|
شخصية امرأة فلاحة.... شدتني، وتركت في نفسي أثراً لايمحى ! |
|
|
|
فلورنس غزلان
|
|
2006-06-05 |
خاص "نساء سورية" بسيطة.. ذكية محبة للجمال وللحق، أم حنون.. تتسم بالصدق، لم تتعلم ولا تعرف من القرأن الا بضع آيات... درستها في الكتاب مثل كل بنات وأبناء جيلها وعهدها... لتعرف الصلاة وتحفظ بعض السور... لكنها مثقفة بالحياة، تفهمها ببساطة الفلاحة ابنة الأصول، لم تكن تقليدية بكل شيء، بل وجدت فيها الكثير من الشيم والصفات التي نحلم توفرها بكثير من مربيات الجيل الصاعد اليوم في وطننا السوري.. تحفظ مئات القصائد من الشعر النبطي، ومئات القصص التي قيلت فيها وبمناسباتها تلك الأشعار... كانت تتقن فن الرواية.. لايمل المستمع الى قصصها وأشعارها... تأخذك لعالم الصحراء والقمر، تحملك لعالم الحب النقي والعذري، والذي يصل حد الهيام والوله بين المحبوب المعشوق والعاشق... لكنها في الوقت نفسه امرأة مكافحة ومظلومة من المجتمع، لاتختلف كثيرا عن بقية نساء عصرها... لكنها كانت ترى أملاً ومنقذاً وحلماً تقرأه وتشجعه في عيون الأبناء والأحفاد فيما بعد.. تصغي لأحاديث المثقف منهم وتأخذ عنهم... تحمل همومهم الاجتماعية، وتحمل صوتهم... الى حيث تحل.... بين صديقات الحي وجارات السكن... لاتخجل من سيجارتها... تدخنها في الشارع والطريق... تحس بأنها تمارس حريتها من خلال سيجارتها!... عن لي يوماً أن أسألها... بعد أن غدوت واحدة من أهل بيتها الكبير... بحكم زواجي من أحد أبنائها... كيف يسمح لك زوجك، والذي أعرف عنه تمسكه بالعادات والتقاليد الى حد كبير، وتصلبه في آرائه بحكم كونه شيخاً من شيوخ العشيرة... بالاضافة لكونه قريبك... كيف يسمح لك بالتدخين بهذه الصورة العلنية.. ؟؟ ابتسمت قائلة:ـــ أتعتقدينني وصلت هذا الحد دون مقاومة ؟؟ كدت حيالها أصبح في عداد المطلقات وأخسر أسرتي!!... حينها روت لي... أنها كانت مدللة عند أبيها ومفضلة حتى على الذكور من أخوتها... وتعلمت التدخين صغيرة... وكان والدها من يحضر لها سجائرها... ولهذا... لم يستطع زوجها وابن عمها الصمود أمام اصرارها ودعم والدها لها........ ثم أردفت:... أعرف أن في التدخين ضررا صحيا لي... لكنه متعتي الوحيدة التي اخترتها بمحض ارادتي ولم تفرض علي فرضاً!!!! من هنا فهمت... أنها تمارسها كرمز من رموز الحرية... . حرية الاختيار... حتى لو كنا نختار الموت... ... ..فانه ممارسة للحرية أيضاً. هذه اللمحة الصغيرة عن امرأتي التي اخترتها اليوم... وبتم تعرفون مقدار قربها مني... واختياري لها لم يأت كي أروي لكم حياتها... اطلاقاً... بل لمحات ومقتطفات من حياة هذه المرأة... رغم بساطتها... ربما فيها مانتعلمه... فيها ماتفتقده الكثيرات... تحمل وعياُ نحلم أن نراه... بين صفوف المتعلمات من هنا أريد رواية حادثة صغيرة، جعلتها تصبح كبيرة وكبيرة جداً بنظري، وتزيد من احترامي وتقديري لها على مدى حياتي التي عرفتها خلالها... كما سبق وأسلفت.. الزوج كان أحد " مخاتير العشيرة "، جلس يوماً بين رجالات الحي في مضافته وجمعهم حوله... يحمل صندوقاً صغيراً ليجمع تبرعات من أهل الحي... تأخذ شكل الفرض عليهم..طالباً من الجميع مساعدته في المشروع... شارحاً لهم الغاية " تبرع أحدهم ببناء مسجد في الحي" ولهذا يجب على كل أسرة أن تدفع مبلغ عشر ليرات سورية عن كل فرد من أفراد الأسرة لتنفيذ المشروع... بالطبع... هذه المرأة العظيمة... كانت على الدوام بينهم... انتظرت أن ينهي زوجها خطبته... .فانبرت له وللحاضرين قائلة :ـــ لدي اقتراح:... !... ان كنتم تسعون لأجر وفضل عند ربكم تجدونه في آخرتكم... . فباعتقادي أن بناء المسجد لن يكون فيه ثوابا أكبر مما سأقوله لكم... في هذا الحي... وضمن أبناء عشيرتكم كبيرة العدد... الكثير من المساجد... وبين المسجد والمسجد... خطوتين... فقط... وتحتاج المساجد لعناية وشيوخ... ومصلين أيضا... وما فيها كافيها... لكن... هناك الكثير من هذا الحي والمنطقة.. فقراء ومساكين... ولا يملكون ثمن الدواء لأبنائهم وأسرهم العديدة الأفراد... والمشفى الوطني..معدا للموت!!.ولمن يريد أن ينهي حياته... "الأطباء لايداومون... والممرضون يسرقون الدواء ويبيعونه."... لكني أرى... أنكم لو بنيتم على هذه الأرض المتبرع بها... مســـــتـــوصــفـــاً، ففي هذا الحي وحده أكثر من عشرة أطباء من مختلف الاختصاصات... تفرضون عليهم التناوب في الدوام لساعتين في اليوم على أقل تقدير، من أجل فقراء الحي والمنطقة..وبهذا لن يخسروا مرضاهم من ذوي السلطة والمقدرة..وبنفس الوقت يكونون قدوة لكل أبناء البلد، وأنتم... ينالكم ثواباً وأجراً كبيراً عند ربكم أكبر من ثواب المسجد... حسب اعتقادي !!! توقفت العيون عن الحركة، والشفاه عن النطق... ضحك زوجها وقال : ــ أقسم لك ياأم..؟.. أن ماقلتيه هو من أقوال الصالحين، وأنت امرأة من أهل الجنة... لكني متأكد كل التأكيد... أن مثل هذا المشروع لايسمح له أن يرى النور... فان أقنعت أهل الحي فلن نحصل على موافقة السلطات المختصة !!! انبرت تحاول... وجاهدت لاقناعهم... ووعدوها بالمحاولة... لكن زوجها كان واثقا... خاصة حين قال : ــ المتبرع يريد أن يضع لوحا فوق باب المسجد يحمل اسمه... ليقال أنه المتبرع... يريد أن يقال أنه مؤمن... يريد أن يشتري قطعة في الجنة!!!!!!!!!!! لكنه لايريد شراءها بشكل فعلي وعملي... .انه يشتري المظهر... . ويزاود مع المزاودين في سوق الايمان... المنتشر هذين اليومين!!... انك والله الأصدق بينهم... وان ايمانك الأعمق فيهم... . هذه فكرة امرأة فلاحة!... لا تعرف القراءة ولا الكتابة... لم تدخل مدرسة... الا مدرسة الحياة.. وقد كانت ابنة الحياة فعلا... وقد أعطتها الكثير... أعطت الوطن شهيداً... والمجتمع... الكثير مثل الكثيرات من أمهاتنا... كما الكثير من نسائنا المجهولات في تاريخ أيامنا... هذا هو الموقف موقف الانسان من الأحداث حوله... تفاعله فيها... محاولاته على الفعل والتأثير... قدرته على الابداع... فما طرحته كفكرة... . يعجز عنها الكثيرين... رغم بساطتها... لكنها كانت كبيرة.. كبيرة بكل معنى الكلمة... .رحمها الله وأغمدها فسيح جنانه...باريس 04/01/2006
|