|
سوريا بحاجة إلى مشروع "مجتمعي" للدمج |
|
|
|
أيهم أسد
|
|
2006-06-04 |
خاص: "نساء سورية"أثارني الموضوع المهم الذي نشره موقع نساء سوريا عن المشروع الذي قامت به وكالة جايكا اليابانية لدمج ذوي الاحتياجات الخاصة في القرى الريفية الأربعة في محافظة ريف دمشق. وسأبدأ من حيث انتهى المقال. لكن بسؤال معاكس لسؤال الزميلة ردينة حيدر، كاتبة المقال، لأقول: "ماذا قبل مجيء جايكا"؟! ثم أسأل بعدها: "ماذا بعد رحيلها"؟! أي ماذا كان يفعل المجتمع السوري بذوي احتياجاته الخاصة (وتحديدا في تلك القرى) قبل مجيء جايكا إليه؟! وماذا سيفعل بعد ذهابها؟! أعتقد أن دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع يحتاج بالدرجة الأولى إلى ثقافة دمج لا تأتي من الندوات والمحاضرات والوكالات الدولية، بقدر ما تنبع من التربية الداخلية للمجتمع ذاته. وتحديدا من التربية الأسرية البيتية. أي أننا بحاجة إلى تدريب ذواتنا وذوات أولادنا على تغيير نظرتنا لذوي الحاجات الخاصة، من نظرة استعطاف وشفقة ورحمة إلى نظرة مفادها أن هذا الإنسان يملك أشياء ما بالقدر الذي فقد فيه أشياء أخرى. وأن تلك الأشياء التي يملكها هي ذات معنى وجدوى إن استطعنا استخلاصها منه بطريقة إنسانية. وبالتالي نحن بحاجة إلى أن نمارس سلوك جديد مبني على أن هذا الإنسان الذي أمامنا ليس مركز عطالة، بل مركز حركة بالمفهوم الاجتماعي للعطالة والحركة. هذه العملية التي تبدو بسيطة لفظيا إنما هي معقدة سوسيولوجيا وسيكولوجيا، وتحتاج إلى حضن اجتماعي، واستعداد وتهيئة اجتماعية غير متوفرة، على الأقل حتى الآن، في المجتمع السوري الذي مازال ينظر لذوي الحاجة الخاصة على أنه حالة قدرية /خارجية من عند الرب! لا يمكن التحكم بها، ويجب إخفائها قدر المستطاع! في حين أن النظرة الصحيحة تقتضي النظر إلى تلك الحالات على أنها حالة اجتماعية / داخلية يمكن فعل شيء تجاهها ويجب إظهارها للجميع. وأنا أعتقد أننا ما زلنا بعيدين عن هذه الرؤية الاجتماعية. الأمر الذي يعقد عملية الدمج أكثر في المجتمع. من حيث المبدأ، ولضمان نجاح عملية الدمج، نحن بحاجة إلى المستلزمات الاجتماعية للدمج أولا (أفكار. تربية.سلوك. مواقف... الخ) أكثر مما نحن بحاجة إلى المستلزمات التقنية للدمج (مراكز. تجهيزات. كوادر...الخ). الأولى هي إنتاج تراكمي داخلي بحت، والثانية يمكن استقدامها من الخارج. أي أننا بحاجة إلى موقف اجتماعي للدمج قبل الموقف التقني له. بالطبع لا يمكن نكران الدور الذي قامت به جايكا. مثلما لا يمكن نكران الأدوار الفردية للعديد من الأشخاص المشغولين والشغوفين بعملية الدمج تلك. ومن واجبنا أن نرفع لهم القبعة احتراماً. إلا أن جميع هذه الأدوار تبقى مثل اللصاقات الإسعافية التي لا توقف النزيف إلا مؤقتا. في حين أن الحل الحقيقي إنما يكمن في تعديل البنية الاجتماعية بشكل كامل. وهذا التعديل يقع على عاتق المجتمع ككل بدءاً من المنزل والمدرسة والمجتمع المدني والحكومة وأي تنظيم اجتماعي آخر.. أي أنه في النهاية يقع على عاتق نظام اجتماعي كامل. جاءت "جايكا"، ونفذت مشروعها، وذهبت.. لكن ما بقي هو المجتمع السوري بقيمه وعاداته وسلوك أفراده. وربما استطاعت "جايكا" البدء بمشروع ما بأدواتها. فهل يستطيع المجتمع إكمال ذلك المشروع بأدواته؟ وربما استطاعت "جايكا" إخراج ذوي الاحتياجات الخاصة من منازلهم إلى الساحات والملاعب، ولكن قد يعود المجتمع ويدخلهم إلى أعمق من المنازل مرة أخرى إن لم يحدث تغيير تدريجي في الثقافة الاجتماعية القائمة حاليا تجاه هؤلاء البشر. وفي النهاية نحن أمام أنفسنا فقط: إما أن نفعل أو لا نفعل! وكل شيء مرهون بنا. 30/8/2005
|