|
قتل النساء ...صور لن تتكرر |
|
|
|
نضال الخضري
|
|
2006-07-08 |
يصرون على أن نخوض المغامرة الكبرى .. مغامرة الخروج من الجنة لأن حواء هي التي أغوت آدم. وعندما يسيل الدم نكرر الجريمة الأولى في الإنسانية. لأننا مصرون على اعتبار العالم مملوك للرجل الذي يحق له القتل أو الهروب بنسائه خارج التاريخ. ما يوحيه قتل هدى أبو عسلي ليس الجريمة المكررة بل إصرارنا على حماية "الخطيئة" بدعوى الشرف و "فورة الدم". وما ينقله دمها المهدور هو أننا قادرون على ممارسة اغتيال الذات مهما كان الثمن. وحملة التواقيع التي يمكن أن يشارك بها الجميع ليست وسام شرف لمن يقتل ... إنها حالة الضعف الذي نصر على استخدامه كلما شاهدنا جريمة. حقوق المرأة لم تكن يوما عرائض فقط .. إنها الإصرار الأبدي على الوجود رغم ملامح "السبي" الذي يمارس كل يوم في مخادع الرجال ... وحقوق المرأة هي ذاكرة الضحايا والقدرة على سلب الحق من الرجل في الاستمتاع بجرائم الشرف ... نحن من نهلل لتنفيذ الجريمة ... نساء شاردات في صحراء تحرقنا وندعي المتعة في العذاب، أو ندعي أننا نحصن الصورة الأخير للأنثى ... النساء قبل الرجال سيسألن عن دم هدى ... لأن عصر الجواري مازال يستصرخ في أعماقنا ... فإذا كنا نوقع على العرائض، فإننا نهرب أيضا من خطيئتنا الأولى لأننا مقتنعون بالذنب. لا حاجة لاسترجاع شريط البحث عن الذات، فكل محاكم الإناث كانت من صنع ما نحمله في داخلنا، وربما علينا لمرة واحدة أن نكسر الأقلام ونحرك عقولنا ... سأوقع على العريضة ... لكنني أريد أن أخرج الغضب من الداخلي ... أريد الاقتناع بأنني لست مسؤولة عن الدم المهدور ... أريد أن أكون صورة للمستقبل لا حاملة لتقاليد ألقنها لابنتي أو حفيدتي أو أي امرأة أراها قبالتي.خطيئة ثقافية كانت بضع طلقات من صور للحياة ... وهي اكتمال لتراجيديا تعود إلى "العهد السوري المتأخر" .. فربما لا نستطيع عبر أي حفر معرفي اكتشاف لون الويل الذي يدفع الطلقات .. لكنني أتصورها على شاكلة استمرار لطرق متعرج لا يقودنا نحو القتل .. بل الانتحار. هل تأكد أحد من طبيعة الطلقات التي اخترقت جسد هدى .. أو عاين السكين التي سفحت دمها .. معاينة أداة الجريمة ليست عمل المخبر الجنائي بل هي مهمة ثقافية بامتياز، لأن القتل استكمال لما نقوم به يوميا داخل أزقة المدن أو في القرى المنسية من الجزيرة وحتى حوران. لماذا ينتابني الذعر من أن القتل اصبح عادة يومية .. فما الغرابة في قتل هدى بعد أن قتلنا "البيئة" و "الحداثة" و "البراءة" في وجوه إناث المستقبل؟ القتل عادة يومية تقودنا مباشرة نحو عمليات النحر المفضوحة التي مورست ضد هدى .. وإذا كان البعض يبحث داخل القانون فإنني أريد نبش التفاصيل بدء من "قتل" الوقت ووصولا لممارسة القنص بالسيارات داخل شوارع المدينة. فمن يقتل المدن لن يعجز عن سفك دماء النساء، ومن يستطيع نحر هزيمته التاريخية والعيش في الظلال سيستمتع حتما بقتل النساء فهن ذاكرة الجواري والسبايا. وعندما يصلني الخنجر الذي اخترق "هدى" أراه يتشكل في كل لحظة، وأرى حامله في ألف وجه أقابله يوميا في الشوارع التي ملت سكانها .. وأتذكر ديوان نزار قباني "يوميات امرأة غير مبالية" لأنه كان يستبق عمليات النحر التي غدت عرفا وفورة دم وحق شخصي ضد كل شيء .. ولكن النساء في المقدمة. منذ اليوم سيصبح البحث عن سلاح الجريمة صعبا؛ لأننا قررنا عدم الاعتراف بأننا نمارس القتل اليومي عبر ثقافة تنتمي لزمن القبيلة ... فقبل أن نقتل الأنوثة المتجسدة في جسد امرأة قتلنا أنوثة المدينة والوقت و ..... والقائمة تطول ... وشكرا لهدى لأنها تذكرنا كل يوم بما نحمله من ظلام داخلنا.نشرت هذه المادة على حلقتين في نشرة "سورية الغد" الالكترونية21-22/9/2005
|