|
ليلي مقدسي: كيف تبدع المرأة وحريتها مكبلة؟! |
|
|
|
شهيناز عبد الغفور
|
|
2006-06-09 |
واحتي المسحورة هي الشعر لانه حالة لا تفسر مثل الحب: حارق ومحرق! والشعر علمني أن أحول وهم الزمن الى معنى.. هو الحال المتولدة في دائما الشعر أفق لا ينتهي..
خاص: نساء سوريةليلى مقدسي، الغنية عن التعريف، والتي ولدت في غابات صافيتا السورية، لا تحتاج إلى تعريف. مع ذلك، أمضت 28 عاماً في التدريس أعطت فيها، وأخذت الكثير. وخلال عمر مديد يمتد على مساح استقلال سورية، أنجزت مجموعة من العناوين: ثالوث الحب، غمامة ورد، عرس قانا، وردةأخيرة للعشق لغة الجمر، نص القلب، لأننا لم نفترق، ذاكرة البحر، قطوف وأوراق، عنود.. وغيرها..  وفي حلب، حيث حط المقام بليلى، التقينا بها في دردشة هادئة كروح ليلى.. *- كيف بدات عندك رحلة العذاب الجميل مع الإبداع؟ **- كنت كالطائر المهاجر أبدا بين وديان، وغابات، وجبال, ورمال.. وبحار.. رحلة ممتعة أو كما قلت عذابي الجميل. طبيعة الريف التي ترعرعت بينها سقتني خضرة الزيتون وينابيع الأرض الطيبة وغسلتني بمطر العذاب والقهر واخضوضرت أوراقي كنباتات غريبة بين الصبار. وعباد الشمس المحترق بالصعاب والتعب تضتحت ميولي للكتابة واتكأت على شجرة الانسانية أتأمل كل ما حولي واكتب خواطري وتأملاتي وشدتني المطالعة كنت بين احضان الكتب أرى الظل الحنون وتفوقت في دروس اللغة العربية وتغنيت الشعراء القدامى.. وفي الصف السابع نشر لي أستاذي باللغة العربية -حسن الخطيب- موضوع انشاء في كتاب من تاليفه -التعبير الفني في الانشاء- وكانت فرحتي الأولى.. وأنا ارى اسمي مع كبار المبدعين.. وتخطيت مسامير الألم.. والصعوبات، وحولت كل معاناة لي الى ابداع بيدي قلم وورقة.وعلى شفاهي جرح وابتسامة ومن بيادر الجفاف والتعب نبتت سنابل حروفي.*- تقيمين جسورا مع أكثر من فن أدبي، الشعر,القصة، الخواطر.. أي هذه واحتك..؟ ولماذا؟؟ **- أنا لا أعرف للأدب محطات او تخصص بجنس واحد.. تجربة الكتابة حديقة واسعة فيها كل الأشواك والزهور وكل تجربة احس بها مع الاخرين انقلها على الورق سواء بالقصة او النثر او الرواية او التاملات الوجدانية.. وحين اخرج من دروب لا اعرفها اقف مع كتابة الدراسة. ولدي عدة مواضيع منها -دراسة عن الصوفية- والحب والاساطير والشعر. أما واحتي المسحورة فهي الشعر لانه حالة لا تفسر مثل الحب: حارق ومحرق! والشعر علمني أن أحول وهم الزمن الى معنى.. هو الحال المتولدة في دائما الشعر أفق لا ينتهي.. وهو حالة رؤيا للحياة والانسان والطبيعة.. ولا يصنع الفن الا الشعر. اما القلب فهو وحده الشاعر. وأصالة الشاعر تنبع من الذات. والشعر هو الرعشة الروحية وقنديل صلاتي الذي لا ينطفأ.*- مجموعة "زمن البوح الجميل" كانت عملا مشتركا مع الشاعر طلعت سقيرق ماهي آفاق هذه التجربة المشتركة؟ وماهو انطباعك الخاص؟ هل يمكن تكرار مثل ذلك مرة اخرى؟ **- "زمن البوح الجميل" اصالة المبدع تنبع من الخلق والتجديد وهكذا انبثق كتاب "زمن البوح" كما الذكرى كما الخيال حين انسابت الحروف بيني وبين الشاعر الصديق طلعت سقيرق. لم اكن اعرفه.. وكانت نصوصا غير محددة الموضوع.. فيها نبض روح ووجدان.. فيها رموز وايحاءات.. ودون ان نقرر التجربة او نخطط لها.ت حولت الحروف الى مراة للذات.. ونقلت القارى الى ما وراء الحلم! والتجربة لا تنفصل عن اسلوب التعبير عنها. والشاعر طلعت تغلغل في كتبي واستطاع أن يكشف ما وراء المعنى من كلماتي. وكنت متمتعة بهذه التجربة كأنني أحيي بها زمن جبران ومي في كتابهما المشترك "الشعلة الزرقاء".. أما رسائل الشاعر طلعت فقد حولتها الى قصة وابتدعت اللحظات المتخيلة.. وكان الاحساس الصادق بالحرف هو المعنى.. والكتاب لم ينشر بعد.. اسمه "رسائل حب.. لرماء"..*- من يقرأ إبداعاتك يكتشف، منذ الكلمات الأولى، علاقتك باللون والطبيعة الصامتة وشفافية التصوف الفني.. كيف ترتلين هذا كله في نص من نصوصك؟ **- أقول كما قال أحد المتصوفة إن قلبي يتسلق عالما لا يعرف غيري عنه شيئاً. ولو سئلت لأعجزني أن أجيب! أسكن عالماً أتمنى أن أغطيه بسماء الحب الانسانية وأغسله من الشرور والفقر والظلم والتشرد.. لذلك وجدت في التجربة الصوفية تجربة فريدة تبحث عن الملاذ الروحي للانسان وتتأمل بأسمى معاني الحب، وتتواصل مع مبدع الكون بصلوات الحب المطلق.. وهو الخير اللانهائي.. وغربتي تنبع من الذات القلقة التي تبحث عن الجوهر.. عن القيم التي بدأت تتقهقر وراء الجشع الحقد والمادة.. ووقفت خلف الظلال لألون حروفي بكل ألوان الطبيعة.. ولأن الطبيعة مسكري الروحي، وأنا في غاباتها البكر وعلى أحضان الرؤيا أرسم كلماتي، لأن الفن إعادة خلق حين تصبح الأحاسيس هي الكلمات. أليست الطبيعة هي التي تجعلنا نتذوق الجمال؟!.. تزدهر وتذبل، تخصب وتجف.. ولكنها تبقى حية كالكلمات في كل الفصول.. والطقوس هي الملهمة لي حين يعلوا الخيال ويندمج معها.. وهي مغزى أفكاري وعواطفي وصلاتي الروحية.. وأبحث عن ذاتي في الطبيعة.. مع الفن والطبيعة مسافة صامتة.. ولكل مبدع فرادة إبداعه. وقد قال أرسطوا (الفن يقلد الطبيعة).*- إنك ترسمين بالكلمات والحروف. كيف ترين العلاقة بين الرسم والكتابة؟ وهل تحدثينا عن تشكيلات الحرف لديك؟ **- كل عمل ابداعي هو تطهير للعالم. بالإبداع يستطيع الانسان ان يمارس حياته وحريته، ويتغلب على كل ما هو سيء وسلبي في العالم! فالكتابة تدخلني النواة الحلمية، فأرسم بشرانق اللغة أغصان حروفي المشعة والمحترقة مع انفعالات الذات.. وهناك تجاذب سري بين مفردات القصيدة وبين صورها الحلمية، كما موج الروح مع صبوات الحب والأحلام، وكما يرسم الرسام لوحاته بالألوان، أنا ألون حروفي بكل ألوان الطبيعة، مايكل انجلوا طغى بآثاره، أكثر مما تستطيع الصلاة أن تقول! حين رسم العذارى والقديسين كان يتعبد بيديه! عالم الفنان عالم تأملي.. وكل شيء فيه يخفي سراً.. فالرسام في رسومه يصبح ذاتها كلها. والشاعر في قصائده. ومقياس المبدع مدى تغلغل كتاباته في النفس البشرية، لا مدى قدرته على التقاط الظواهر السطحية.. وليس من يكتب بالحبر كمن يكتب بدم القلب..*- مساحات الود شاسعة في نصوصك، والشوق يحتل عرشه لديك، فهل ترجمت ذلك لرواء فقط (ابنتك) في مجموعتك بعض الشوق لرواء؟! **- قال جبران: إني أكره كتابا لا ينطبق على حياة مؤلفه! فالصدق شرط أساسي في الكتابة. أما الحب الانساني فهو محور رحلتي وتجارب الاخرين معي. لأن الإنسان ممزق من الداخل.. فلا القوة ولا المال ينتصران، إنما المحبة هي التي تحررنا. والقلوب في هذا العالم تحجرت والأرواح جفت، فأحاول أن أسقي الانسانية رشفات الياسمين والنرجس من شرايين النقاء.. أما كتاب "بعض الشوق لرواء" فهو جرح شوق لابنتي! ذلك الطيب البعيد القريب الغريب! وكلماتي تزف أغصان أمومتي التي لا تجف بغيابها.. وأسقي غربتها بها.. وكل عام، في عيد ميلادها، أهز نخلة أمومتي فتتساقط حروفي في صحراء الفقدان..*- ماهو مفهوم قصيدة النثر لديك؟! وأنت تمارسينها في كتاباتك الشعرية! وكيف تنظرين إلى الموسيقى في الشعر؟ هل لك تجارب في شعر التفعيلة والشعر العمودي؟ **- قال ابن سينا: كل كلام غير متخيل ليس شعراً وإن كان موزونا مقفى! والشعر لغة يراد بها التخيل لا إفادة الآراء. هل نستطيع ان نعتبر كل كتابة تسلك الوزن والقافية شعراً؟ بحور الشعر وأوزانه يستطيع كل فرد أن يتعلمها! وما على الناظم إلا أن يجمع الألفاظ ويختار القافية فتخرج القصيدة لها رنين متكرر! لكن هل تثير إحساس القارىء أو تقربه من معاني الحياة ومعاناة الانسان؟ فالشعر هو الشعور.. وموسيقاه الداخلية تنبع من انفعال الشاعر.. ومن مفردات الشاعر وناي أنفاسه تلامس أوتار الطبيعة وتوقظ القوى الخفية في الذات. والقصيدة العامودية وجدت في عصر ليسهل حفظها ولا تضيع.. وكل إبداع مرآة للعصر. والمبدع يبقى في روح كل عصر وكل زمان. فلماذا يخنق الشعر في قفص الاوزان الخليلية.. ولا يسمح له بالتنفس؟! وقال عمر الخيام: الشعر لا يعرف قانوناً. إنه لا ينكر ما سبقه ولا ينكر ما تبعه! وهو يجتاز العصور في دعة تامة. الشعر شرارة داخلية وموسيقاها لغة الشاعر واحتراقه وخلجاته.. الشعر لغة النفس ونبض الروح*- هل ثمة أدب نسوي؟ وهل تصنفين كتاباتك ضمن ما يسمى الأدب النسائي؟! **- العمل الأدبي كلمة تحتوي العالم سواء كان امرأة أم رجلاَ. فالنسيج الانساني واحد. لكن المرأة محكومة بالعادات والمجتمع والتقاليد وأصولية شرقية عبر عصور طويلة.. وحرمت من العلم والثقافة.. وكانت وظيفتها محددة (البيت والانجاب).. لذلك نمت لديها موهبة "القلب".. وانشغلت عن حصاد العقل.. وبقيت رازحة تحت الجهل والتخلف! وحين بدأت تتحرر كان العلم (سلاحها) وليس الابداع. لأن الشهادة لا تعني الثقافة! فكيف تستطيع أن تبدع وتجوب حقول المعرفة وحريتها مكبلة؟ من هنا كانت انطلاقة الرجل أوسع وحريته أكبر.. ولا أتهم الرجل وحده بالظلم.. إنما هناك عوامل بيئية واجتماعية. ولا تتحرر المرأة الا بعدالة الرجل مع المرأة. كثير من المبدعين عبروا عن المرأة: نزار قباني، طه حسين، دستوفينسكي، جوته، محمد عبد العليم عبد الله، فلوبير، مدام بوفاري.. الخ. وأجمل ما في المبدع أن يعرف ماذا يكتب؟ ومايحقق من افكار تؤدي الى تغيير عميق في الاشياء، في المفاهيم، في الابداع، في الحياة.. والزمن لا يتوقف..*- أين يقف العشق في كتاباتك؟ وكم فسحة ترين فيه؟ **- انا ابنة صلوات الحب الانساني.. مجدولة بشريان الشعر.. ما نذرت نفسي له، إنما ضحيت بها في سبيله! وكما قال ابن عربي: أدين بدين الحب أني توجهت ركائبه فالحب ديني وايماني أرضي دائما عطشى للحب.. ودلو روحي ماء زمزم مفقود.. شفغي طيوف لماحة بالوجد والفقد.. وكلماتي نبض ناي مجرح بأصابع الحب.. أنا كالطفلة التي لا تكبر، أتلمس نار الحب وأحرق أصابعي على الورق.. وكلمة كلمة هي بخور الوجدان وصلاة الورح التي تتحول، مع الكتابة، الى طقس من طقوس العبادة. بالكتابة أتطهر.. وبالحب أحيا وأحس بمعاناة الانسانية.. وهناك ارتباط وثيق بين الحب والفن. ولكل مبدع ملهم لنفسه، لأن النفس الشاعرية أرواح تتحرك.. وحين تفقد أجنحتها تسقط في الفراغ ثم تتجسد في جسم الانسان المحب والشغوف بالجمال.. والمبدأ الاساسي الذي يجمع الماء والنار والتراب والهواء هو الحب! والحب كمفهوم عام أضيف الى مفاهيم القيمة الحق والخير والجمال.. وكل الادباء والشعراء يربطون الحب بالفن والجمال.. قال أحدهم: الشيخوخة لا تحمي الحب.. إنما الحب يحمي الشيخوخة.. وافتضاحي به في كتاباتي.. ما أجمله! أليس هو أجمل معصية؟! وقال أحد الشعراء: إذا عصي الحلم جعلت الهوى ربّا وإن لم يكن معبودا فالله محبة لا متناهية.. وجبل الطيف بأنفاس الحب.. ولولا الحب لانتفت أسباب الحياة..
|