|
هدى أبو عسلي ومثيلاتها.. في قبضة الوكلاء الحصريين..!! |
|
|
|
محمد سعيد حسين
|
|
2006-07-08 |
خاص: "نساء سورية"يعكس الشكل الحالي للتدين، الذي وصل إليه الإنسان في مجتمعاتنا، تخلفاً رهيباً على المستوى الإنساني والأخلاقي، عن المجتمعات البدائية، وهذا لم يكن ليوجد لولا جملة معطيات وعوامل تعرضت لها مجتمعاتنا العربية، منذ بدايات تشكل الإمبراطورية الإسلامية، وحتى الآن(1). فلقد تعرضت المجتمعات العربية، منذ صدر الإسلام -لمختلف صنوف الابتزاز الأخلاقي والإنساني من قبل النخب السياسية الحاكمة والمعارضة على السواء، بالتعاون مع المؤسسات الفقهية الدينية المتحالفة مع كل طرف من هؤلاء، ما أدى إلى تكريس الفرقة المجتمعية على أساس طائفي ومذهبي، استمرت غلواؤه بالتصاعد حتى يومنا هذا، الذي أخذت فيه هذه الفرقة شكلاً من العداء المصحوب بالعنف، ضد الآخر المختلف، بل وحتى على المعتدلين من الأهل والأقرباء، الذين قرروا الانسحاب من معركة وهمية بين الطوائف، زرعت بذورها، ورعت نموها تلك الطغم سالفة الذكر، وأصبحنا لا نتورع عن قتل الأخ والأخت والأب والأم والابن، إن قرر هذا أو تلك نزع ذلك العداء الموروث المزعوم من رأسه، والتمرد عليه، بأي شكلٍ من الأشكال، وأصبح التعامل الإنساني الودي والصادق، مع ذلك المختلف عنا مذهبياً وطائفياً، يشكل جريمةً في أعرافنا الاجتماعية، لا نتورع عن قتل مرتكبها بدمٍ بارد، بل والمفاخرة بين الناس، بأننا أنقذنا -ببطولةٍ وفداء -شرف الطائفة وطهرناها من أحد الخونة المرتدين، يساعدنا على هذا، القوانين والأعراف المعمول بها، والتي تمنح الأعذار المخففة، لمرتكبي هذه الجرائم، بحجج وتبريرات، لا وجود لها إلا في عقول وأذهان هؤلاء المنتفعين من استمرار تخلفنا إلى ما لا نهاية. *** منذ حوالي خمسة عشر عاماً، وتحديداً في مطلع شهر نيسان من العام 1990، تداول الناس -وعلى نطاق واسعٍ -إشاعة مفادها أن شاباً استرالياً من أبوين لبنانيين، في الخامسة والعشرين من عمره، يعيش مع أهله في مدينة سيدني الاسترالية، أقدم على قتل أخته البالغة من العمر عشرين عاماً، وبالتعاون مع والده، وذلك انتقاماً منها بسبب إقدامها على الزواج من شاب لبناني، يحمل الجنسية الاسترالية، وينتمي إلى طائفةٍ مختلفة عن طائفة أهل الفتاة.. بداية ظننت أن في الأمر مزاح يقترب من مزاح "كذبة أول نيسان"، ولكن تأكيد الأمر جاء على ألسنة أقرباء الشاب القاتل، وهم لبنانيون يعيشون -منذ بداية الحرب الأهلية اللبنانية- في سورية، بل وزادوا على تأكيدهم ذاك، إظهارهم كل أشكال المفاخرة بفعلة قريبهم الذي -رغم أنه ولد في استراليا ويحمل جنسيتها- لم تتأثر قناعاته الشرقية بطبيعة الحياة الاجتماعية والأخلاقية الاسترالية، بل بقي محافظاً على الشرف والأخلاق العربيين "الإسلاميين" الذين استطاع الأبوان أن يربياه عليها غير منقوصةٍ، حسب تعبيرهم آنذاك!!! بعد مرور أكثر من خمس عشرة سنة على تلك الحادثة التي حدثت في مكانٍ قصيًّ عن عالمنا جغرافياً وحضارياً وأخلاقياً ومدنياً و...إلخ.. تقتل هدى أبو عسلي على أيدي أبيها وأخيها.. فما أشبه الأمس باليوم، رغم تباعد المسافات؟!! بين تينك الجريمتين، ثمة آلاف من الجرائم المشابهة، حصلت على امتداد مساحة الفقر والجهل والتخلف في هذا البلد أو ذاك، من البلدان المنكوبة والمحكومة بقدرية التخلف، وحتمية القهر، وأبدية الاستبداد، وأزلية الجهل... إن أول ما يمكن أن يتبادر إلى الذهن، فور سماع المرء بجريمة استراليا، هو رسوخ العقل التعصبي الطائفي في ذهن الأب المهاجر، وقدرته -رغم الاختلاف الكبير في بنية وتركيبة المجتمعين- على نقل هذه العقلية، بكل تخلفها وتعصبها إلى ولده المولود هناك، والذي يفترض به "أي الولد" أن يختلف عن أبيه، لاختلاف البيئة التي شهدت ولادته ونموه، وتربيته الاجتماعية والأخلاقية المدنية، ولكن الحرص الشديد على هذا المكسب الكبير من الجهل والعماء، من قبل الأب، جعله ينقله بكل أمانةٍ إلى ولده، الذي لم يخيب ظن أبيه، ولم يضيع له تعبه، فأقدم على قتل أخته، التي لا ذنب لها، سوى أنّها أحبت شاباً، وقررت الاقتران به، حيث تشرع لها قوانين تلك البلاد، أن تقرر ما تريده لنفسها، بنفسها.. هذه الذهنية التعصبية المستحكمة بعقول أصحابها، والتي لم تستطع الظروف الاجتماعية الجديدة -رغم كل ما تحتوي عليه من انفتاح وتحرر- أن تحد منها، أو تنال من رسوخها في عقول أصحابها، تدلل على الكم الهائل من التخلف المتراكم عبر مئات السنين، والذي يصعب العثور على طريقة تخلص أصحابه منه، سوى بالعمل الطويلٍ والشاق، الذي قوامه العناية باستصدار القوانين والتشريعات الاجتماعية المدنية التي يمكن لها أن تنص على عقوبات حقيقية لمقترفي تلك الجرائم، بعيداً عن منحهم الأعذار المخففة، أياً كانت المبررات والأسباب، فكل جريمة قتل، ارتكبها صاحبها، بإرادةٍ وتخطيطٍ مسبقين، هي جريمة قتل، نتج عنها موت ضحية لا ذنب لها سوى أن القاتل قرر أنها تستحق القتل، وما الأعذار المخففة التي تنص عليها القوانين الحالية السائدة، سوى محرض جديد، لأصحاب العقول المريضة، على ارتكاب أفظع الجرائم باسم الشرف والدين والتقاليد والأعراف.. ما يحصل اليوم، له جذوره الراسخة، ولن يكون التخلص من هذه الجذور سهلاً أبداً، إن لم نمتلك الجرأة الحقيقية، على مواجهة تخلفنا، بإعلان رفضنا لجميع القوانين والتشريعات التي تحتوي على الكثير من التمييز الإنساني والعنصري ضد نساء مجتمعنا، اللواتي على عاتقهن يقع العبء الأكبر، في عملية إنتاجنا وإنتاج حياتنا واستمرارنا.. هدى أبو عسلي ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة أبداً، ما لم نعلن بأقصى ما نملك من قدرة، رفضنا لكل ما يساهم في استمرار انحدارنا، من فتاوى وتشريعات وقوانين وأعراف، حتى ولو كفرنا المكفرون، وانهال علينا "أدعياء" الأديان، الذين يصرون على تنصيب أنفسهم، وكلاء حصريين للإله على الأرض، ومنافحين -لا يشق لهم غبار- عن كرامة الله وحقوقه بين البشر. (1) حددت هذا التاريخ، باعتباره انطلاقة المجتمعات العربية نحو الحضارة والمدنية حسب ما يجمع عليه المؤرخون والباحثون. 17/9/2005
|