|
ممارسة الفعل بين الحق والتعسف والاعتداء |
|
|
|
علم الدين عبد اللطيف
|
|
2006-07-08 |
خاص: "نساء سورية"تثير قضية (هدى ابو عسلي) جملة من الأسئلة على المستوى الاجتماعي والقانوني والثقافي.. وربما السياسي، ولا تقف عند توصيف الحالة فقط من حيث هي حادثة ذات أبعاد نفسية أو إنسانية. بداية يمكن القول أن هذه القضية – وهي ليست الأولى وربما لن تكون الأخيرة - هي نتيجة حقيقية لتداعيات المستويات الثلاثة.. الاجتماعية والقانونية والثقافية، وتحولاتها الموضوعية في مجتمعنا، الذي يبدو متنوعاً ومتعدداً... وربما مختلفاً، لكنه بالتأكيد يمثل حالة لها تقاطعاتها وتماثلها. متى يمكن أن يحيل الفعل أو ممارسة الفعل إلى إحدى تلك المستويات؟ وكيف يثور سؤال الثقافة؟ وأية ثقافة هي تلك التي تحيل إلى الاختلاف حتى في توصيف الحق؟ أو تعريفه؟. الحق له تعريفه الإنساني والحضاري والمجتمعي... وله تحديده القانوني، لكن هل يمثل القانون لدينا – بصيغته الوضعية – حالة ثقافية بالفعل؟...أقول بصيغته الوضعية، أي تلك التي استقرت عليها الدساتير الحديثة، وأصبح له مستوياته وإحالاته، بحيث أصبح محايثاً للتطور الإنساني، لقد تم تجاوز فكرة الحق الطبيعي، التي ابتدأت مع الوصايا العشر، أو مع تشريعات حمورابي، مع المحافظة على تمثل قيمتها تاريخياً وحضارياً، إلى القانون الوضعي الذي كان نتيجة التحولات الكبرى في التاريخ الحديث، وتم الانتقال من قانون الكنيسة في أوروبا، إلى القانون الذي يقرره الإنسان بوصفه كائناً عاقلاً وحراً، وبوصفه مالكاً لمصيره وصانعاً لقدره، وتبارت الدساتير والقوانين الوضعية – أي تلك التي هي من وضع الإنسان وتمثل بالفعل حالات تطوره ورقيه – في تحديد الحقوق، وتوسعت شروحاتها ومضامينها، بحيث يمكن القول أنه تم تجاوز القانون الطبيعي – قانون الأسرة والعشيرة والقبيلة والطائفة، إلى قانون الفرد المنضوي في جماعة مدنية، وله هويته في دولته- الدولة الأمة - المقومنة... التي تساوي وتوحد بين هويات الأفراد، ويخضعون كلهم- بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية أو الإثنية - لقانون هذه الدولة، التي هي بالأصل نتاج عملية الانتقال من النموذج الإمبراطوري، الذي كان يكرس العمل بالقوانين الأهلية، أي قوانين القبيلة والعشيرة والطائفة. بعد هذه المقدمة يمكن الدخول مباشرة في صلب الموضوع، ويثور بداية سؤال الثقافة القانونية، وهل تم العمل على إحلال فكرة القانون المدني مثلاً محل قانون القبيلة؟ هل عملت مؤسسات الدولة - بعد نشوئها كدولة لها قانونها الواحد والمكتوب – على تعميم ثقافة القانون حقيقة لا افتراضاً؟ أصوغ السؤال بشكل آخر، هل عملت الدولة بصفتها البيروقراطية – أجهزتها وإدارتها ومؤسساتها - على مأسسة القانون من حيث هو بالأصل نتاج المجتمع المدني، المتجاوز لمنطق المجتمع الأهلي؟... هل هناك بالفعل فصل بين السلطات الثلاث، بحيث يكون للقضاء هيبته ودوره الفاعل؟ وبحيث يكون للمواطن –أي مواطن – انتماؤه الذي يعتز به للوطن الواحد مانح الهوية الواحدة والمتجانسة؟.... متى يضعف الشعور بالانتماء للوطن؟ أليس عندما تهتز صورة هذه الهوية؟ وبالتالي تصبح العائلة والطائفة هي المرجع.. بقوانينها.. وأعرافها.. واعتباراتها، التي لا تنتمي لقيم الحداثة والتطور، قيم شرعة حقوق الإنسان والثورة الفرنسية ومبادئ الديموقراطية والعدالة الإنسانية التي هي بالأصل تراكم تاريخي وحضاري. القانون الوضعي، يمكن أن يعدل أو يصحح أو يضاف إليه.. يمكن أن يعاد النظر به.. ببساطة لأنه من وضع الإنسان، ومن وضع يمكن أن يغير أو يطور أو يثور.. فهل يتم العمل على تطوير القوانين بحيث تكون متمثلة لروح العصر...عصر الحداثة؟ هل تمت إعادة النظر بوضع المرأة القانوني من حيث هي كائن عاقل وكامل الأهلية؟... هناك جملة من الحالات في قوانيننا يجب إعادة النظر فيها لتصبح المرأة مساوية للرجل في الحقوق... في الإرث والولاية والقوامة والشهادة وحق الطلاق.. لماذا تبقى المرأة تحت وصاية أبيها وزوجها وأخيها، وتمنع من السفر.. والتصرف حتى بما فيه منفعة ابنها القاصر إذا لم يتم التكرم عليها بمنحها الوصاية المؤقتة في حال غياب الزوج أو وفاته ووفاة جد أولادها أو عمهم؟ وما هو دور المرأة القاضية أو المحامية أو النائبة في البرلمان في جملة هذه المسائل؟ وهي مسائل تخص المرأة بصفتها الشخصية والرجل بصفته الإنسانية والحضارية؟ وما هي حالات الدفاع عن الشرف أو العرض؟ وهل الشرف والعرض مسألة قيمية عامة تنسحب على الجماعة بوصفهم أعضاء في أسرة أو قبيلة أو طائفة؟ إنها مسألة شخصية في الأساس.. يمكن للشخص ذاته – امرأة أو رجلاً – تقييمها وتحديدها، والدفاع عنها يخص المعتدى عليه أولاً وأخيراً، وحتى التصدي للدفاع عن هذه المسائل، يجب أن يكون في إطار القانون... وممارسة الحق في إعمال القانون، يجب أن تكون من صاحب القضية بالذات، لا أحد يمثل الغير في اقتضاء حقه.. وليس لأحد أن يدعي سلطة تمثيل الآخرين... وكفانا في التاريخ أمثلة عن ادعاء تمثيل الله، والافتراء على رسالاته وتعاليمه. لماذا يستفيد الرجل من الأعذار المخففة القانونية إذا فاجأ زوجته أو أخته أو ابنته في حالة تلبس معينة (مادة 548 عقوبات)، ولا تستفيد المرأة من ذلك في حالة مماثلة؟ وهل الإقدام على القتل في حالة الهيجان أو الانفعال عذر يختص به الرجل وحده دون المرأة؟... وهل يستمر قيام العذر المحل.. أو المخفف بعد انقضاء زمن معين على حدوث القتل؟ القانون لا يجيب على ذلك، ويعتبر أن أية فترة زمنية تفصل بين الإقدام على القتل والحالة التي يفترض أنها الذريعة على مثل هكذا عمل،لا تنفي الذريعة، و بالتالي لا يكون توصيف العمل مختلفاً، ويجوز منح العذر المخفف سيئ الذكر هذا للرجل الشهم.. واضع القانون بصفته ذكراً، مالكاً وحائزاً للحق المطلق باعتباره سيد الطبيعة.. وممثل خالقها في هذا الكون.. هذا الدافع الشريف.. تحت تأثير فكرة مقدسة، لم يتركه واضع القانون لتقدير القاضي، بل نص عليه باعتباره سبباً مخففاً قانونياً لابد من تطبيقه متى توفرت أسبابه، ولا يؤثر في قيامه، بُعد المدة على وقوع الحادث، وإن استطالت عدة أشهر ما دام قد علم به للتو، ولم تهدأ عاطفته النفسية من أثر علمه بما وقع. إلا أن محكمة النقض السورية قيدت هذا الحق واعتبرت أن الدافع الشريف هو حالة استثنائية في القانون، لا يمكن أن يحمل إلا على أضيق معانيه، لا أن يطلق جزافاً في التوصيف.. وبناءً على هذا يجب إعادة النظر في هذه المواد، والنص عليها بشكل صريح وواضح... واعتبار الإقدام على القتل، بعد وقوع الحادثة الذريعة بفترة طويلة أو قصيرة، هو قتل قصدي، وتطبق العقوبات المنصوص عليها في القانون في مثل هذه الحالة.. هذا إذا افترضنا جدلاً، وعلى سبيل الاستطراد، أن حالة زواج المرأة دون رضا أهلها.. لأي سبب كان.. هو جريمة في التوصيف العرفي المجتمعي.. وهي بالتأكيد ليست كذلك.. فالقانون صريح في مثل هكذا حالات، إذ لا جريمة ولا عقوبة إلا بموجب نص قانوني. حادثة هدى أبو عسلي هي جريمة بكل المقاييس.. بحق المرأة كإنسان.. وبحق الرجل بصفته ظالماً من حيث يدري أو لا يدري.. يقصد أو لا يقصد.. وبحق المجتمع الذي يعتدي على استقراره ونظامه القانوني من ينصب نفسه صاحب حق على الآخرين بحكم تكوينهم وجنسهم.. أو انتمائهم، وهو ليس كذلك أمام الشرع والقانون.. وأمام نفسه.. وأمام الله ذاته. إن من قتل هدى أبو عسلي.. يفترض بالتأكيد أنه قتل جزءاً من إنسانيته.. وروحه. المحامي علم الدين عبد اللطيف: باحث، وناقد15/9/2005
|