|
"جرائم الشرف": تفكيك المصطلح والكشف عن أسبابها الحقيقية |
|
|
|
أحمد أشقر
|
|
2006-07-08 |
"نشرت سابقا"قبل أسابيع نقلت وسائل الإعلام "الإسرائيلية"، العربية والعبرية، خبرا مفاده: أن امرأة فلسطينية من النقب، وهي أم لستة أبناء، "قُتِلَت على خلفية شرف العائلة". وأضافت، نقلا عن قائدة شرطة النقب: أن أخويها اعترفا بالجريمة، وأنها قتلاها على "خلفية شرف العائلة". الخبر ليس فيه أية إثارة. فمصطلح " القتل على خلفية شرف العائلة" أصبح لازمة تلازم جرائم القتل التي تمارس وتنفذ ضد النساء عادة. وقد بلغ الأمر بأحدهم من قرية يافة الناصرة، والذي قتل طليقته، قبل عدة أيام، وألقت الشرطة القبض عليه بعد ساعتين من تنفيذ جريمته، القول بأنه قتلها على "خلفية المسّ بشرف العائلة". ما هي علاقة "شرف عائلة" القاتل بامرأة لم تعد زوجته إطلاقا، وقد انفصلا منذ سنتين؟! بالطبع سنحاول الكشف عن أسباب استخدام هذا المصلح، وأقصد: "القتل على خلفية شرف العائلة"، والتعرف إلى الأسباب الحقيقية لهذه الجرائم: منطقة الـ48 نموذجا. أي أن استخدام هذا الغطاء، "القتل على خلفية شرف العائلة" أو "جرائم الشرف"، ما هو إلا جريمة ضد المجتمع وقيمه، تضاف إلى جريمة فردية وأسرية. وفي سياق المغدورة من النقب، نقلت بعض الصحف- وليس كلها-، أن القتيلة كانت قد قدمت عدة شكاوى إلى الشرطة ضد بعض أقاربها الذين يهددونها بالقتل، وذلك على خلفية صراع حدودي لما تبقى لهذه العائلة من أراض، بعد أن صادرت "إسرائيل" أكثر من 98% من أراضي النقب الفلسطيني، والبالغة مساحته 11 مليون دونم (ثُلْث مساحة فلسطين). إن عدم اهتمام الشرطة بالشكوى، وجمعيات التمويل الأجنبي "التي تحارب" هذا النوع من القتل، له أسبابه، وسنأتي على ذكرها وتحليلها بإسهاب."الشرف" قناع الجريمة في العادة يستخدم الناس، العامة والخاصة، الخطاب الذي يخدمهم آنيا وإستراتيجيا ويريحهم نفسيا في المستويين الفردي والجمعي، على أمل أن يكون ضرره قليلا في أوقات الشدة والأزمات، وفائدته عظيمة في أوقات النجاح والفرح. وعادة يلجأ الناس إلى المبالغة أو التقليل من الشيء، والكذب والصدق، حسب الحاجة. ويدخل العامل الطبقي- الثقافي في هذه الأمور، المبالغة والتقليل والكذب والصدق. كلٌ بحسب احتياجه وأدواته المعرفية. فقد حدثني أحد الأصدقاء الذي درس في فرنسا، أنه أجرى بحثا لحلقة نقاشية أثناء دراسته الجامعية، حول الكذب والمبالغة، بين قطاعات مجتمعية مختلفة حول معرفة بعض المؤلفات الموسيقية والأدبية والفنية الكلاسيكية، ليس قبل أن "اختلق" أسماء وأعمالا فنية وهمية. فاتضح له أن الأغنياء والمثقفين هم الأكثر مبالغة وكذبا، مقارنة مع أبناء الشرائح الشعبية، الأقل مالا وثقافة. بالطبع، كلُ بالغَ وكَذَبَ أو صَدَقَ ليعيد إنتاج صورته- كما يريدها- أمام نفسه والآخرين. وعودة إلى موضوعنا: بالطبع لن يقول مجرم أنه قتل أخته لأنها تريد حصنها من ميراث والديهما، أو قتل زوجته لأنها لم تعد قادرة على العيش معه وتريد تطليقه، أو قتلها لأنها رفضت أن يبيع مصاغها لشراء المخدرات... وقائمة أسباب الجريمة طويلة ومثيرة إثارة العقل الإنساني. لذا يلجأ القاتل إلى منهجٍ يعزز مسلكه الإجرامي: ابتداع هدف نبيل، وهل يوجد أنبل من الدفاع عن الشرف الفردي والعائلي والقومي!، وتجنيد أكبر عدد من المحيطين إلى صفّه، وبما أنه سيعتقل ويمثل أمام القضاء، لا بد من ابتداع "العذر المخفف"، وعادة ما يأخذ جهاز القضاء في "إسرائيل" وبعض الدول المُحتَجَز تطورها، مثل الأردن ومصر... وسوريا بـ"العرف" و"العادات"، أثناء التقاضي والقضاء. فـ"العرف/ العادات" هو أحد مصادر التشريع والتقاضي. ليس من السهل تعريف الشرف... إلا أن تحديده سهل: جميع المسلكيات الحميدة، النجاح الفردي والأسري والاستقامة ومساعدة الآخرين... وحب الشعب والأمة والوطن والذود عنهم، حيث تبلغ قمتها في النضال الفاعل والاستشهاد. عمليا، إن استخدام مصطلح "الشرف" في أي موضوع وسياق ومن قبل أي شخص، من شأنه أن يعود بالتعاطف إلى الموضوع أو السياق أو مستخدمه، أو إلى جميعهم معا. أي أن استخدامه إشكاليا. وعادة ما يكثر الدجالون والمنافقون من استخدام هذا المصطلح تصريحا. أما الصادقون والشرفاء فيحجمون عن استخدامه، لا لسبب، إلا لأنه منهجهم الحياتي! فالناس عادة ما تعلن عن ذاتها بالتصريح والعمل والممارسة. وحسب رأي التربويين: إن نقل القيم من مجموعة إلى أخرى، وجيل إلى آخر، يكون أضمن وأكثر فاعلية بواسطة الأفعال والممارسة، أكثر من التصريح والوعظ. القاتل يعرف هذا بدقة، إلا أنه يعجز عن تفسيره... إنه يريد إقناع نفسه والآخرين وجهاز القضاء بأن هدف جريمته كان نبيلا. ويعزز من قناعة القاتل، هو عودة الآخرين إلى استخدام خطابه. وعليه نقول: إن استخدام مصطلحات "جرائم الشرف" و/ أو "القتل على خلفية شرف العائلة"، من قبل المناهضين لهذا النوع من الجرائم- خطير. إنه اللعب والحراك في ميدان مليء بالألغام، وعادة ما ينفجر بعضها بهؤلاء المناهضين، حين ينحرف مسار تحليل ومناهضة الجريمة إلى مسار ودهاليز أخرى مثل: الدفاع عن شرف العائلة والحرية العاطفية والجنسية للنساء. وعادة ما يعجز هؤلاء المناهضين عن التصريح العلني عن موقفهم الرافض حصر "شرف العائلة" بممارسة النساء الجنسية خارج إطار الزواج الرسمي، والمؤيد لحريتهن العاطفية والجنسية. وذلك في مجتمع يستهلك إيحاءات ورموزا جنسية فظّة؛ تعزز الداروينية في أحاسيس ووعي ومسلكيات قطاع واسع جدا من أفراد المجتمع، شيبا وشبابا؛ بواسطة وسائل الإعلام المرئية التي تعتمده منهجا مكثفا للعودة بالإنسانية إلى بدائيتها، كي يسهل على الرأسمال تحويلهم إلى كائنات مضطربة لا تعي الفروقات بين الأكل والعاطفة والجنس؛ ويستهلك هذه السموم القيمية أكثر من الخبز والكتب والمعرفة، دون أن يكتفي عاطفيا أو جنسيا. إنه الانشغال بالقضية وليس ممارستها في أجواء عاطفية، دافئة وحميمة. وعليه أدعو إلى نبذ هذين المصطلحين، والعودة بالجريمة إلى ملف الجرائم العادية الأخرى، لأجل البحث في مسببتاها وعقابها. لذا، يجب عزل المجرمين عن البيئة الذي يعتقدون أنها تساندههم. أسباب الجرائم حسنا، إذا لم يكن السبب "جريمة أخلاقية" اقترفتها المغدورة، فما هو سبب اقتراف هذه الجرائم، يا ترى؟ لقد خصصت لتحقيق لهذا الغرض، بمنهج الباحث، أياما عدّة كي أصل إلى جوهر الحقيقة، أو مشارفها في حالة تعذر الأمر. ولن أذكر أسماء النساء المغدورات ولا هوية القتلة (لأنهم في السجون) ولا ميدان وتاريخ اقترافها وديانتهن، حرصا على خصوصيتهن، هن وأولادهن وأهاليهن. هاكم بعض الحالات: الأولى- نبدأ بما جرى مؤخرا في يافة الناصرة، خاصة وأن دم الضحية لا يزال يشخب، وأولادها السبعة في حالة من الهستيريا. فقد اتضح أن القاتل الجريمة أُقترفت لسببين: الأول- كي يتخلص طليقها من دفع النفقة لها ولأولادهما، والبالغة حوالي 700 يورو شهريا، والثاني- على أمل، وبعد موتها، أن تتحول مخصصات تأمين الأولاد، التي تخصصها "مؤسسة التأمين الوطني" الحكومية لكل من لم يبلغ بعد سن الثامنة عشر، إلى حسابه، والبالغة حوالي 500 يورو شهريا (تقضي المحاكم "الإسرائيلية"، عادة، ببقاء الأولاد في حضانة أمهم بعد الطلاق). أي أن هدف الجريمة هو مالي صرف، مبلغ 1200 يورو شهريا! الثانية- اتضح أن الأخوين- القاتلين من النقب (في مثالنا الافتتاحي) قتلا أختهما على خلفية صراع على قطعة أرض. الثالثة- أخ قتل أخته لأنها وافقت على الزواج من رجل رفض صفقة البدل التي عرضها عليه القاتل. بعد سنوات هُرِّب هذا القاتل إلى لبنان وأصبح عميلا لـ"إسرائيل". وعندما انتهت مهامه في لبنان، تم تهريبه إلى إحدى دور أمريكا الجنوبية، ومات هناك. الرابعة- العائلة أرسلت قاتلا مأجورا لقتل إحدى بناتها، لأنها لم تكن "عذراء" حينما تزوجت. فاتضح فيما بعد أن "الفاعل" بها هو عمها... بعد سنوات قيل أن العمّ انتحر. الخامسة- عندما اتضح للأب "الفاعل" أن ابنته حاملا منه، حرقها في السيارة أثناء درس سواقة مزعوم. السادسة- عندما أنهت المغدورة دراستها الثانوية، سافرت لتدرس وتعمل في أمريكا. وبعد سنوات عادت بمبلغ "مِحْرِز" من المال، كي تقيم لها بيتا في البلاد. الأخ الذي كان "صايع" أراد أن يسطو على المبلغ، وعندما رفضت قتلها. السابعة- وهو حالة جريمة مضاعفة: فتى في السابعة عشر من عمره قتل أمه المنفصلة عن والده. والسبب كما اتضح أثناء التحقيق، أن الفتى فعلا قتل أمه، ليس لأنها أرادت الزواج مرة أخرى كما قيل في إحدى البيانات، بل لأن الأم والابن عاشا حياة زوجية كاملة!!! وعندما أرادت "الانفصال" عنه قتلها!! الثامنة- رجل قتل زوجته لأنها رفضت السماح له بالزواج من ضرّة (الضرّة من الضرر). فالقانون "الإسرائيلي" يمنع الزواج الضرائري، إلا أن المئات من الأزواج الرجال يتحايلون عليه، بواسطة طلاق المرأة الأولى وبقائها "على ذمته" بحسب الشريعة الإسلامية، أو الاتفاق مع الضرّة حول "زواج برّاني"، أي شرعي إسلاميا. والزواج الضرائري ينتشر بسرعة فائقة، حتى أن أحدهم وهو أستاذ جامعي بعلم الاجتماع متزوج من اثنتين ويرافقنه الاثنتين دائما! التاسعة- رجل مدمن على المخدرات، قتل زوجته لأنها رفضت إعطائه مصاغها، كي يبيعه ويشتري به "كِيف". العاشرة- ابن العمّ "المغوار" الذي رصاص سلاحه لا يصيب إلى ابنة عمّه، قتلها عندما كانت عائدة من المدرسة الثانوية، لأنا لم تستجيب لـ"غزله". الحادية عشر- أخ قتل أخته لأنها رفضت أن تكون جزءا من طاقمه في تجارة المخدرات. الثانية عشر- أخ قتل أخته لأنه يغتصبها دائما... فهددت بتقديم شكوى إلى الشرطة وفضحه. الثالثة عشر- أب خنق ابنته حتى الموت، لأنها أرادت الزواج من شاب من ديانة أخرى. الأب وأخوه الذي ساعدة على الجريمة، لم يحاكما إطلاقا؛ لأن الفتاة والشاب كان عضوين في حزب معارض لسياسة السلطة. بالطبع، جميع المجرمين أعلنوا أما المحقيين والقضاة، أنهم قتلوا "على خلفية شرف العائلة"، كما درّبهم المحامين. صديقي المحامي محمد أبو زيد من الناصرة، يعي ويدرك اشكالية العقل المحامي، بقوله: نحن المحامين أمناء لمصالح زبائننا، وأنتم الباحثين أمناء للحقيقة...الجريمة طبقية هذه حالات لا لبس حول أسباب اقتراف الجريمة. وقد أقترفت بين مجموعات بائسة وفقيرة. والسؤال هو: هل تكفي هذه الحالات للتأكيد على أن السبب الحقيقي هو ليس "القتل على خلفية شرف العائلة"؟ بالطبع لا. إنها تخلخله وتضرب المسامير في نعشه، وتفتح بابا جديدا حول معرفة الأسباب الحقيقة لهذه الجرائم. ترصد وسائل الإعلام "الإسرائيلية"، العبرية والعربية منها، وجمعيات التمويل الأجنبي، أن غالبية هذه الجرائم تقترف في منطقة وسط البلاد، وتحديدا حي الجواريش في مدينة الرملة. يسأل السؤال: هل أهل الرملة مجرمين إلى هذا الحدّ؟ بالطبع لا. إن غالبية الجرائم تقترف في حيّ الجواريش ورواده. فهذا الحي منكوب إلى أبعد الحدود أقامته "إسرائيل" في بداية الخمسينيات من القرن الماضي. وأسكنت فيه حمولتين إحداهن فلسطينية والثانية من أصل ليبي (بعض أفرادها لا يزالوا عالقين في قبرص، حيث لم يتمكنوا من العودة لا إلى فلسطين ولا إلى ليبيا). فقد خصّت السلطات "الإسرائيلية" النشاط الاقتصادي لهؤلاء الناس بتجارة المخدرات. نعم خصّتهم بتجارة المخدرات! كشف الكاتب- الصحفي "الإسرائيلي"، ران كِسليف من صحيفة "هآرتس"، النقاب في عام 90 من القرن الماضي، أن هناك عشرة ضباط احتياط من الشرطة والمخابرات "الإسرائيليين" هم الذين يشرفون على نشر المخدرات بين عرب الـ 48. وفي نفس السنة، نشرت صحيفة "كل بو" الحيفاوية، تقريرا موسعا يقول أن أكبر تاجر مخدرات في الدولة، هي الدولة! فدولة "إسرائيل" قايضت بعض تجار المخدرات اللبنانيين، بالسماح لهم بإدخال الحشيش إلى البلاد وبكميات معلومة سلفا، مقابل العمل لصالحها ضد المقاومة. وتقايض بعض عملائها من الفلسطينيين واليهود من أصل عربي؛ من أجل تحطيم أكبر قطاع واسع منهم، ومنعهم من النضال القومي والاجتماعي. يعرف القراء والمثقفون العرب ران كسليف، من خلال كراستين اثنتين، تحتوى الأولى على سلسلة تحقيقات رصينة عن مصادرة الأراضي العربية، والثاني عن واقع الفلسطينيين في الدولة. وقامت بترجمة الكراستين للعربية إحدى مؤسسات البحث والترجمة الفلسطينية. وعودة إلى الرملة/ الجواريش: يجمع الرأي العام الشعبي والناشطين الاجتماعيين هناك، أن العديد من جرائم القتل تقترف على خلفية تجار المخدرات، أن فلانة أخت التاجر الفلاني أقامت علاقة، أو/ تريد الزواج من تاجر منافس... وتجارة المخدرات مربحة للغاية، كما أكد لي (ولصديقي القسيس زاهي ناصر من الناصرة والدكتور أنور البندورة من إكسال) المهندس والنشيط الاجتماعي من اللد، إدوارد طنوس، أن محطة بيع مخدرات واحدة متوسطة الحال تبيع بمبلغ يصل إلى مليون دولار شهريا! تجارة المخدرات تُمارس في هذا الحي، وحي المحطة في اللد (توأم الرملة) علنا. واطلاق الرصاص أمر عادي، ويا ما سمعت أزيزه شخصيا عندما كنت في زيارة في بيت عائلة أخي حسين/ علي وزوجته شادية أبو عمارة، فبيتهم يبعد كيلو متر هوائي واحد عن الجواريش. بعد حوادث القتل المتفرقة للنساء والتجار المنافسين، قامت السلطة بحملة تهجير واسعة لأفراد العائلتين إلى منطقة المثلث. وعندما هبت الاحتجاجات الشعبية ضد تكثيف القمع في كافة أنحاء فلسطين الانتدابية، عام 2000، قام أحد هؤلاء التجار المهجرين والمتعاون مع السلطة بقتل أحد الشبان في باقة الغربية رميا بالرصاص. ويسأل سؤالا آخر: هل حدث قتل فعلا على "خلفية شرف العائلة"؟ نعم: رصدت وسائل الإعلام المختلفة حادثا واحدا واضحا لا لبس فيه؛ قام أحد الشبان من قرية عسفيا الواقعة على جبل الكرمل بقتل أخته... فقد حمله مؤيدون فعلته النكراء كبطل على الأكتاف وهو يلوح بالسكين الملطخة بالدم، وسط الزغاريد وأهازيج "الشرف والبطولة"! وقد رصدت حادثة مثيرة للغاية، تشير إلى اختلاف علاج طبقات المجتمع المختلفة لمثل هذه الحوادث/ الإشاعات: فقد اتهما شاب وفتاة من نفس الحمولة في الفعل "المحظور". الشاب والفتاة من علية الحمولة... وعندما رفض الشاب الزواج من "الفتاة"، قررت عائلة الفتاة، ليس عقاب ابتها- بحسب منطق جمعيات التمويل الأجنبي- وإنما عقاب عائلة الشاب سياسيا. فعائلته تربطها علاقة عمالة مع الإنكليز والحركة الصهيونية منذ ثلاثينات القرن الماضي، ومتعاقدة في السر والعلن مع إحدى أحزاب السلطة. فما كان من والد الفتاة إلى واسجلب حزبا صهيونيا آخر منافسا إلى بلدته... فيما بعد تحوّل الطرفان إلى النشاط في الحركات "الوطنية" وأصبح يشار بالبنان إلى "وطينتها"!!! وشاب وفتاة عاشا وأنجبا ثلاثة أطفال دون زواج، لأنها من ديانتين مختلفتين. وكانا مقبولين كزوجيين عادين بين أهلهم والمجتمع.تحالف استراتيجي هذه المعلومات معلومة وواضحة للسلطات المختصة، والرأي العام العربي. والسؤال هو: لماذا السكوت عنها والتأكيد على أنها "جرائم شرف"؟- يتحالف في هذا الميدان، السلطة المركزية، والجناة ووجهاء المجتمع والرأي العام. كل لمصلحته. أول العاملين في هذا الميدان والذين لهم مصلحة المباشرة في إبقاء هذه الجرائم في دائرة "جرائم الشرف"، هو جهاز الشرطة. فهدف الشرطة عادة إيجاد الجاني، أي جاني!، كي يسجل فريق التحقيق ومخفر الشرطة نقاطا وترقيات وعلاوات. لذا يقبلون بالخطاب المعد سلفا من قبل الجاني: "على خلفية شرف العائلة". والثاني هو الجاني نفسه، لأنه يعرف إن اعترافه هذا من شأنه أن يلقى التأييد من الأوساط الرجعية في العائلة والمجتمع، ويخفض مدة عقوبته أما جهاز القضاء، بسبب "العذر المخفف". ويمكن القول أن السلطة المركزية "الإسرائيلية" التي تسمح لشرطتها وقضائها قبول مبررات واهية من هذا النوع، تعمل من خلال عقليتها الاستعمارية الإستشراقية، القائلة بأن شرف العرب يتمحور حول العلاقة الجنسية للنساء فقط. أي أنها تنظر إلى العرب نظرة استعلائية، كي تبرر استمرار قمعهم. لقد سجلت جلسات المحاكم وملفاتها شهادات عدة من قبل بعض "وجهاء عرب إسرائيل" بادعائهم أن "القتل على خلفية شرف العائلة هو عادة عربية إسلامية". وهؤلاء "الوجهاء" ممن تربطهم علاقات "عميقة للغاية" مع السلطة واجهزتها السرية- علنية. وأبرز الشهود كان إبراهيم نمر حسين، الذي ترأس "لجنة متابعة شئون المواطنين العرب في إسرائيل" أكثر من عقدين، الذي تحدث بلسان "العالم" بشئون "المواطنين العرب في إسرائيل" و"الدين الإسلامي" و"العادات العربية". أما سكوت الرأي العام العربي، المتمثل بوسائل الإعلام، هو خوفا من فتح ملفات حقيقية وساخنة. إنها متواطئة مع القتلة، لأنها متعاقدة مع الباطن الرأسمالي الصهيوني، هدفها هو الربح المالي فقط، وليس حوارا مجتمعا حقيقيا، إنها تكثر من اختلاق أخبار الفضائح الجنسية من أجل زيادة المبيعات. فهذه الوسائل على كثرتها، لم تعالج قضية اجتماعية واحدة ساخنة، مثلا: الفساد في السلطات المحلية العربية، علما أن ما ديوان أو حديث عابر إلا ويتحدث عن هذا الفساد، الذي أصبح "رياضة وطنية". ومع مطلع التسعينيات من أواخر القرن الماضي، انضم إلى هذا التحالف جمعيات التمويل الأجنبي لمحاربة "القتل على خلفية شرف العائلة". فنشيطوها، هم أبناء لأسر فقيرة عملت كل جهدها كي يتلقى أبناؤها تعليما جامعيا. إلا أن "الذي دفع للزمار" شخّص وضعهم بدقة فأجزل لهم العطاء، إذا ما قورن برواتب وأضاع مدرسين ومدرسات، محامين ومحاميات متوسطي الحال أو موظفين وموظفات عاديين. هؤلاء ذوّتوا التعيينات الإستشراقية عن مجتمعهم. بكلمات أخرى: أصبجوا جزءا من هذا التحالف، ويسهمون بإنتاج قيم "مجتمعهم" بالوكالة عن "الذي دفع للزمار". بعض هؤلاء يحضرون حفلات "استقبال" في بيتي سفيري أمريكيا وبريطانيا في "هرصليا"/ سيدنا علي!"الشرف" ضد النضال الوطني سويعات قليلة بعد أن نفذت الإستشهادية الغزية، إيمان الرياشي، عملية في معبر بيت حانون. سارعت وسائل الإعلام "الإسرائيلية" للنباح مثل قطيع كلاب مسعورة للقول: إن إيمان تخون زوجها. وعندما افتضح أمرها، خيّراها زوجها وأخوه بين أن تقتل أو القيام بعملية لغسل عارها! وأخرجت المستعربين والمستشرقين من مدرسة "يوسيف جينات وإيلي ريخس" من مستودعاتهم ونفضت عنهم الغبار؛ كي يؤكدوا للقاصي والداني أن تحولا ما حدث للفلسطينيين: بدلا من قتل الزوجات الخائنات، يدفعوهن "للقيام بعمليات ارهابية". بالطبع، الفلسطيني الذي بات يعرف من تؤكل الكتف لم يعر هذه الإشاعة أية أهمية. وما نريد قوله في هذا السياق: إن "إسرائيل" حاولت استخدام "شرف العائلة" الذي يستخدمه بعضنا، ضد مصلحتنا الوطنيةإعادة إنتاج الاثم والعار يكشف الطبيب النفسي والمنظر السياسي الثوري، وليام رايخ/ فيلهم رايش (1897- 1957)، عن سرّ هذه العلاقة وهذا التحالف: إن النظام الرأسمالي يحوّل الجنسَ، الذي هو طاقة بناء حيوية وخلّاقة، إلى جهاز قمع وكبت ينتج الإثم لدى الجماهير، أبناء الشبيبة خاصة، كي يبقيهم أسرى الاضطرابات النفسية والهلوسات، ينمي فيهم "الإثم والتنفير... ويغذي الأوهام والأساطير... ينمي مركزية الذات، ويشل قدرتهم العقلية ونشاطهم الإجتماعي... يبلدهم". فالطاقة إن لم تقوم بعملية البناء- فإنها تقوم بعملية الهدم. يفهم هذا ويعوه جيدا، القائمون على تمويل وإدارة الفضائيات العربية. فهذه الفضائيات تعمل وفق منهج التقاسم الوظيفي؛ بعضها يؤكد على البرامج الدينية وقيمها، وبعضها الآخر على سوق الغلمان والجواري من ذوي الأجساد السليكونية وأصوات النشاز، وما تبقى يركز على السياسة وقليل من الثقافة. إنها أداة جبّارة تجعل من الناس مضطربين، خاصة وأن الناس يعون تعارض القيم الدينية مع فظاظة الجنس، فمتلقي هذه القيم يصبح إنسانا مضطربا بين إيمانه ورغبته بحياة جنسية ممتعة، لا تسعفه (واهما) إلا زيادة استهلاك منتجات الراسمالية، المادية والأخلاقية! وأما السياسية منها، فتهدف إلى زرع وتعميق عجز الناس وشعورهم بالإحباط وسحق كرامتهم والعار ("تجرح نرجسيتهم")- كما يشخض الحالة بدقة المفكر مصطفى حجازي-، خاصة على ضوء ما يجري في العراق وفلسطين والسودان. إن غسل عار الأمة لا تكفيه كل دماء أعدائها!"المتهومة" و"العَلَقَة" بالطبع، أمام هذا التحالف يقف المجتمع بقطاعاته الشعبية المختلفة موقفا معارضا. إنه ينتج معارفه وقيمه في قوالب وتعيينات رمزية، معارضة للمواقف والثقافة الرسمية، عميقة ومليئة بالدلالات. وسوف أعرض في هذا السياق مثالين: الأول- "مغارة المتهومة": في أحد الوديان، وادي ا(لـ)طْيَّر، (ويعرف اليوم بوادي المتهومة) التي يقطع سلسلة جبال الجليل الأسفل (جبال الناصرة) والمطلة على مرج ابن عامر، شمال قريتي إكسال، توجد عدة مغاور، كما حال الجبال، أما أشهرها وأكثرها إثارة هي "مغارة المتهومة"، التي تقع على الضفة الشرقية من الوادي. يجمع أهالي القرية والناصرة والقرى المجاورة في منطقتي الناصرة ومرج ابن عامر، على أن المغارة سميت بهذا الإسم، "مغارة المتهومة" نسبة إلى فتاة اتهمت "بالمحظور" وعندما كثر القيل والقال أخذها أخوها إلى المغارة وذبحها، بالطبع ليس قبل أن "يغسل عاره بدمها"، وكي يؤكد الأخ القاتل بأنه "غسل عاره" لطّخ جدار المغارة بكف يده... الصديق أنور البندورة، وهو دكتور في قانون العقودات وأستاذ جامعي، يؤكد دائما أنها شاهد الدم الذي لا يزال عالقا، مرارا عندما كان يرعى غنم أهله في الجبل. بالطبع يجمع الناس أن المغدورة بريئة من ممارسة "المحظور"، وأن الذي دبر التهمة هي زوجة أخيها. والمثير حقا- كما تؤكد- جميع المرويات، أن في المغارة نفق طوله عدة مئات الأمتار، ويربطها بالنصب التذكاري الذي أقامتة "إسرائيل" على قمة الجبل، شكرا لخدمات وتخليدا لذكرى" ونيستون تشيرتشل". بالطبع إن قصة "مغارة المتهومة" تؤكد على أن الثقافة الشعبية ترفض مثل هذه الجرائم، لذا خلدتها بمغارة دائمة، وليس بتمثال أو حديقة زائلة. وما اختيار حدوث الجريمة في مغارة إلا تأكيدا على أن مسلك الجاني مسلك ظلامي... والنفق هو الصعود إلى الأعلى بالنسبة للـ"متهومة" نحو البراءة التامة. الثانية- "العَلَقَة": يتناقل الناس في فلسطين قصة مفادها أن فتاة عزباء، من الجليل، انتفخ بطنها، فظنّت أمها أنها "حبلى"، فحرّضت أبوها وأخوتها على قتلها... فما كان من الأب إلا وأخذ ابنته عند أحد المطببين العرب في النقب، وعندما شاهدها المطبب أحضر معلقة سمن بلدي وأدخلها في فم الفتاة، وبسرعة خرجت علقة بطول أفعى متوسطة!! وقد علق المطبب أن العلقة دخلت إلى بطن الفتاة عن طريق مياة الشرب الملوث، وكبرت فيه! للقصة أكثر من دلالة، فإذا كان الأخ (الرجل البطريركي بلغة الإستشراق) هو الذي قتل أخته "المتهومة"، فإن الأب (الرجل البطريركي بلغة الإستشراق) هو الذي أنقذ ابنته. وبما أن الواقعة حدثت في الجليل والمطبب في النقب، على بعد مئات الكيلومترات وعدة أيام سفر، في الفترة المفترضة لوقوعها، تؤكد على رفض أهل فلسطين كلهم لمثل هذه الجرائم! بالطبع، ما من أحد يعرف هوية الفتاتين. إنها جرائم مع سبق الإصرار والتخطيط والترصد، يتكتم عن أسبابها الحقيقة السلطة المكزية، والذين "دفعوا للزمار"، عملاؤهم ووكلاؤهم المحليين! وما مقالي هذا إلا إشارة إلى ضرورة إعادة الاعتبار لمنهج البحث العلمي، بدلا من الشعارات الأيديولوجية الزائفة والمضرّة.19/9/2005
|