|
الإعلام وعملية التغيير الاجتماعي |
|
|
|
زينب نبّوه
|
|
2006-06-04 |
"نشرت هذه المادة على حلقتين في جريدة "النور" الأسبوعية السورية- نساء سورية""المرأة في الإعلام" ما يميز عصرنا الحالي أنه عصر الإعلام، فقد تطورت تطوراً ملحوظاً تكنولوجيا الاتصالات في مختلف وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة، وما تمثله من انعكاس للأفكار والمعاني. والتفاعل معه، أثره الإيجابي أو السلبي على سلوك الناس كباراً كانوا أم صغاراً، رجالاً أم نساء. هذه التطورات التي شهدتها الساحة الإعلامية العربية في ضوء تعدد المراكز الإعلامية "القنوات الفضائية، وشبكة الإنترنت، ووسائل الاتصالات"، شكلت في عالمنا الداخلي طفرة اجتماعية ذات أهمية، حيث يشاهد الناس التلفزيون مثلاً بمعدل وسطي 5 أو 6 ساعات يومياً، ما يعادل 35 أو 40 ساعة أسبوعياً، وهو ما يعادل ساعات العمل. وهذا التطور كان من المفروض أن يوفر فرصاً أكثر للمرأة العربية لتعزيز صورتها الإيجابية وغير النمطية. وبالتالي إعادة تشكيل الوعي السياسي والمجتمعي حول دورها الأساسي في مسيرة بناء المجتمع وتطوره. والسؤال: لماذا الاهتمام بصورة المرأة التي تقدمها وسائل الإعلام دون الاهتمام بصورة الرجل؟ تتخلص الإجابة في وجود خصوصية تاريخية ومجتمعية لواقع المرأة ومشاكلها في المجتمع مقارنة بوضعية الرجل والأدوار التي يقوم بها، فهناك قطاعات واسعة من النساء لم يحصلن على حقوقهن في التعليم والعمل والممارسة السياسية، وهنّ يتعرضنّ لمظاهر شتى من الاعتداءات والتمييز المادي والمعنوي، وبالتالي فإن استمرار مشاكل المرأة في المجتمع يفرض على وسائل الإعلام الاهتمام بمناقشتها والبحث عن حلول لها. وبقي الإعلام والسياسة عمل الرجل بامتياز.. والسؤال: من أين جاء هذا التقسيم؟ لا أحد يعرف، لكنه يكاد يكون صحيحاً في معظم المجتمعات العربية التي تكرّس التمييز ضد المرأة. الذكور والإناث يدرسون معاً المناهج المدرسية، ويعيشون المعاناة نفسها، ويواجهون الأحداث نفسها، ويبقى التمييز بين الجنسين راسخاً. والسؤال: هل ساعد الإعلام على تطوير نظرة المجتمع إلى المرأة، ونظرة المرأة إلى نفسها؟ وما إذا كان الإعلام قد اهتم بالمشكلات الحقيقية التي تعانيها المرأة ومساعدتها في إيصال صورتها عبر وسائل الإعلام لكي تأخذ دورها الحقيقي في المجتمع، وتشارك في صنع القرار الاجتماعي والاقتصادي والتربوي وحتى السياسي؟ وهل استطاعت الفضائيات العربية ببرامجها أن تحاور عقل المرأة المعاصرة ومواضيعها، والغوص في المشكلات التي تعانيها النساء العربيات عموماً؟ وهل البرامج المحورية المتعلقة بالمرأة تتحسن، أم أنها بقيت طرحاً شكلياً وسطحياً؟ برأيي أنها لم تستطع المساس بأية نقطة جوهرية، ولم تغص في العمق بموضوعية، ولم تستطع حتى الآن تشكيل رأي عام حول القضايا المثارة. فالثقافة الذكورية مازالت سائدة في العالم العربي، وبالتالي الإعلام الذكوري هو المهيمن على برامج الفضائيات العربية، وهذا يؤدي إلى نقص الثقافة العلمية، وغياب مفهوم المحاورة البناءة. والبرامج النسائية على الفضائيات العربية ماتزال تتناول قضايا المرأة قبل عقود، وتصورها على أنها لاتزال تعيش خارج عصرها، مظلومة ومتخلفة تبحث عن الإنصاف من رجل شرقي متعصب لأبناء جنسه،.. تصوِّر الرجل أحياناً أنه مغتصب لحق المرأة، ويستولى على راتبها الشهري ويأخذ ثمرة جهدها، وكذلك تصوير حالات العنف ضد المرأة خاصة العنف الجسدي الذي يطرح بقوة هذه الأيام بهدف استعطاف المشاهد على المرأة الضعيفة في المجتمع، بدلاً من التركيز على فتح ملفات أهم وأعمق لكسر الطوق المفروض عبر العادات والتقاليد والقوانين المجحفة، والعمل على إزالتها بوضع قوانين متطورة تتلاءم مع وضع المرأة المعاصرة، وبالحوار الهادئ والموضوعي وبمشاركة الرجل الذي بيده مفاتيح الحل للكثير من المشاكل التي تواجهها المرأة في حياتها. برامج تبرز المرأة أنها فاعلة في مجتمعها، لها دور سياسي واجتماعي مهم يساعد على تغيير النظرة إليها، ولأن الرأي العام منصرف إلى قضايا ذات طابع سياسي مصيري يعتبرها محور اهتمامه بالدرجة الأولى. في الفضائيات العربية نرى عملية فصل بين الرجل والمرأة من خلال العناوين التي اتخذتها لبرامجها، مثل برنامج "للنساء فقط" (قناة الجزيرة الفضائية)، و"كلام نواعم" على إحدى الفضائيات اللبنانية، فهذه تكرّس الواقع المفروض وتضع الحواجز بين الجنسين. وهذا خطأ غير حضاري، منها استبعاد الرجل ومنه من إبداء رأيه. والعمل الصحفي كي يحقق نجاحه يجب أن يكون ذا شعبية واسعة، وهذا ما تفتقده البرامج النسائية على الشاشات العربية. هذه البرامج لا تصل إلى شرائح واسعة من المجتمع لأنها موجهة عبر مواضيعها إلى نخب معينة بشكل عام وبعيدة عن الأجواء العامة التي تعيشها المجتمعات العربية، ولا تجعل منها رأياً عاماً تتمحور اهتماماته في ظل تداعيات مصيرية تحيق بالجميع ذكوراً وإناثاً ومن مختلف الشرائح والاتجاهات والفئات. لقد أثبتت الدراسات والإحصاءات أن المرأة العربية هي الأكثر تعرضاً واستخداماً لوسائل الإعلام المختلفة، ربما بحكم الوضعية المفروضة عليها.. والقيود الأسرية والاجتماعية التي تحد من حركتها. وبالتالي تفرض عليها المكوث في البيت لفترات طويلة مقارنة بالرجل.. مما يجعلها تتعرض لوسائل الإعلام خصوصاً التلفزيون حيث وضع المرأة مادة أساسية في مضامين التسلية والترفيه. أي أن صورتها تُنتج ويعاد استهلاكها بواسطة المرأة نفسها كمستهلكة للإعلام دون أن يقوم الإعلام بدوره في تصحيح صورة المرأة العربية. في كل الفضائيات العربية، هل نسمع صوت المرأة العربية المنتجة، والباحثة، والسياسية، والمقاومة، والمهمشة، والفقيرة، أو حتى امرأة تعمل من الصباح إلى المساء لتعيل أسرتها.. نادراً ما نسمع صوت هؤلاء النسوة، بل نرى تسطيحاً كبيراً لقضية المرأة العربية الذي من مظاهر وجوده: 1- استخدام وتوظيف صورة المرأة الجسد عنصراً لجذب اهتمام الرجل المستخدِم لوسائل الإعلام، الفيديو كليبات التي شوهت صورة المرأة الإنسانة إلى أبعد الحدود وتعاملت معها كجسد مثير للغرائز الجنسية. 2- الدعايات لعرض سلع أو خدمة لا توجد علاقة منطقية بينها وبين المرأة "صورة المرأة في الإعلانات التجارية، الأبراج وغيرها". 3- اعتماد الإعلام العربي على خطاب تقليدي في التعامل مع المرأة يؤكد أدوارها التقليدية في المجتمع، ويركز هذا الخطاب على مواضيع: الموضة والتجميل والأزياء والطهي والرشاقة والإنجاب والتربية، وهي مواضيع قد لا تهم قطاعات مؤثرة من الفتيات والنساء، كما أنها لا تشجع المرأة على المساهمة في جهود التنمية أو تمكنها من ممارسة حقوقها القانونية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية. صحيح أن هناك تقدماً باتجاه إعطاء أهمية لتغيير صورة المرأة في الوسائل الإعلامية، غير أنه لاتزال هناك فجوات كبيرة تهدد هذا التقدم، فلاتزال مواكبة الإعلام لمسيرة تطور المرأة وأوضاعها الاجتماعية والقانونية ضعيفة تتمثل في انخفاض مستوى البرامج عن الحد الذي تتطلع إليه المرأة في مواقعها المختلفة. وظلت الصورة النمطية للمرأة هي الغالبة على معظم البرامج والمعالجات الإعلامية لقضايا المرأة ودورها وحقوقها.. الأمر الذي يتطلب ضرورة الاهتمام بتغيير هذه البرامج والعمل على إغناء مضمونها بما يهدف إلى تطوير نظرة المجتمع إلى المرأة وتمكينها من القيام بدورها الحقيقي. المرأة الإعلامية في سورية تشكل المرأة الإعلامية في سورية أكثر من ثلث الإعلاميين السوريين، وهذه خطوة كبيرة وهامة، لأنها تشكل حضوراً نوعياً حديثاً.. ولكن هل هذا الحضور على الساحة الإعلامية جعلها فاعلة حقيقية في صنع القرار الإعلامي، وفي التطبيق العملي له. هذا الحضور لا ينسجم مع مشاركتها في صنع القرار الإعلامي. وما تقدمه في الإعلام نادراً ما يتصف بالتحليل السياسي أو النقد الفكري، قد تبدع في مجال تربوي واجتماعي، أو حتى صحي، ولكنها تختفي في مجالات التصدي لمسألة فكرية أو سياسية أو اقتصادية؟ والسؤال لماذا؟ السبب هو الابتعاد عن المواقف الصعبة وعدم الرغبة في التحدي، وبالتالي السبيل الأسهل للتعبير هو الدافع لموقفها هذا.. ولأن السياسات الخاصة بالمرأة الإعلامية لم يطرأ عليها أي تغيير إيجابي في تهيئة الإعلاميات وإعدادهن ومساعدتهن بكل الإمكانات لتطوير عملهن في مواقعهن المختلفة، خاصة أن الإعلامية تواجه تحدياً حقيقياً، وهي صورة المرأة في المجتمع.. ولا نستغرب حين تبدأ علامات الدهشة بالارتسام على وجوه البعض وهم يسمعون سيدة تطل عبر الشاشة تحاور في أوضاع سياسية واقتصادية أو اجتماعية، وكأنها تصنع معجزة لمجرد أنها امرأة، ذلك "الكيان الضعيف الأقل شأناً ومرتبة وذكاء من الرجل"، فما زلنا نعيش حتى اليوم في مجتمع تسيطر عليه عقلية رجعية مفادها أن مكان المرأة الطبيعي هو البيت والمطبخ. وهناك مشكلة تعانيها الإعلاميات العربيات، خاصة في مجال الإعلام الإخباري عندما يصبحن كبيرات في السن، فلا يعدن مقبولات ومهددات بالاستغناء عن خدماتهن، والاستعاضة عنهن بشابات لا يملكن خبراتهن وإمكاناتهن السياسية والثقافية، إلا أنهن يملكن إمكانات أخرى. وقد تلجأ بعض الإعلاميات نتيجة هاجس العمر إلى عمليات تجميل للوجه، وهذا خطأ فادح في المجال الإعلامي.. فالمرأة يجب أن تؤخذ على كفاءتها... بينما نلاحظ في البلدان المتقدمة أن أهم المذيعات بلغن مرحلة متقدمة من العمر، فهن أكبر سناً وأعمق وعياً وأبسط شكلاً، وهذا مأزق تعيشه الإعلامية في العالم العربي. أضيف أيضاً أنه غير صحيح ما يحاول البعض تصويره أن المرأة الإعلامية العربية لا تهتم إلا بشكلها، وبالتالي آخر اهتماماتها الأفق السياسي والثقافي. فهناك إعلاميات عربيات يبدعن في إدارة الحوارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحتى في الدراما التلفزيونية. ولو أتيحت لهن الظروف المناسبة لأصبحن أكثر إبداعاً في عملهن. وأخيراً: لا شك أن للإعلام دوراً مهماً في التثقيف والتوعية والتوجيه، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، ويسهم ذلك بنصيب في عملية التغيير الاجتماعي، ولكن الإعلام وحده لا يستطيع تغيير المجتمع، لأن عملية الإصلاح الاجتماعي بطبيعتها عملية مركبة تتفاعل فيها عوامل كبيرة ابتداء من التربية في البيت والمدرسة، إلى طبيعة القيم السائدة في المجتمع، إلى تأثير الثقافة والفنون والأدب، إلى مدى النجاح الذي تحققه الأحزاب والمنظمات الأهلية والنقابات وغيرها.. وهذا يدعونا إلى إعادة النظر: 1- في المناهج التربوية، لنرى ماذا تقدّم لأبنائنا من أفكار وقيم عن المرأة. 2- تمثيل النساء في الاتحاد والمنظمات المهنية للصحفيين وإشراكهن أكثر في الدورات التدريبية لتطوير كفاءاتهن الإعلامية. 3- تمكين المرأة من الكتابة في المجالات والقضايا والحقول التي تهم الرأي العام، وعدم حصرها في صفحات المطبخ والأزياء والأمراض وغيرها من الأمور التقليدية. 4- مراقبة مدى مواكبة الإعلام لمسيرة تطور المرأة.. هل ينهض بتنميتها ثقافياً واجتماعياً وسياسياً؟ 5- إزالة العقبات التي ماتزال تعترض المرأة العربية العاملة في قطاع الإعلام، وهذه المعوقات تحتاج إلى بذل المزيد من الجهد ليس لإثبات كفاءة المرأة، بل تغيير الصورة النمطية السائدة عنها ودورها وإمكاناتها لتغيير شكل مضمون الرسالة الإعلامية وتشكيل الوعي المجتمعي. 6- إجراء مزيد من البحوث الأكثر شمولاً ودقة بحيث تشمل صورة المرأة في الإعلام باستخدام أدوات ومناهج بحثية تنتج معرفة وآراء المرأة نفسها في الصورة التي يقدمها فيها الإعلام. الذي يجب أن يقود هذه الأبحاث هو احتياجات المجتمع وضرورة مساهمة في المرأة في جهود التنمية البشرية. 7- إظهار الصورة الحقيقية للمرأة، وسماع صوت المرأة العربية الفقيرة والمهمشة والفلاحة والعاملة والتي تمثل شريحة واسعة في مجتمعاتنا العربية. 8- وضع برامج تبرز المرأة أنها فاعلة في مجتمعها، لها دور سياسي واجتماعي مهم، لأنه يساعد على تغيير النظرة إلى المرأة.3/8/2005 جريدة النور
|