|
النصّ القرآني كعصا ضد المرأة |
|
|
|
جلال القصاب
|
|
2006-07-05 |
|
صفحة 1 من 2
الفهرس 1- مدخل: أزمتنا في تعاملنا مع النصّ القرآني 2- ظلامة المرأة، حربة الهجمة ومؤشّر التخلّف 3- السياق الزمني والطبيعيّ ودوره في ترؤّس الرجال 4- تفضيل الرجل ليُمارس القوامة وضرب الناشز 5- انقلاب المفاهيم القرآنية أعاد إنتاج ظلم النساء 6- توصيات1- مدخل: أزمتنا في تعاملنا مع النصّ القرآني هل نستطيع أن نجعل (نصّ الله) يقول ما نريد؟ بعض المفكّرين (المؤمن بالله) تجاوز هذا السؤال، لمّا رأى بأنّ أشخاصاً دائماً يفرضون باسمه ما يريدون بدعوى أنّه تفسير لما قاله سبحانه وما يريد، فنفض يديه من مسألة البحث بالمرّة عمّا قاله الله لنا أو أراده ورسمه، وظهرت مقولات حداثيّة بأثر من الفكر الاستشراقيّ تدعو لتجاوز النصّ "تاريخية النصّ" و"لا قدسية النصّ"، وأصبحت رسائل الله إلينا، في عرفهم، إمّا تاريخية بمعنى ماضويّة، أو ظرفية غير مطلقة، أو لا تعنينا، أو أعطانا العقل لنجتهد بلا رسائل ولا أوامر ولا تنصيص من خارجنا! آخرون، ومنهم تجديديون، قال: نعم، الله قال ما نريد، فعلينا أنْ نكتشف ما نريد ونستدلّ عليه بقول الله تعالى، لكنّها بنحوٍ ما في المحصّلة النهائية صيّرت القرآن ظهريّاً، يُبَصَّم على خطواتنا ومشاريعنا ونظريّاتنا، التي قد توافق أحيانا العدل والصلاح، وتُجافيها مرّات لظلم وفساد، والقرآن كان هو الدليل على الصلاح والفساد معاً؛ لأنّ الرجال نطقت عنه، أو قل: حشتْ ألفاظه بمرادها. المقدِّسون للقرآن ظاهراً، قالوا: علينا اتّباع قول الله وما يريد وإن خالف ما نُريد، ولكنّه سرعان ما تبيّن أنّهم إنّما يتبّعون ما يقولون لا ما يقول، وما يريدون لا ما يُريد، وصار كلامُ الله مصحف القسَم يُقسم به لهذا ويُقسم به لذاك من قبل طوائف (المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين). على قارعة هذا الدّرب، تراكمت الأحاديث المنسوبة للنبي (ص) وآله وأصحابه (رض)، واعتلت فوق كتاب الله، ناسخةً ومخصّصة ومقيّدةً ومبيّنة ومفسّرةً، وأُخرِس كلام الله (المبين) عن إبانته، وجاءت دُول السلاطين، فأدخلوا الآراء ووضعوا الأقاويل وسنّوا العادات وقضوا بالأحكام السلطانية، ورُكمت على كتاب الله مفسِّرةً له ومُبيّنة، وصار تناول الأحاديث الصحيحة والضعيفة أو الموضوعة إبّان حُقبها يتمّ ببداهة بالغة، ويخلو من التمحيص النقدي، متجاوزاً بإخلالٍ السياق التاريخي لكل حادثة/نصّ على حدة. النتيجة الأولى: الكلّ قال ما يريد في الحقيقة، سوى أنّ البعض ادّعى أنّ الله يُوافقه، فأكسب مراده وأقواله القدسية المخترعة، وآخرون لوثوقهم بالعقل لم يكترثوا إذْ خالفوا نصّ السماء ولم يأبهوا برسائل إليهم منها! النتيجة الثانية: ليس عيبا أن يجتهد الإنسان ويُشرّع ما يريد، فليس الصلاح ممتنعاً أن ينظّره المرء لنفسه ومجتمعه ما صلحت فطرته واستقامت أخلاقه وصفيت تجربته وتعاون وتدافع، الخطأ أنْ يُدمغ هذا الاجتهاد بأنّه مراد الإله، يُطابق نصّ قوله أو تأويله، ويُحجر على الآخرين التفكير خارجه، (هُدى الله) صار بحجرهم معكوفاً أن يبلغ محَلَّه، وحُرِّم على عقول الناس تدبير شئون أنفسها، وهذا أخطر الاستبداد، لأنّه استبداد متلفّع بقدسية، وهو شركٌ حقيقي، أخبر عنه تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ) (التوبة:31). فعوداً لإجابة السؤال: نعم، الله قال ما نريد فعلاً، لكنّنا لجهلنا، ثمّ بعصبيّتنا لجهلنا، لا ندري ما نريد/يُريد، وندري فقط ما نهوى. العربي الجاهليّ، حين نحت ربّه تمثالاً، ووضعه في جيبه، وأكله متى جاع، أو أقسم به وأبرزه متى شاء، لم يشذّ عنّا، فكلّنا يريد الله في جيبه وجانبه وتحت جبّته، ونصوصه المقدّسة تخدم آراءه وأوضاعه، لكنّنا نريد ذلك من دون أن نكون له، نريده لنا، ولا نريد أن نكون له: (عبدي كُنْ لي، أكن لك)، استحواذاً وربوبية منّا حتّى على الله صانعنا لخيرنا ومُشرِّع تطوّرنا الرّوحي، لذلك تجد مع الأسف حتّى في كلام علمائنا عباراتًٍ مثل (ينبغي أو يجب على الله)، وتجد آخرين يحشرون إلى الجنّة وإلى النّار من صنّفوا، ويُكفِّرون ويفسِّقون ويُحلّون ويُحرّمون (قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ)(يونس:59)، ذلك لأنّهم في الخفاء يمارسون ربوبية من دون الله. فالنصّ القرآنيّ، متى شُهر كعصا في وجه العقل، الآخر، الحقّ، الحرّية، المساواة في الحقوق، العدل، فهو شُهر به ضدّ الله قائله، شُهِر كمصحف يُمزَّق ويُخرَّق على رأس حربة لطعان الآخر. وإنّ مقولة (القرآن مرجعنا) تُشبه مقولة (لا حكم إلاّ لله)، صحيحة العبارة لكنّها باطلة التنفيذ، (فكيف يكون القرآن مرجعاً؟)، هو الإشكالية الكبرى التي لا حلّ مطروحٌ لها، لأنّه يُنادى باسمه وهو أخرس الناطقين، وإذا بالذي زُعم أنّه سُنّة من مرويات هي تنطق، ومن أوضاع ونُظُم دول أموية وعبّاسية وفاطمية وأيّوبيّة وصفوية هي تنطق، وآراء رجال وأهواء سلاطين وأحكام ظروف هي تنطق، من دونه. وإنّ حلّ الإشكالية، قد طرحها أحد نُجباء أهل البيت (ع) يوماً ما بأنّ القرآن مرجع للأمّة فعلاً لكنْ (لو وجدوا له مفسِّراً)1، فهل وجدنا له مفسِّراً اليوم، بغضّ النظر عن خصومات الطوائف واحتقانات المذاهب؟ وجدنا له محاولات، وادّعاءات، لتفسيره، أكثرها تضاربت في القرآن ومزّقته، فآية الوضوء واحدة، وكيفيّته في الأمّة اثنتان، وآية الصلاة واحدة وتوقيتها والكيفية اثنتان، وآية الصوم واحدة والكيفية والتوقيت اثنان، وآية الإرث واحدة، وكيفيّتها في الأمّة أكثر من اثنتيْن، هذا في أبسط المسائل التي كان النبيّ (ص) وأصحابه والمسلمون يُزاولونها يومياً ويعيشونها، فكيف بباقي الأمور؟ أمّا (شرح!) آيات العلوم والتاريخ وأحكام الحضارة، فتناقضها الصارخ وابتعادها عن الصواب تُجافي الواقع وتفوق قدرة الراقع. فالدسّ الرخيص المُتقن والمُغرض منذ أوّل القرون أعمل في الأمّة الغافلة معاوله، ولم يُفلح أحدٌ من هول الدسّ أن يريد ما الله يُريده، ويقرأ القرآن كما القرآن يقوله، لا السلف، لا السنّة، لا الشيعة، لا السلطان، لا الفقيه، لا شيخ المريد، لا المُفسّرون، بل كما هو قال (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)(الإسراء:9). لكن هذا يحتاج إلى شجاعة وجرأة، لأنّ المذاهب احتلّت الإسلام والقرآن، لأنّ سلاح التكفير ما زال مشهوراً ومعه سلاح التخوين، خاصّةً وأنّ بعض ما يقوله القرآن قد يُوافق بعضَ أفكار الهجمة الغربية الإمبريالية، وآخر قد يُعارضها ويُقارعها، قد يُوافق السلف وقد يُعارضهم، يُوافق السنّة أو الشيعة، وقد يدينهم، نحتاج إلى شجاعة كالتي كانت للشيخ الأفغاني، والكواكبي، شجاعة الثائرين على الجمود والتخلّف رحمة للأمّة الواحدة وانتشالاً لها من جلابيب جهّالها الداخليين ومن دهاة أعدائها الخارجيين وغطرستهم.2- ظلامة المرأة حربة الهجمة ومؤشّر التخلّف من القضايا التي استفحلت تجاذباتها، قضيّة المرأة، فوُظّفت (النصوص) لصالحها وضدّها، وكانت رحى صدامات بين مجددين وجامدين، تُناقش حقّ المرأة في ممارسة دورها الإنساني، من كونها نصفًا آخر للمجتمع لا كسراً من كسوره ولا درجة ثانية، وزوجا للرجل لا رديفا له، راشداً لا قاصراً، تشمل هذه الإشكالية أموراً مثل؛ حقّ الولاية، الانتخاب، العمل، العصمة، الإرث، الوصاية على الأبناء، إلى شرعيّة الإجهاض وختان الأنثى، مسائل ما زالت محتدمة التعاطي، ولم تُحسَم بعد، مع أنّ القرآن حسمها فعلاً. من جهة الجمود، وُظِّفت نصوص دينية كثيرة، أغلبها مرويّ أو مزعوم، وفتاوى واجتهادات، تأخذ قوّة قدسيتها الإلجامية في ختامها من النصّ القرآني الذي (لم يبق منه إلاّ رسمُه)، والذي بدا وكأنّه متحيِّزٌ ضدّ المرأة ويُمالئ الرجل مع أنّه جوْرٌ، وشلٌّ لتقدّم المجتمع وبذرٌ للخصومة بين فصيليْه، ما أدّى للبعض باستتباعه للدعوات التغريبيّة لتحرير المرأة، لاتّكائها (أيْ الدعوات) على جانب من الحقّ كان مضيَّعاً. ومع أنّ العالَم مليءٌ بالعنف ضدّ المرأة، وتختفي بسببه قرابة 60 مليون امرأة عن تعداده السكانيّ سنوياً، وأنّ امرأة واحدة من بين اثنتين تتعرض لانتهاكات جسدية وجنسية داخل بيتها، بل 40-60% من الزوجات يُضربن في أمريكا، ومثلهنّ في فرنسا، و80% في الهند، وفي أحد دولنا الناميّة %69 يتعرضن للضرب في حالة رفضهنّ معاشرة الزوج، أو في حالة الردّ على الزوج بلهجة لا تعجبه! فالعنف ليس بحاجة إلى نصّ بل عكسُه الذي يحتاج، وبهذا نُنكر أنّ الله أمر بالعنف ضدّ المرأة لحيثيّة أنّه (أي العنف الجسدي) موجود دائماً بدون تشريع، وسبحانه يريد تهذيب الرجل لا إطلاق وحشِه! لو استطعنا أن نحيِّد النصّ القرآنيّ عن التوظيف السيّء في مرحلة أولى، كما فعل الإمام عليّ (ع) في صفّين، لعادت حجج القوم متكافئة للبحث حسب منطقها وصلاحها الواقعي (أيْ سنّتها الصحيحة). ثمّ في مرحلة لاحقة لو تمكّنّنا أن نقرأ القرآن كما هو في سياقه النصّيّ، لنزّهناه أن يكون داعيا لظلم أو لفساد، والله لا يحبّ الفساد ولا الظالمين. بيْد أنّ أكبر إشكال هو أن نقرأ القرآن كما هو، لأنّا تغشّينا بنظّارات السنين والمذاهب النحوية والكلامية والاعتقادية والمذهبية والفلسفية والسلطويّة والذكوريّة ثمّ العصرية والتفكيكيّة، ولأنّنا (نريد الله لنا)، فما لم نتيقّن أنّ للقرآن نظامه الخاصّ فلن نُفلح معه أبداً، لأنّه صندوق منيع (عزيز) ومفتاحه معه وفيه، لا العصريّة تفتحه ولا الجمود (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ)(فصلت:41-42). لقد توصّلنا إلى ملامح أولى، لقراءة القرآن من داخله (باستنطاقه)2، بدلا من النطق عنه وتلقيمه نتائجنا، فإنْ وضعنا (كلمة الله) سفلى، اختلّ فهمنا للدين وللسنّة وللواقع وضاعت الحقوق وشاكسنا الطبيعة، وإذا وضعنا (كتاب الله) أمامنا، فهمنا السنّة، وفرزنا المفترى عليها، والمخالف لسمتها، واتسقّت الأمور والأحوال وسلمتْ المعارف والطباع، بتقديمه أدركنا سرّ معنى (كلّ ما خالف كتاب الله فهو زخرف) (فاضرب به عرض الحائط)، وبتأخيره مُفسَّراً بغيره ومقيَّداً ومنسوخاً، فسيكون لا قيمة له ولا معيار به ولا حاجة لوجوده للعمل.3- السياق الزمني والطبيعيّ ودوره في ترؤّس الرجال نموذجنا هنا، لمحة خاطفة لقراءة ما سُمّي بآية القوامة، والنشوز، والضرب، وهي من أفتك النصوص سطوةً بيد النهج الجامد، وأبغض الآيات لدى الفريق المظلوم، وكذا هي مطعن المغرض المُتغرّب. (الذكر الحكيم) ليس به مشكلة، المشكلة فيمن وظّفه، فالذرّة نفسها ليست بمشكلة، نحن قد نصنعها طاقة وقد نفتك بملايين بها، بهذه الآية قد نفتك بملايين النساء ونضربهنّ ونتسلّط عليهنّ، وقد نكتشف العكس، القرآن نفسه هدى لأناس وعمىً على آخرين، لا لأنّه يحتمل التفسيريْن والوجهتيْن، فليس بكتاب هدى الذي يفعل هذا، بل لأنّا نريد الله لنا، وفي جيبنا، فنُحرّف كلمَه عن مواضعه ونُؤوّله بهوانا دون أن نشعر، ولأنّا صنعنا أنظمة ونظّارات نقرأ بها القرآن لنُلوّنه بما نشتهي، وحينما يسود فهمٌ كتفسير الآية، فمع استعمال السنين، ومرور الفضلاء والأكابِر عليه، يُصبح مسلّماً وحُجّةً على صحّته بتواردهم، فيُحارَب مخالفُه ويُكفَّر بحسن نيّة وعن حميّةٍ لدين، لذلك كان (القيام لله) يعوزه شجاعة نادرة، لأنّ هناك من يستعدّ لقتل نفسه وقتلك، بحسبان أنّه سيتعشّى ليلَته في الجنّة مع نبيّنا (ص)، إذ تقرّب لله بدمك، وهو قد أطفأ نور القرآن دونما خلجة شعور! وما دام التحكيم ليس للقرآن ولا للعقل إلاّ مماحكةً أو ظنّاً، فقد تمّ أوّلاً العمى عن كلّ دراسة علميّة أو استقراءٍ تطبيقيّ؛ فلمْ تُدرَس طبيعة المرأة بتجرّد علميّ، لالتماس حكمها الشرعيّ أيْ دورها الحقيقيّ، ثمّ تمّ ثانياً الخلط بين الشأن العبادي والمدنيّ، لتقرير ما ينبغي للمرأة بحسب طبيعتها وكفاءتها من أدوار، فزجّتْ المرأة في منافسة مع الرجل لدى فريق بمزاعم المساواة حتّى لتؤمّ الصلاة بالرجال الأجانب، وربّما لتنتهي - بذريعة المساواة - للإفتاء بجعل لباس حجّها كلباس الرجل، مكشوفاً أعلاه! تجاهل مُخلٌّ بالطبيعة البشرية وللمغازي العبادية؛ (فنفسياً) المرأة المستوية لا تستقرّ حياءً لأن يقف خلفها صفوف الرجال محملقين يُتابعونها قائمة راكعة ساجدة، ولا غيرة زوجها أو أهلها (طبيعيّاً) ترتضيان ذلك، ولا الغاية المرادة (دينيا) بقطع غرائز المأمومين وإخلاص توجّههم لله تُسوِّغ ذلك، ولا هو اضطرار وواجبٌ أحوجنا إلى سدّه، ولا هو مقامٌ -كما زيّن بذلك المفضّلون للرجل- يُعلي شأنه كونه إماماً، أو يُزري بالمرأة كونها مأمومة ليُحرّشها بأنْ تُنافس فيه، فهذا دورٌ أملته الطبيعة كما أملت أن تكون الوصايا بحقّهنّ وعدم إيذائهنّ أشدّ لأنّها أكثر رقّة جسمانيا؛ فإيذاء الفتاة والإساءة لها أبشع من ضرب الفتى، وهكذا، بل كما أملتْ أن تكون هي التي يُخطَب وُدّها وتُسترضى، أو لا يليق بها مهنٌ تذلّها كمهنة الحمّالين وكنّاسي مجاري المدينة ومزابلها، فضلاً أنّ إمام الصلاة ليس خيراً من مأموميها رجالاً ونساءً لا لدى الله ولا في الحقيقة ولا حسب الاشتراط ولا حسب المُشاهَد. مثلما في اتّجاه معاكس، حسب إفرازات خلط الديني بالدنيويّ، تمّ منع المرأة ممّا سُمّي بالولاية العامّة، مثل تولّي القضاء والحكم وشئون السياسة وإدارة المرافق بحجّة عاطفتها أو نقصان عقلها وتلويحاً بقميص (القوامة) الرجالية المستلّة من النصّ القرآنيّ المنزَّه عن إقرار الظلم، أو عن مخالفة الطبيعة وتغيير الخلقة. إنّ سبب هذا التردّي3 الفكريّ فالاجتماعي ثمّ الحضاريّ في حقّ المرأة، فضلاً عن إلجام القرآن أوّلاً، عدم وعي السياقات التاريخية التي عزّزت لهذا الاتّجاه زخمه، فصيّرته حكماً مطلقاً مفصولا عن سياقه متعالياً عن الزمن، بينما التحليل التاريخي يقول أنّ القاضي تلك الأيّام (كمخابرات هذه الأيّام) يتوسّل القوّة وشحذ العين وإرعاب المجرم حتّى ظهرت مقولة (كاد المريب أن يقول خذوني)، يُمعن التحقيق والتهديد وكيْد الحيلة، ومن يُتابع قضاءات التاريخ وقصصها يُدرك دور القاضي، إنّه كزعم إمكانيّة أن تشغل المرأة مهنة جلاّد في المخابرات! كان للقضاء مزايا واشتراطات تستلزم الاسترجال كما هي مثلاً المجالدة بالسيوف والحدادة والهجاء البذيء، فبعضُ المؤهّلات تُنافي طبيعة المرأة أبداً، وبعضها لم تُؤهَّل نساءُ ذاك الزمن إليه. فالاستدلال بأنّ أمراً لمْ يحصل أيّام النبيّ (ص) أو من بعده، لا حجّة فيه، هو كالاستدلال بأنّه لم يرد في عصر النبيّ (ص) أنّه استعان بفارسة تُجالِد بالسيف أو امرأةً تخطّ بالكتابة، فليس معنى هذا عدم قدرة وجواز أن تكتب المرأة أو تقاتل في هذا الزمن في طائرة أو قمرة قيادة تحتاج تركيزاً ذهنياً وخبرةً تتعلّمها بسهولة! فعليه، إذا تغيّرت مهنة القضاء وطبيعته بما يُناسب طبيعة المرأة التي لا تقلّ ذكاء ولا حزما ولا وعيا ولا إدارةً ولا منطقاً عن الرجل، وإذا أُهِّلت دراسياً ومهنياً لهذا الدور بعد أن صار علماً ومؤسّسة، ومارسته كإنسان لا كأنثى، وإذا فهمنا القضاء تاريخياً كيف كان، فما المانع من تولّيها القضاء والسياسة والصحافة والنيابة والحكم، مع تغيّر المقدور التاريخي وكيفيّة الوظائف الزمانية، وازداد الممكن والمؤهّل النسويّ، وأثبت الواقع لنا وجود حالات نسوية ناجحة عصرياً في الإدارة والزعامات السياسية والاجتماعية (بل أنّ القرآن لا من عبثٍ أن سرَد لنا أحد المعالَم النسائية الناجحة في الحكم والرزانة منذ القِدم وهي بلقيس)؟! فبعض الأحكام تُناسب ظروفها وبعضها مُنعكَس الطبيعة، الأمور العبادية الصحيحة عادةً تُناغم الطبيعة، أمّا الأمور المدنية (الاجتماعية) سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو تربوية، فهي قابلة أن تكون تناسباً مع الطبيعة أي ثابتة الحُكم، أو أنّ صلاحها وليد ظروفها وبيئتها وبنى المجتمع آنئذ، فهي متغيّرة قطعاً، والجمود عليها من قلّة الفهم والتعصّب، ومن تشوّه الدين، وتكريسها دعوةٌ للظلم وبخس الحقوق ليس إلاّ.4- تفضيل الرجل ليُمارس القوامة وضرب الناشز هذه المفردات القرآنية تمّ توظيفها بشكلّ سيّء من دون محاولة معرفة معناها وما يُمكن أن تكون قالته، لتتحوّل إلى آراء وتفاسير وفتاوى تكرّس الواقع الخاطئ المُوافق لأماني الرجل وأهوائه، لا أنّها تكشف الحقّ الموافق للكتاب وتروم العدل الموافق للفطرة. إنّ منهج التعامل النزيه مع كتاب الله، ينبغي أن يستنطق النصّ بلا سبقية معلّبة أو هوىً جاهز، بلا تحيّز ذكوري ولا استعطاف نسويّ، بل انتصاراً لكلامه سبحانه وهداه، وصونًا له عن السوء بتبديله عن مواضعه. لقد توصّلنا إلى معنى مغاير للتلبّسات التاريخية الجامدة المزعوم تفسيرها لهذه الألفاظ، وإنّ إطلالة منطقية على هذه الخلاصة، سيضع نقاطنا على الحروف، ولعلّه يُسهم في حسم الجدل حول الآية الشريفة فكرياً، مع صعوبة حسمه من النفوس عملياً، خاصّةً وأنّ النفوس تتبع عواطفها ومؤسَّسها المذهبيّ وتقديسها الرجاليّ والإرثيّ لا كتاب الله ولا المنطق، في الحقيقة، وإن بدا هكذا، وارتفع الزعيقُ به! فمعاني مفردات الآية حسب الدّارج المشهور4، هي: (قوّامون): يعني أنّ الولاية والإدارة والتدبير في البيت ثمّ في المجتمع هي للرجل دون المرأة5. (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ): أي أنّ الرجال أفضل من النساء ديناً وعقلاً وتدبيراً، لأنّهنّ عاطفيّات وناقصات عقل. (نُشُوزَهُنَّ): هو تمنّع الزوجة عن زوجها في حقّه الجنسي، أو عصيانها له في البيت وتمرّدها أخلاقيّاً6. (وَاضْرِبُوهُنَّ): للزوج أن يُؤدِّب زوجته بالضرب، بما لا يجرح ولا يكسر عظمها ولا يُقبّح وجهها. (أَطَعْنَكُمْ): على النساء طاعة الرجال، وبهذا ظهر مسمّى (بيت الطاعة). والنصّ القرآنيّ هو: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً) (النساء:34) لقد اكتشفنا أنّه ما تمّ العبث بآية تفسيراً قدر هذا النصّ، حيث حُرِّفت كلّ كلماته الآنفة وانقلبت، بسبب القراءة (التجزيئية)، بمعيّة أختها القراءة (العكسيّة) التي تُسقط الواقع على النصّ لتُكرّسه، لا التي تريد قراءة القرآن لُتغيّر به واقعها، خاصّةً بعد مضيّ الجيل الأوّل (رض) الذي كان يحرص أن يقرأ القرآن تعلّماً ليُطبّقه، ولقد فُسِّرت ألفاظ الآية خطأ، ومنطقها خطأ، ثمّ أُخرجت خارج سياقها وهو الأسرة الزوجية وموضوعها الخاصّ الاستثنائي، لتعمّ مفاصل المجتمع كلّه، لتفضيل الرجال وتوليتهم على مطلق النساء! وحين قام بعضُ التجديديّين بفطرته ليُصلح الانحراف من دون نظام قرآنيّ، وبأثر من قراءة الواقع المتغيّر، ولأشكلة الغرب على أحكام متعسّفة أُلصِقتْ بالدين الحنيف، تحيّر، فما دام مفهوم (النشوز) بقي خاطئاً كما هو، فسيتبعه مفهوم (الضرب) حتماً، حتّى أنّ بعضهم حاول شطب كلمة (وَاضْرِبُوهُنَّ) لزيادتها في كتاب الله! وبعضهم فسّر الألفاظ خارج متاحاتها الدلاليّة في النّظم المبين7، وبعضهم جافى سياق الآية المنطقي، كتفسير مفردتي (الرجال) و(النساء) هنا بما يُحاكي اليوم (الجندر) أو النوع الاجتماعي؛ (الرجال) هم الصنف القوّي (ذكرًا أو أنثى)، و(النساء) من النسيء أيْ التأخّر، فهو الصنف (المتأخّر أيّا كان جنسه)8، وهذا أيضاً من إسقاط الواقع العصريّ على القرآن، بدلاً من العكس، واتّجاهٌ يُخرس الكتاب (المُبين)، ليكون (المُبان)!
|