|
إرادة حرة و تواصل مع العالم أو انزلاق نحو إكراه أعمى |
|
|
|
عصام جبيلي
|
|
2006-07-08 |
خاص: "نساء سورية"إن الغاية من آليات ضبط المجتمع، يجب أن تكون موجهة بالدرجة الأولى للدمج الاجتماعي. فالإنسان يولد بصورة عيانية، ضمن شبكة من العلاقات الاجتماعية، فهو منتمٍ إلى جماعة ما سواءاً أكان اختيارياً أم مفروضاً. فهو ينتمي إلى عائلة، إلى أمّة أو قوم، إلى دين وإلى طائفة، ويعمل في وسط مديني(حضري) أو ريفي، وينتمي إلى حزب أو جماعة ويساهم في جمعية، وهو متعاطف مع أهداف معينة ويؤمن بقيم ولديه قناعات. وتأتي بعض الأعراف والتقاليد الموروثة منذ أقدم العصور لتوّلد نوعاً من العزلة، كنتيجة لهذه الانتماءات. لكن هذه الشبكة من العلاقات الاجتماعية غير مغلقة، لأن سيرورة التطور وأزلية الحركة عبارة عن سلسلة من إنتاج وإعادة إنتاج هذه الشبكة التي لا نعيها إلا من خلال تطور مفهوم السلطة الاجتماعية التي تتوقف عليها آليات ضبط المجتمع. ومفهوم السلطة هنا ليس اجتماعياً إلا بشكل دلالي فهو سياسي وعسكري ومخابراتي. إن الحياة المشتركة للبشر هي نفسها أيضاً تتجلى بصورة عيانية ضمن إطار دولة وفي ظل تنشئة مدرسية معينة مثلاً تتفاعل فيها وتتجاذب(عبر خضوع وتعارض ) بواعث ودوافع عائلية وسلطوية، تتفكك مفاهيم، وتتولد أخرى. فقد تتفكك سحر الصور الدينية أحياناً، وقد يتم استلابها دينياً بشكل مقلوب تدوس أبسط القيم الإنسانية أحياناً أخرى وتتأرجح الروح ولا تتم مصالحتها، فينخرط بعضهم في تكثيف مغالٍ مدمر، يدمر آخر حصون العقل وينسحب، لأنه لا يتواصل بشكل سوي مع العالم المحيط . لا يمكن صيانة هذه الحياة المشتركة إلا عبر سلطة تصونها باعتبارها نسيجاً لحمته الاندماج الاجتماعي، وسداه الذات المستقلة الواعية الحرة للأفراد. إن الانغلاق المذهبي وفرض الهيبة القسري (الجماعي والفردي) ونبذ الآخر لا يدل سوى على مركّب نقص يشظي المجتمع ويحرم الفرد من حقه في الوجود، فتاريخ البشرية يثبت أن التهاون مع هؤلاء يعقد المشكلة,ويسلب الحقوق المجتمعية أحد أسسها. إن الأعمال اللاعقلانية هي بدرجة أو بأخرى أعمال إنسان ذي عقل، لكن عقل مشحون بأقصى أطياف الخيبة،والذاتية المفرطة التي تؤكد الذات ليس عبر الانفتاح على التعقيدات الحتمية للوجود بل عبر التعالي عليها وتبسيطها, وإحالتها إلى مجموعات من الإسقاطات الجذرية، خير عميم يقابله شر مستطير، طهارة وبكارة يقابلها خلاعة وفحشاء ،إنه فكر إذن وموقف وحل لكن اكتسب صفة المغفّل والإجرامي. وهذا الفعل مناقض للطمأنينة والحياة الكريمة وقيم العدالة مثله كمثل اللص والمجرم والقاتل في الجنايات الأخرى، لا بل إن الفعل في حال قتلة المسكينة هدى يقطع أوصال المجتمع ويدخله في دوامة جاهلية لا يعرف مستقرها. الحل الذي ارتضاه اللص باستحلاله لمال غيره هو حله الفردي في نهاية المطاف، ومهما كانت مبرراته ومسوغاته، فغاية العدل والحكم العادل إنزال عقوبة رادعة، لا ثأرية ولا جائرة تلحق الأذى الدائم باللص، وهي قد تختلف بين زمان وآخر ومجتمع وآخر. وإذا تساءلنا لماذا العقوبة؟ أليس لأن الحل الذي ارتضاه لمشكلته المادية أو المعنوية، هو حل يعقِّد المشكلة على نطاق المجتمع؟ ألا يتبارى الفاسدون في أول رقصهم وهو الحنجلة بنشر ثقافة خاصة عندما يبدؤون باستحلال المال العام ويبررون تفشيه؟ ثم حين ينتقلون إلى مرحلة أخرى سماتها الصلف والغطرسة ودوس الأخلاق حتى لو أدت إلى وفاة طفل أو مريض بسرقة دوائه وحرمان إنسان بسرقة لقمته أو تسميم مائه أو طعامه...إذن عندما تطالهم العدالة !! فإننا نعيد الاستقرار للمجتمع، ونؤكد على استمرارلحمته ونمنع انخفاض نبضه، إذ هو ينبض!!! ما زال فيه حياة !!!ولم تمتص كامل دمائه وتستنزف إلى الخارج خيرة عقوله بعد. وكذلك اللص الذي يبرر لنفسه فعلته في أغلب الأحيان إذا أخذ بوجهة النظر التي تقول من أين لفلان هذا المال فلأجعله خاصتي، فأنا أحق منه ولدي مبرراتي خصوصاً عندما يستلهم في مخيلته فئة الناس التي سبق ذكرها ومصادر أموالها، ومع ذلك تطاله العدالة, لماذا ؟ أليس لأن حله غير مشروع ويشوش ويهدد لحمة المجتمع؟؟ وكذلك القاتل مهما كانت مبرراته ودوافعه، وقد تكون أحيانا، ردود أفعال على أذية نفسية أو جسدية مستديمة، وضع القاتل حداً لها عبر حلٍ ارتضاه. ومع ذلك يُحكم، وبعقوبات متفاوتة حسب الظرف الذي وقعت فيه الجريمة. لماذا أليس لأن حله قد أزهق روحاً؟ أليس لأن من حق المجتمع أن يمنع القسر والإكراه والقتل العمد؟ ونصل أخيراً إلى بيت القصيد ألم يتوصل قاتلي المغدورة هدى وأمثال هدى إلى إزهاق روحها، لأنها تجاوزت موروثات معينة وخالفت حساسية دينية كعرف لا كقانون. لست هنا في معرض الدخول في طبائع القاتلين وضوابطهم الانفعالية والنفسية لأنها تحتاج إلى دراسات علماء اجتماع ونفس. ولكن سنناقش المسألة ببساطة تامة, أيحكم اللص والقاتل العادي ولا تبرر مسوغاتهم، ونخفف المسؤولية عن القتل غسلاً للعار!! وأي عار ارتكبته؟! فإذا التمسنا العذر لمن ينصاع للأعراف التي مضى عليها آلاف السنين وكان شديد العصبية القبلية والدينية ولديه مفهوماً معيناً للعرق أو المذهب تمنع التفاعل مع الآخرين وتفوح منها رائحة الإقصاء والطائفية، فلنعتبرها جريمة كما تعتبرها باقي الأمم التي تؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان، أما القتل وبهذا الشكل الذي تم فيه، فإنه يحطّم أبسط القواعد الإنسانية لدمج الفرد في المجتمع، بل إنه يرضي أحط الرغبات كالقسوة والعنف والتشفّي. فاحكموا أيها الحكام بعدل لأنكم بذلك تنمّون وجداناً أخلاقياً، يقطع العلاقة مع التطرف والعصبية أياً كان مصدره ومسبباته ومبرراته، إلا إذا كان بعضنا يستلذ بالتخلف ويرتخي أمام المسؤولية.27/9/2005
|