|
حتى حدائق الحيوان الأمويين سبقوا العالم بها! |
|
|
|
هبة ترجمان
|
|
2006/ 06/ 09 |
تمتلئ بلدان العالم الغربي بحدائق الحيوان الرائعة التي يتهافت الناس عليها بغية مشاهدة غرائب الخلق من الحيوان ولكن بدايات هذه الحدائق لايعرف معظمنا من أين أتت!
خاص: نساء سوريةتمتلئ بلدان العالم الغربي بحدائق الحيوان الرائعة التي يتهافت الناس عليها بغية مشاهدة غرائب الخلق من الحيوان ولكن بدايات هذه الحدائق لايعرف معظمنا من أين أتت! المشكلة أننا عندما نتحدث أن أغلب الأشياء منشؤها المشرق العربي يعتبر الكثيرون هذا أمراً مبالغاً فيه لكن الدراسات الأثرية دائماً تأتي لتبرهن صحة هذه الأقوال ومنها أن أول من أسس هذه الحدائق هم المسلمون العرب في عهد بني أمية. إن دراسة الأبنية العائدة لهذا العهد تعطينا دليلاً بيناً أن هذا العصر هو عصر انجازات عمرانية هامة وتجديدات عظيمة وهذا ما لحظناه من خلال البقايا الأثرية والدلائل التاريخية وقد واكبت الأرض الصالحة لنشوء الفن والعمران في بلاد الشام. كما ساعد النظام الاقتصادي القوي للدولة على الرقي في هذا المجال إضافة للتمازج والتعايش بين العرب والشعوب المجاورة أدى إلى ثورة ثقافية وحضارية نتج عنها تنوع في تذوق الفن والجمال فكان هذا عامل لاستنباط مقومات جديدة تفي بأغراض الخلق والإبداع بدءاً من تطوير المساكن لتصبح قصوراً للخلفاء بنوها في البادية كحصون أو مقرات للاستجمام في أماكن متاخمة للصحراء ليتحرروا من أجواء المدينة المتزمتة التي يغلب عليها الجد والتقشف وكانت هذه المنتجعات أو القصور تتميز بأن البناء فيها لم يقتصر على السكن فقط بل كانت هناك ملحقات تابعةله فقد الحق بالمنزل مسجد وحمام –مخازن واسطبلات ضمت كل ما يحتاجه المرء ويقدم له الراحة والرفاهية بما خلقوا في هذه القصور من مظاهر ومستجدات ومنها حدائق الحيوان. لكن مشكلة البحث حول موضوع حدائق الحيوان أن المنشآت التي تركها الأمويون قليلة وقد تهدم أكثرها ولم يبق سوى بعض القصور والكتابات التي دلت على هذا الموضوع. ومن الملفت للنظر ويعزز نظرية إلحاق حدائق الحيوان بالقصور طريقة جلب المياه إليها عبر أقنية صغيرة اصطناعية وأحياناً تظهر بحيرة اصطناعية. هذه الكمية الكبيرة من الماء تعطي إشارة لوجود وظيفة إضافية لهذا الماء. ولو دققنا في أحد أهم القصور الأموية وهما قصرا الحيرالغربي والشرقي اللذان ينسبان للخليفة هشام بن عبد الملك نجد أنه من الاسم قد ألحق بكل واحد منهما حديقة للحيوان ففي العقدين الثاني والثالث من القرن الماضي اختلف الأثريون على ماهية قصرالحيرالغربي بسبب المساحة الواسعة والأعمال المائية والقنوات فذكر الباحث غبريال أنها بحيرة اصطناعية لكن الباحث سيرينغ قال إنها حدائق لأن جدران الحير لا يمكنها أن تقاوم ضغط الماء الهائل بهذا الحجم كما أن انفتاح سطح بحيرة بمساحة 10000 دونم تقريباً يساعد على تبخر مياهها بسرعة في فصل الصيف لذلك يؤكد رأيه أنها للري وأن الحدائق الواسعة التابعة للقصر هي حديقة حيوان حسب ما ورد في النصوص القديمة. فمن خلال تتبع ماكتب عن كلمة الحير نجد أن ابن جرير الطبري ذكر أن الحير هو مكان متسع جداً ومحصن يمكن أن يستعمل في بعض الأوقات كحظيرة تتمركز فيها قوة عسكرية ضاربة أو تلجأ إليها في حالة معينة أما الشاعر أبوبكر الصنوبري المتوفي عام 334هـ / 945 م الذي اشتهر بشعر الطبيعة أيام الدولة الحمدانية و قصائده المليئة بذكر القصور والأمكنة تكلم عن قصر الحير الشرقي في احدها ذكر كلمة حير الوحشي من خلال قصيدته يظهر أن غابة هذا القصر داخل القصر نفسه كانت ماتزال قائمة حتى ذلك الزمان كحديقة للحيوان. كما فسر ماهية الحير ياقوت الحموي 626هـ 1228 م عندما ذكر عمارة المتوكل له وكم أنفق عليه حوالي أربعة آلاف ألف درهم على عماراته أنه شبه حظيرة أو الحمى. أما عن مسكويه المتوفي 421 هـ - 1040م في كتابه تجارب الأمم أن الحرس نهبوا قصر الثريا في بغداد عام 315 هـ وقتلوا الحيوانات في الحاير. هنا ومن خلال مراجعة النصوص نلاحظ بأن كلمة الحير لفظة عامية فيها اختلاف فقد ضبطها محققوا النصوص التي لدينا بفتح الحاء وسكون الياء وهذا خطأ فهي مشتقة من نفس كلمة الجدار وتعني الإستدارة وبالفصحى الصحيح لفظها الحائر فقد طرحت الألف وقلبت الهمزة إلى ما يقابلها من أحرف العلة ولكن النطق العامي بها يشابه ما تقوله العامة في تحويل كلمة عائشة إلى عيشة باستحسان التخفيف وهذا النطق العامي لا يؤخذ به و يتوجب همزة الياء في الحاير ذلك أن النساخ القدامى يخففون الهمزة إلى حرف العلة المقابل لها ويمكن مراجعة ذلك في كتاب تاج العروس وفي كتابات الزبيدي المتوفي 1205هـ - 1790 م أما معناها فيعود إلى جذرين الأول حار يحور –فحائرها البستان أما المعنى الثاني حار يحار – وحائرها هو المكان المنخفض الوسط المرتفع الجنبات الذي تنحبس فيه الوحوش أو تحار تماماً كالماء. ومما تقدم نستنتج مما يتوجب من شروط الحائر لحشر الوحوش أوما يتميز به من سور مرتفع حصين كي تحفظ الوحوش من الهرب والمغيرين مع توفر أشجار وزرع للرعي والماء الكثير من هنا نعرف تماماً أن الحائر كان مكاناً تحشر فيه أنواع عديدة من الوحوش غير الكاسرة وداخله أبنية مرتبطة برياضة الصيد إضافة للأبنية الملحقة بالقصر كالمسجد والحمام محكم الصنعة أما الماء فالأحواض عبارة عن أقنية تجانب السور العظيم وأكد هذا اليعقوبي 895هـ-2896 م حيث ذكر بأن الحائر لا يمكن بناؤه إلا في صحراء حسنة يمكن جلب الماء إليه عند الشجر وأمراج الأرض كما تحدث عن الحير الوحشي في سياق حديثه لبناء المعتصم مدينة سامراء فأورد ذكر شارع الحير ولم يفهم من حديثه كيف حشرت الظباء والحمير الوحشية والأبابل والنعام والأرانب في ذلك المكان وحوطت بحائط يدور في صحراء حسنة واسعة. بهذا المعنى والتجوال بين المقولات تم تيقن الباحثين من أن الحائر استخدم كحديقة للحيوان وأنها كانت من الأفكار الجديدة التي ابتكرها الأمويون ولم تكن معروفة قبل ذلك العصر فرضها عليهم جنوح الحيوانات الصحراوية إلى الإنقراض بعد أن قلت أسرابها وقطعانها فسعوا لحشرها داخل الحوزة أو الحمى (الحائر). بهذا لم تكن حدائق الحيوان فكرة أجنبية أو مستوردة بل عريبة المنشأ تمكن منشؤوها الحصول على الحيوان داخل هذه الحدائق بعد أن تطارد في الصحراء لتتجه نحو أبواب الحير حيث يدخلونها الحمى ثم ستغلق عليها الأبواب وتبقى محشورة هناك تحور أو تحار لا تعرف أين تذهب من هنا أطلق اسم الحائر على هذا المحشر. على أن المهندسين في العصر الأموي لم يغفلوا ما يحتاجه الحيوان من رعايا في هذا المكان فأعطوه فيه الماء والكلأ والظل والحماية فاستطاعت الحيوانات أن تحيا في الحير كما كانت تعيش في البرية لكن ضمن جدران. لا يقف الأمر عند قصر الحير الغربي والشرقي بل أكثر القصور الأموية كانت تحمل نفس التقسيمات والحدائق والأعمال المائية إضافة للمسجد والحمام بنيت بطريقة متشابهة فقصر الحلابات شرقي عمان ألحق به حائر لنفس الغرض يظهر هذا من الأعمال المائية كالبركة القريبة من قاع القصر وشرقها منطقة مليئة بالأحجار الكبيرة المتقاربة الحجم لم تكن من المنطقة بل مجلوبة إليها لأجل الحيوانات. وفي الحيران قضى الخلفاء والأمراء أوقاتهم بها كمراتع لهو يمارسون فيها رياضة الصيد والسباق ضمن هذه المنتجعات النائية التي ارتاحوا فيها بعيداً عن أعباء الحكم والسياسة. وهذا كان يلزمه الكثير من التكاليف المادية وخليفة قوي مسيطر لانتشار هذا النوع لذلك اقتصر بناء الحيران على عهود الخلفاء الأقوياء واستقرار الدولة اقتصادياً فبعد الخلفاء الأمويين اقتصر انشاء الحير في العصر العباسي على هارون الرشيد وولديه المأمون والمعتصم وابنه المتوكل. ولم يستطع من جاء بعدهم من الخلفاء تقليد الأمويين لمحاكاة هذه الحدائق التي تعتبر من الأمور الخيالية التي ابتدعت آنذاك. إن إنجاز حدائق الحيوان يعتبر انجازاً حضارياً إنما يدل على قوة الدولة والمنعة والرفاه التي عاشتها وتقدم أساليب الهندسة والمعمار وحب الجمال بل حتى مواضيع الرسوم الجدارية والأرضية في القصور احتل الحيوان فيها قسماً كبيراً ففي قصر الحير الغربي صورتان كبيرتان ذات شكل دائري الأول تمثل إمرأة تمسك بقطعة قماش مليئة بالفواكه طوقت عنقها أفعى الثانية لثعلبين أحدهما يأكل العنب وطيرين من نوع الكركي وكلب يتعقب حيواناً آخر. صورة أخرى في نفس القصر مستطيلة الشكل مقسومة للوحتين أحدها فارس يطارد الغزلان.كذلك حملت أرضية أحد الغرف صورة عبد حافي يسوق حيواناً وعلى نطاقه مفتاح المكان الذي سيغلق على هذا الحيوان. أما في قصر خربة المفجر قرب أريحا الذي ينسب أيضاً للخليفة هشام في العهد الأموي صورة أساسية تزين أرضية الحنية في غرفة الاستقبال عبارة عن شجرة تفاح أو نارنج وأسد ينقض على غزال هلع وفي الجهة المقابلة غزالان هادئان يقضمان أوراق النبات. كذلك الفريسكات في قصير عمره حمل أحدها منظر لمطاردة الحيوانات مع احتوائها بشباك لصيدها وسوقها نحو الحير. إن ابتداع فكرة حدائق الحيوان تبدو فيها أن أفكار المسلمين العرب طغت عليها الروح الإنسانية التي أولت الحيوان الرعاية وحماية الطبيعة أهمية واضحة خاصة بطريقة الإنفاق عليها بغزارة وتكريس الإهتمام و الوقت والجهد لمثل هذه الأعمال على اعتبار أن رعاية الحيوان مطلب إسلامي أوصى به الرسول الكريم (ص). لهذا بدا المسلمون العرب سباقين برعاية الحيوان واختاروه موضوعاً فنياً متذوقين لبواطن الجمال فيه كنوع من بدعة الخالق في خلقه فسبقوا جمعيات الرعايا والرفق بالحيوان التي ينفق عليها ملايين الدولارات اليوم من أجل الحيوان والحفاظ عليه. لكن يبقى الفرق بين هؤلاء المسلمين العرب وسواهم أنهم كانوا يرفقون بالإنسان والحيوان معاً. لكن اليوم لماذا نجد أن المنادين بحقوق الحيوان يسمعهم العالم أكثر ممن ينادون بحقوق الإنسان؟ وهل الإنسان العربي يحظى بالرعايا التي يوليها الغربيون لحيواناتهم؟مراجع الموضوع : الحوليات السورية الأثرية – القصور الشامية وزخارفها في العهد الأموي مقالة د. عفيف بهنسي الحوليات السورية الأثرية – حدائق الحيوان في زمن الأمويين – مقالة د. فواز طوقان عبد القادر الريحاوي – العمارة العربية الإسلامية في سورية – دمشق 1979
|