|
منتهى المصيص
|
|
2006-06-05 |
خاص "نساء سورية" جلست أمامي ومزيج من الذهول والحزن يتخلل كلماتها.. بكت ولم يكن باستطاعتي مسح سوى بعض الدموع عن خدها وأما دموع قلبها فلا يمكن أن أفعل لها شيئاً.. حدثتني وأنا مثلها ذاهلة صامتة.. أصغي.. لما تقول: " في ذلك اليوم بحثتُ عن حرية الخوف في مدينة زعموا أن الأمان يسكنها وأنها مدينة الوداعة.. مدينة صغيرة اعتقدت أن لا خوف فيها.. لا أدري إن كان لا يزال هناك أثر للرعب الذي بثه في قلبي ذلك اليوم ولو أن هذا ممكن فقد يكون لهذه الكلمات أن تُخرج من داخلي آخر الرواسب.. في ذلك اليوم.. وجدتُ خلفي.. من بثَّ فيَّ رعباً.. مضى وعبر ولكنه كان كافياً لجعلي ألازم البيت ليومين.. ولأشعر بضرورة الحذر الكبير للأيام القادمة.. ما الذي قد حصل؟ متى أتى؟ منذ أي وقت كان يلاحقني؟ أنا لم أعرف أبداً.. ما أعرفه أن ذلك الخوف لحق بي حتى ما قبل باب شقتي ورمقني بعيون تقدح ناراً.. كنت أقف مذهولة عند باب جارتي أحاول أن أضلل عن مكان سكني.. مشى باتجاهي وكأنه سيمسك بي.. صرخت لا أدري بأي شيء.. لكني صرخت بأقصى ما استطعت.. ومضى الخوف خائفا من صوتي.. و قال: "لم أفعل لك شيئاً".. حقا لم يفعل شيئاً ولكن من يستطيع أن يعاقب نظرة مغتصبة.. من يستطيع أن يعاقب شخصا سبب أذى نفسي لروح مسكينة.. لم أكن معنية شخصياً بل كنت معنية كامرأة وأخذت أتفحص شكلي الخارجي وأنظر إلى نفسي إن كان بي شيء مثير!!.. كنت أرتدي ثياب عادية وشتوية.. وأخذت أتذكر طريقي: كنت قادمة من العمل وأحمل الخضار لأعد طعام الغداء وأمسك بالأكياس باليدين معاً.. وأتذكر أني كنت متعبة من الأغراض ولم التفت حولي كثيراً ولم ألحظ أحد خلفي.. "وما كان مني عندها سوى تهدئتها وتوصيتها بالحذر للأيام القادمة بأن تقفل الأبواب جيداً وأن عليها أن تعتاد السوق وأولاد السوق.. لكنها أكملت بصوت متهدج مترع بالشهقات والارتجاف.. "لم أكن أتخيل أن تعاملني المدينة التي تغنيت بشوارعها بفظاظة كهذه.. لا يمر يوم دون أن يحاول راكب دراجة ما لفت اهتمامي والمرور بي وهو يمشي بسرعته القصوى بجانبي وإخافتي.. قبل تلك الحادثة لم أكن اهتم وكان ذلك كله هامشيا بالنسبة لي.. وأما بعدها صرت أرتجف إذا ما مرَّ أحد بجانبي وأحمل معي مشرطاً حاداً للحماية.. وكأني في شوارع لو س أنجلوس!.. أمشي في الشارع العيون تترقبني وكأن لا عمل للناس إلا المراقبة.. متى سنتعلم ألف باء الحرية الشخصية.. متى سنترك الآخر وشأنه دون ملاحقته بحشريتنا.. و لا يمر يوم دون عشرات الكلمات من هذا وذاك.. بعضها تحيات صباحية وأخرى مجاملات بالجملة.. وهناك شرَّ البلية ما يضحك مقولات مثل ((ليش عم تضعفي كليلك شوي)). أفكر حقاً من المسؤول عن كل هذا التحرش بالنساء ولا أحد مثلاً يتحرش برجل ما.. ولماذا تترصدنا النظرات والعيون المشتعلة واللمسات القسرية .. هل هو الكبت الاجتماعي أو كبت الحريات أم كبت الحب هو المسؤول عن كل هذا.. ترى هل الأخلاق هي فقط المسؤولة عن هذه الحوادث !! و هل أستطيع أن أشتكي لأن هناك رجل ما يأكلني بنظراته!!! .. " لم تكن صديقتي ضعيفة في أي يوم عرفتها فيه ولكن عندما يتعلق الأمر بتهديد ذاتها وكيانها وتهديد جسدها كان ذلك خوف لأول مرة تواجهه.. ربما مرت تلك التجربة على خير.. لكن ماذا سيحصل لتجارب أخرى؟؟ .. .. .توجد حوادث الاغتصاب في كل بلدان العالم ولكن ليس هناك بلد في العالم فيه اغتصاب بصري كما في هذه المدينة. هذا يذكرني بقول أبشع الجرائم هي تلك التي ليس لها عقاب.. إننا بحاجة إلى ترفع إلى سمو.. إلى إنسانية غير مقتولة.. نحن بحاجة إلى وعي ثقافي.. إلى اكتفاء عاطفي مفقود.. نحن بحاجة للحب لنتخلص من كل عقدنا وأولها الجنس.. نحن بحاجة فقط للحرية.. .. .. 26/2/2006
|