خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم). فلم يحدّد ديناً بعينه ولا طائفة دون غيرها ولا لوناً، بل توجّه إلى مطلق الإنسان دون أيّ تمييز، وخصّ المتّقين من النّاس بالكرامة دون أن ينسب التقوى إلى أحد دون أحد، ولربّ موتور مصاب بالعصاب الطائفي يتشدّق بمقولة الفرقة الناجية! لمثله لا يتّسع المقام هنا، بل أحيله إلى المراجع الروحية العاقلة التي ترى أنّ الفرقة الناجية ما هي إلا مجموع أهل (الذوق) أو (الصّفوة) من كلّ الناس. وهنا قد ينبري من عاثت به أحقاب الظلام مشرّعاً قتل المرأة التي تختار من تشاء إن كان من غير دينها أو طائفتها، مثل هذا نحيله إلى كلّ الشرائع السماوية وغير السماوية ليأتينا ببرهان واحد إلا على حرمة مثل هذا القتل، منذ أن ذبحت هدى وإيمان وجميلة و...وكلّ التاءات المربوطة التي استبدلت بها تلك الصبايا تاء الفاعل المتحركة. وأنا أحاول البحث عن الجاني المستتر المتواري خلف الحجج الآنفة لجريمة لا ترتكب إلا في وضح النّهار مع سبق الإصرار والترصّد وبالتغرير والخديعة، فوجدت أنّ القاتل الأوّل المعلن هو الأخ أو الأب أو العم أو أيّ ذكر من ذكور العائلة. والقاتل الآخر هو القانون القاصر إنسانياً, متكاتفاً مع صمتنا والعرف المتعالي على الشرائع السماوية. ليست هي الجريمة الأولى، وإذا بقينا صامتين فلن تكون الأخيرة,إذن لنفتح الأبواب على مصاريعها ونتكلّم بالصوت العالي ونصرخ رفضاً واحتجاجاً وإدانة لقوانين تحمي المجرمين، وتسمح لهم بالتّفلّت من ربقة العقاب العادل الرّادع لجرائم يجب أن توصم من اليوم باسم (الجريمة الطائفية). قتل امرأة تتزوّج من طائفة أخرى هو عنوان لا لبس فيه لكلّ العقابيل التي تكبح انطلاقنا نحو أن نكون جديرين بالانتماء للمجتمع الإنساني. بل إنّها قضيّة تسلّط الضوء على كلّ القضايا الراهنة التي يناضل جميع شرفاء العالم لإزاحتها عن طريق المسيرة الإنسانية نحو التوحّد والتطوّر والقضاء على العنف. واسمحوا لي أن أسأل الجميع، وبخاصة الذكور، ومن كلّ الطوائف والمستويات العلمية والثقافية: هل تقبل أن تتزوّج ابنتك أو شقيقتك من طائفة أخرى؟ أعتقد أنّ كلّ طوائفنا وبتفاوتات طفيفة ترفض ذلك ولأسباب تتراوح بين التعصّب المقزّز إلى عدم الاقتناع، وصولاً إلى الرّفض بحجّة الرضوخ للأعراف السائدة. إذن تعالوا لنلقي بأقنعتنا جانباً، ونطرح القضية للحوار والمكاشفة في الشارع وبين عامة الناس وفي قاعات المحاكم وبين حيثيات القوانين التي آن لها أن تليق برفع لواء العدالة. في المدارس والجامعات وفي المناهج الدرسية وموضوعات التربية الاجتماعية، وبخاصة تلك المعدّة لليافعين والشباب,ولتطرح مسألة تشريع الزواج المدني وبكلّ جرأة,هذا إن كنّا نمتلك الإيمان والقناعة بما نقول,فكلّ إيمان يستدعي المجاهدة وكلّ مجاهدة فيها مكابدة قد تصل إلى مستوى الاستشهاد في سبيل ما نرى أنّه حقّ، وإلاّ كفانا تبجّحاً ومزايدة عن حقوق المرأة والديمقراطية، والحقوق العامّة والخاصّة, والحرّيات، وقبول الآخر ورفض تكفيره. إنّني أضمّ صوتي إلى كلّ الأصوات التي تطالب بإنزال أشدّ العقوبات بكلّ من يرتكب جريمة قتل بحجّة الدفاع عن الشرف، فلكلّ شرفه المتأتي من سويّة أدائه الإنساني، (ولاتزر وازرة وزر أخرى) (وأضمّ صوتي إلى صوت كلّ من يطالب بإنزال عقوبة الإعدام بمرتكبي جرائم (الشرف) الطائفية, والتي يجب أن تأخذ صفتها الحقيقية فتسمّى (الجرائم الطائفية). لنقف بوجه كلّ ما من شأنه أن يمهّد الطريق لخرائط طريق مرسومة لوجودنا، ويهوّن السبل لمن يريد السيطرة على المنطقة ودون خسائر وبأقلّ الجهود - إذ يتكفّل أبناء البلد الواحد بذلك - مستثمراً هذا الوضع المتشرذم لتفتيت المنطقة إلى كيانات طائفية وإثنية. إذن فإنّ وقوفنا في وجه من يعتدي على المرأة وعلى حرّيتها وحياتها هو وقوف في وجه من يعتدي على المجتمع، وهي قضية وطنية بامتياز. 10/2005
|