|
المشكلة ليست فقط في قانون العقوبات السوري بل في تطبيقه |
|
|
|
د. وائل المتني
|
|
2006-07-08 |
خاص: "نساء سورية"أيها السادة القضاة والمحامون المحترمون فلأعترف في البداية أنني لست محامياً ولا محباً بمهنة المحاماة مع أنني أكنّ لها كل الاحترام، ولم أكن يوماً شاعراً ولا روائياً ولا كاتباً، لكن هذه القصة أثارت في مشاعر الحنق والكره لهذا المجتمع شديد التخلف الذي نعيشه في بداية القرن الواحد والعشرين. المجتمع الذي أعنيه ليس فقط في المجال الضيق أي أهل الفتاة بل عائلتها الكبيرة ومجتمع محافظة السويداء بل المجتمع السورية والعربي كلّه. لم أصدّق الرواية أول الأمر لكني سمعت بها موثقة من أقرباء لي فازداد كرهي لهذا الواقع ، بل ضاعف من حزني ومشاعري أن أحداً ممن سمعها أو عاشها لم يعترض أو حتى يقف بوجه القاتل وعائلته ولو من قبيل احترام الذات. أكثر من ذلك أنّ الكل متأكد أن القاتل سوف يخرج بعد جريمته بالبراءة . لم أصدق، وبدأت أبحث في القانون عن أسباب براءته فما وجدت إلا أسباب إدانته وإدانة أهله، لكن صدق من قال أن القانون السوري " مطاط " فمن القضاة من يستطيع أن يحكم على الجاني في قضية المجني عليها هدى بالإعدام، في نفس الوقت الذي يمكن لقاضٍ متملق أو غير ذي ثقة أن يحكم له بأدنى حكم ممكن بموجب الأسباب التخفيفية. لنناقش الموضوع فقرة فقرة ولنرى! ورد في قانون العقوبات السوري ما يلي: المادة 548: 1 ـ «يستفيد من العذر المحل من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد». 2 ـ يستفيد مرتكب القتل أو الأذى من العذر المخفف إذا فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في حالة مريبة مع آخر. نلاحظ أنّه لا عذر مخفف للقاتل شقيق المغدورة هدى، إذ يتضح بشكل جلي أن المادة 548 تركز على ضرورة وجود ما يلي من أجل حصول الفعل المخفف: آ- مشاهدة الزنا: أي يجب أن يكون القاتل قد رأى بعينه حدوث هذا الفعل، وليس سمع أو قرأ أو أو أو …. وهذا ما لم يحدث لا في حالة هدى ولا في عشرات الحالات المشابهة. ب- المفاجأة: وتعني المفاجأة أن لا تفصل بين المشاهدة أو العلم بالشيء الدافع للجرم وبين حدوث الجريمة أكثر من دقائق أو حتى ساعات. من خلال مراجعة قصة الضحية هدى كان ما بين معرفة الأهل بزواج هدى وحدوث الجريمة أشهر إن لم يكن أكثر، وهنا تنتفي تماماً حالة المفاجأة. على الإنسان الرصين (مهما كان قد فقد صوابه في اللحظات الأولى) أن يكون قد تماسك واستجمع عقله وعاد إلى رشده، ومن لم يفعل ذلك خلال هذه الأشهر إنما يكون قد فعل جريمته عن سبق إصرار وترصد وبعد تخطيط محكم وهو يتحول من حالة " العذر المخفف " إلى حالة " القتل مع سبق الإصرار والترصد " التي يحكم على الجاني وفقاً لأساسها بالإعدام. ج- لم تكن هدى ولا غيرها ممن تزوجن من خارج الملّة في حالة زنا أو فعل فاحش بل تم الزواج وفقاً لشرعٍ ما (كل حسب طائفة الزوج أو حسب الاتفاق بين الزوجين) وبوجود شهود وغيرها من ملزمات الزواج الديني الكامل وإن اختلفت تعليماته بين مذهب وآخر. وبالتالي فإنّ المادة المذكورة لا تتعلق بما حدث لهدى وغيرها ممن تزوجن خارج الملّة أو الطائفة. وبالتالي حسب المادة 239 فلا عذر على الجريمة. المادة 242 : يستفيد من العذر المخفف فاعل الجريمة الذي أقدم عليها بثورة غضب شديد ناتج عن عمل غير محق وعلى جانب من الخطورة أتاه المجني عليه. وعندما نقارن بالوقائع نلاحظ أنّ فاعل الجريمة ليس له الحق في الغضب الشديد قانوناً لأنّ ما عملته المجني عليها الفتاة هدى هو: آ- ليس عملاً غير محق فهو زواج قد أحلّه الله في جميع الشرائع السماوية وحتى للذين لا يؤمنون. إنّ الزواج حق البشر جميعاً بغض النظر عن الدين والمذهب والطائفة والملّة والجنسية وغيرها. ب- من ناحية أخرى لم ترتكب الفتاة أي عمل يتأتى من خلاله خطورة ما لا من ناحية المجني عليها ولا على أهلها ولا عائلتها. وهكذا لا يستفيد الجاني من العذر المخفف بأي شيء فلا يحق له تخفيض العقوبة الواجب فرضها عليه. ومن ناحية أخرى فإنّ القانون السوري لا يزال يطبق بصورة غامضة ومواده المذكورة لا تزال فيها بعض الغموض كما ذكرت في المقدمة حيث سيخرج القاتل بعض تمضية وقت قصير لا يزيد عن الشهر في السجن يقضيه مثل السياحة نتيجة عمل إجرامي ارتكبه بحق أخته. أليس عجيباً أن نكون أرضنا -أرض الهلال الخصيب- هي التي أعطت للدنيا أول قانون ينظم العلاقة بين البشر " قانون حمورابي " وفيها العين بالعين والسنّ بالسنّ والبادي أظلم، وأنزلت فيها الشرائع السماوية جميعها التي يحرّم الله فيها قتل النفس إلا بالحق ، وفي النهاية يكون قانون الغاب هو الذي يحكمنا.الدكتور وائل المتني- دكتوراه في المكافحة الحيوية، زراعة – السويداء - سورية24/9/2005
|