|
كوليت بهنا
|
|
2006-07-06 |
أثار أسفي قبل فترة وجيزة خبر قرأته عن رجل أميركي أمضى حياته عاريا لأنه كان متصالحاً مع نفسه كما يقول، ومتصالحا مع الطبيعة بأفكار وجودية تخصه وحده و(يعتقد) أن العري جزء من الطبيعة، وعريه هو بالذات يعبّر تعبيراً مباشراً عن ذوبانه وتماهيه مع هذه الطبيعة الربّانية العفوية والخلاّقة. إلا أن جيران هذا الرجل العاري لم يتفهوا دوافع عريه يوماً، ولم يقتنعوا بفلسفته الوجودية التي يعرضها على الملأ صراحة تحت أشعة الشمس في حديقته، واشتكوا عليه للشرطة أكثر من عشرين مرة اعتقل على إثرها وأودع السجن (ليتربّى). إلا أن السجن لم يربّه البتة، ولم تثنه كل التهديدات والعقوبات عن تكرار عريه بعد خروجه كل مرة من السجن، ليعود مهرولا ويتماهى مع حديقته، ثم يذوب من جديد تحت شمس الطبيعة على مبدأ (ربّي كما خلقتني). بالتأكيد لم يثر أسفي سلوك هذا الرجل، ولا رد فعل جيرانه الطبيعي جراء سلوكه غير المقبول بالأعراف الاجتماعية، إنما بقية الخبر التي أفادت أن هذا الرجل أوصى في وصيته أن يدفن عارياً، تماما كما أحب طوال حياته أن يعيش، إلا أن إخوته لم يحترموا وصيته وتصرفوا بحسب التقاليد والشعائر والطقوس المتبعة الخاصة بطائفتهم، وألبسوه بعد موته بدلة رمادية كاملة مع أكسسوارتها كما أفاد الخبر، أي أنهم ببساطة دفنوه مقهوراً، أو أنه مات مرتين. حدث أيضا أن فقدت أحد الأصدقاء قبل فترة وجيزة، وهو شاب ينتمي إلى طائفة ما بحكم الولادة والنسب لأبيه. لكنه كان طوال حياته إنساناً خارجاً عن كل أطر الطوائف، وإن كان يرغب في أعماقه – كما صرح ذات مرة عابرة - أن يدفن بحسب شعائر طائفة أخرى، هي غير طائفته القسرية بالتأكيد. لكن الموت الذي زاره مفاجئاً وغير متوقعاً البتة لم يكن ليترك له الوقت الكافي في إتخاذ مثل هذه الاجراءات الشعائرية مسبقاً، مثل ترك وصية له مثلا كي يدفن كما يشاء. ومثل حكاية الرجل الأول العاري أعلاه، دفن هذا الشاب بشعائر لم يؤمن بها في يوم من الأيام ولم ينتم إليها إلا شكلانياً بحسب القانون. قد يقول قائل إن الميت يصير مُلكاً لأهله يتصرفون بموته كما يشاؤون، وملكاً أيضا للقوانين الناظمة لهذه القضايا المدنية في الأرض التي يحدث فيها الدفن. وهذا مايحدث حقيقة في معظم بقاع الأرض، حتى في الدول التي تتبجح بحريات أفرادها كما حدث للمواطن الأميركي الخائب الذي رغب بالحياة والموت عارياً وانتهى به الأمر ميتاً بالبدلة. الأمر الذي يقود إلى أن يتساءل المرء هل الانسان حقاً ملكاً لأيّ كان بعد موته ويصير هو ورغباته مستباحين إلى هذا الحد ؟. نعم، فالأمر ليس بأحجية وعلينا أن نقر بأننا كلنا مستباحون بعد موتنا، يتصرفون بنا وبرغباتنا وبذاكرتنا وبتركاتنا وأوراقنا وملابسنا وأسرارنا كما يشاء المجتمع الحيّ الباقي. لاأحد يسمح للميت أن يموت على هواه، أو أن يختار الطريقة التي يريد أن ينتهي بها، أو حتى المكان الذي يريد أن يدفن به.وببساطة لأن النظم الاجتماعية والقوانين والشعائر والطوائف التي تدفن الكثير من رغبات المرء خلال حياته وعلى (حياة عينه) كما يقال، لن تتوانى عن دفن رغباته في موته، والتعبير الذي يتم تداوله في الحياة (رغبات دفينة) إنما يحمل معناه بذاته، دون كثير من الشرح والتفسير، فالرغبات التي تولد ولاتوافق أهواء محيطها إنما هي دفينة بالميلاد والموت، وما أكثرها رغباتنا الدفينة المتكاثرة في ظل عقلية اجتماعية تحتفي بالموت على طريقتها، أكثر من الحياة ورغباتها، أكثر بكثير وكثير وكثير. 4/2006 مجلة جهينة
|