|
مشروع الدمج: مبادرات فردية جبارة وإيماءة غزل من قبل الحكومة! |
|
|
|
ردينة حيدر
|
|
2006-06-04 |
خاص: "نساء سورية"بعد سنتين ونصف على المرحلة التجريبية معظم العاملين عليه متقاسعين، وغير متفهمين! ثمة حاجز شفاف بين الحياة والموت بين الأسود والأبيض بين الحب والكره بين العلم والجهل بين الجهل والمعرفة. الحاجز الذي أثبت جدارته دائماً أمام جهلنا وتخلفنا المطلق واستمر في النمو حتي امتد إلى عيوننا وأرواحنا وصار عصياً على الكسر، أو صار كسره يتطلب بالتأكيد كسرنا، وإعادة بنائنا من جديد! ومن يملك الوقت والإرادة لإنجاز ذلك؟! لكن ماذا إن فعلناها حقيقة! عندها ستكون الأبواب كلها مشرعة أمامنا ولن يحدنا قدر أو موتَ! فهناك بناء دائم وحياة مندفعة نحو آلاف الاحتمالات وآلاف الأطياف من التنوع والتلون. كان هذا العنوان الفعلي لورشة عمل مشروع دمج ذوي الاحتياجات الخاصة على شاطئ الأصيل في طرطوس. فمن المفترض أنه لكل دوره المنظم في عملية الدمج وعملية كسر الحاجز المتمترس بين المعوق والمجتمع والذي يبدأ أولا بالفهم والمعرفة، المعرفة التي دفع –دائما- الإنسان ثمنها غالياً، لكنها ارتقت به عبر العصور. وبالرغم من أن مشروع دمج ذوي الاحتياجات الخاصة بالمدارس النظامية والمجتمع لا يزال حديث العهد في وزارة التربية مع وجود جهات داعمة (اليونيسف، اليونيسكو، إغاثة الطفل البريطانية، إغاثة الطفل السويدية، مؤسسة رضا كريم سعيد الخيرية) إلا أن تلك المجموعة المتواضعة القدرات والرائعة قطعت شوطاً بعيداً في هذا المجال تخطى بزمن ما تقوم به الوزارة الآن من وضع هذا المشروع قيد التجربة بحضور خبرات مستوردة.  مجموعة استثنائية وفاعلة وحيوية من العاملين في مشروع دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في مديرية البحوث في وزارة التربية ومجموعة من المعوقين والأهالي ومجموعة من العاملين في مشروع تأهيل المجتمع المحلي الذي تقوم به منظمة(جايكا) في ثلاثة قرى (حران العواميد الكفرين، الهيجانة) ومجموعة من المتطوعات في روضة تشرين التابعة للاتحاد النسائي في حلب، في جو من التشارك الإنساني الرائع والتفاعل والدمج المباشر دون قيد أو شرط، وبعيداً عن الروتين والعجز الذي يصيب معظم الدوائر الحكومية بالشلل والسرطان. وقد قامت مي أبو غزالة (منسقة في مشروع الدمج في وحدة الدمج) بجهد جبار في سبيل الوصول إلى ذلك الشكل الرائع للورشة مع ناديا أبو عمار (منسقة في مشروع الدمج في وحدة الدمج) بدءاً من الحصول على موافقة وزير التربية(د.علي سعد)الذي كان متعاوناً وفاعلاً ومؤمناً بمشروع الدمج. مروراً بالترتيبات الإعلامية وانتهاءً بترتيب أمور الحجز والأمن الغذائي والذي أشرف عليه الأستاذ المهندس المتطوع (رامز الجندي) وكل المتطلبات الأخرى وقد تجاوز عدد المشاركين الخمسين مشاركة ومشاركاً. وكان البرنامج حافلاً بالنشاطات المتنوعة: (محاضرات، ندوات، عمل ميداني مباشر مع الأطفال في مشروع الدمج، ألعاب، رسم، مسرحيات، حفلات سمر، غناء، رقص،سباحة، سهرات حتى الفجر على شاطئ البحر...). تم تقسيم العمل إلى مجموعتين الأولى (الأطفال المعوقين وغير المعوقين) والثانية مجموعة المشاركين في مشروع الدمج من الأهالي والمتطوعين. ففي يوم الافتتاح حضر مدير تربية محافظة طرطوس (الأستاذ محمد ونوس) ومعه الموجه الأول من قسم الإرشاد ومنسقة الدمج في طرطوس والتي كان من واجبها أن تلازم ورشة العمل لكنها اكتفت بحضور الافتتاح مما يؤكد أن فكرة الدمج لم تتوضح بعد عند أغلب المنسقين للمشروع في باقي المحافظات. كما عملت مي أبو غزالة وسميرة الحاج (منسقة من دائرة التربية الخاصة في مديرية البحوث والتي قدمت جهداً منقطع النظير في العمل مع الأطفال) مع الأطفال من خلال النشاطات المتنوعة التي تهدف إلى تعليم الطفل المعوق عن طريق اللعب لا عن طريق الكتب والواجبات المدرسية. وكان هناك محاضرة قدمتها ناديا أبو عمارحول تطور مفهوم الدمج من السياسات والاجراءات الثقافية والاجتماعية إلى الواقع العملي والميداني. وذلك بمشاركة حية وفعالة للأهالي والمتطوعين في عملية الدمج. في اليوم الثاني أيضاً كان هناك ورشة عمل للأطفال مع مي أبو غزالة وسميرة الحاج وبمشاركة مفاجأة ولافتة من معسكر الطلائع (أطفال ومرشدين نفسيين) فقد كان ذلك بمثابة مشروع دمج حي ومباشر بين أطفال المعسكر والأطفال المعوقين في الورشة وأثبت نجاحاً لافتاً. فقد عبر أحد أطفال معسكر الطلائع قائلاً: كنت قادماً إلى هنا وفي تصوري أن أجد أطفالاً مختلفين عني وغريبين، لكن الحقيقة لم تكن كذلك أبداً فقد لعبنا مع بعض ورسمنا ومثلنا بعض المسرحيات وكونا أصدقاء جدد وأنا ذاهب الآن لأخبر أصدقائي وأهلي عن هذا الاكتشاف. كما تحدثت السيدة كبرية الساعور المختصة بموضوع الإرشاد النفسي في وزارة التربية، حول دور المرشد النفسي في مشروع الدمج وضرورة الربط بين المرشد النفسي وفكرة الدمج والعمل عليها مع أعضاء الهيئة التدريسية والأهالي في آن معاً: دور المرشد الاجتماعي على صعيد الأسرة: إحداث تغيير في الاتجاهات والمعتقدات السائدة حول فكرة الإعاقة. التعريف بالامكانات والقدرات الفعلية لدى الطفل المعاق. إعطاء الأطفال الفرص الكافية لإثبات وجوده. توضيح طريقة تعامل الأسرة والمدرسة مع الطفل المعاق.على صعيد المدرسة: - تغير اتجاهات المعلم في التعامل والمعالجة من عقلية الواعظ إلى عقلية المرشد والصديق. - التركيز على فكرة الاختلاف وتعليم قيم التسامح والتشارك. - التوعية وتقبل احتياجات الطفل ذوي الاحتياجات الخاصة. - إشراك وإقناع أصحاب القرار. - تشجيع المعلم وإشراكه في عملية دمج الطفل المعوق في المدارس النظامية والمجتمع. - القيام بالأنشطة المتنوعة(الرحلات، الندوات،المعارض، المسرحيات، الحفلات، اللعب الرسم والموسيقا. - سد الفجوة بين البيت والمدرسة. - استثمار الإذاعة المدرسية في الشاطات المتنوعة(شعر، حكمة..) - تشكيل لجان رياضية داخل المدرسة وإشراك مدرس الرياضة والاستفادة من خبراته في تنمية قدرات الأطفال الحركية. - إنشاء جمعية أصدقاء المكتبة وانتخاب رئيسها من الطلاب ليتعود الأطفال على تحمل المسؤولية. وألقت ممثلة منظمة جايكا (كاورو تاكيموتو) محاضرة تحدثت فيها عن مشروع جايكا في تأهيل المجتمع المحلي في اليابان وقدمت نماذج وصورعن بعض الحالات التي تم تأهيلها. لكنها لم تقدم أية فكرة عن مشروع تأهيل المجتمع المحلي الذي تقوم به في دمشق في ثلاثة قرى، كما أن المشاركين التابعين للمشروع نفسه من مدرسين وإداريين لم تكن لهم مشاركة تذكر ولم يقدموا أية فكرة عن مشروعهم. وفي اليوم الثالث حضر من محافظة طرطوس كل من الكاتب والصحفي المعروف محمد سعيد الحسين الذي بذل جهداً رائعاً في المشاركة و التنسيق مع بعض العاملين على مشروع الدمج في محافظة طرطوس والدكتور محمود الجمعة (أخصائي أمراض عصبية) والدكتورة هزار سابا (طبيبة أطفال) والأستاذ الشاعر نبيه حسن وهم من المهتمين بذوي الاحتياجات الخاصة والأستاذ عبد الحميد محمد موجه الإرشاد في محافظة طرطوس والذي عبر بدوره عن حماسه وتأييده لفكرة الدمج. وقد تضمنت نشاطات اليوم الثالث والأخير تجارب حية لمشروع الدمج (حالات فردية) فتحدثت السيدة براءة الخطيب (ماجستير تربية وباحثة في مجال ذوي الاحتياجات الخاصة) عن تجربتها ومعاناتها مع ابنها محمد كمال بيك المصاب بحالة داون سيندروم (منغولي سابقاً) وعن نظرة المجتمع المهينة: لقد نظر الناس إلي على أنني أنا المعاقة وليس ابني. وجرى الحديث عن خلاصة تلك التجارب والصعوبات التي واجهت الأهالي الذين اصطدموا بالواقع المزري الذي يكرس فكرة العار التي تحيط بالطفل المعاق وأهله بالإضافة إلى تخلف المجتمع وجهله بآليات التعامل مع تلك الحالات المرضية التي قد يتعرض لها أياً كان وراثياً أو عن طريق الإصابة بحادث ما أو عن طريق الكوارث الطبيعية. كما أكدت الدكتورة هزار سابا وهي الباحثة والناشطة في مجال المعوقين ووالدة الطفل سبيرو المعوق (والذي رفضت المدارس النظامية استقباله ودمجه برغم ذكائه وقدراته الجيدة!وبرغم صدور القانون الذي يسمح بذلك!!) على ضرورة إضافة مادة أساسية (مبسطة) في المناهج التعليمية تتضمن حالات الإعاقة وطرق التعامل معها وضرورة التدخل المبكر وتغيير النظرة التقليدية والمسيئة للمعاق والتي تندرج تحت الشفقة والعار في أغلب الأحيان. 
وأكد الدكتور محمود جمعة على أنه آن الأوان لإدراج تخصص إلزامي في السنة الرابعة لكلية التربية يعنى بذوي الاحتياجات الخاصة. مع الأخذ بالحسبان طبيعة العمل والمكافئات والحوافز والتشجيع من كافة الجهات الحكومية وعدم الاكتفاء بالموجه الإرشادي الداعم والضروري أيضاً. وركز على دور الإعلام في تغيير النظرة المتخلفة والمهينة للمعوق، وذلك من خلال برامج إعلامية منفتحة على تجارب البلدان الأخرى التي تخطت هذه النظرة.وأكدت الدكتورة سابا أن البرنامج الوحيد في التلفاز السوري الذي يتناول المعوقين (مجلة الأمل) هو برنامج قاصر ومنفر ويهدف إلى مزيد من العزل والإقصاء لذوي الاحتياجات الخاصة وأنه لا بد من تغيير هذه الطريقة في معالجة مشاكل المعوقين. وتتابع: في أمريكا مثلا، يتم دمج كافة الحالات بلا استثناء ومهما كانت صعوبة الحالة في المدارس النظامية منذ اليوم الأول في عمر الطفل. ثم بعد (6) سنوات تقرر إدارة المدرسة والمختصين إمكانية متابعة هذه الحالة أو تلك. ثم قامت مي أبو غزالة باختتام ورشة العمل بمحاضرة تضمنت نتائج هذه الورشة والاقتراحات الضرورية لتطوير مشروع الدمج وهي: - الربط بين مشروع الدمج وخطة الإرشاد في وزارة التربية. - تفعيل دور المعلم المدرب وتسهيل عمله ومحاربة الروتين وتعاون الجهات الحكومية. - زيادة الثقة بالخبرات المحلية والاعتماد عليها ودعمها مادياً ومعنوياً. - بناء غرفة مصادر تعليمية خاصة تتضمن كافة التجهيزات ووسائل الإيضاح الحديثة. - توعية كل من مجتمع المدرسة والمجتمع المحلي وأهالي الموعقين توعية خارج إطار الأكاديمية وعلى أرض الواقع لتجاوز النظرة التقليدية. - تطبيق مشروع الدمج ودعمه خارج مدينة دمشق وفي كافة محافظات القطر. - التعريف بالمختصين والمنسقين التابعين للوزارة والعاملين على مشروع الدمج في كافة المحافظات وتفعيل دورهم. - إدراج نظام داخلي لإحداث المراكز الخاصة للمعوقين وتوضيح شروط التراخيص لهذه المراكز. - التأكيد على المركزية في التخطيط واللامركزية في التنفيذ لتسهيل عملية الدمج في المحافظات. - التأكيد على تغيير السياسات الإعلامية التي تتبع مبدأ (الشفقة والعطف) والتأكيد على حقوق المعوقين من خلال برامج إعلامية وذلك بالتعاون بين وزارة التربية ووزارة الإعلام.للأسف، انتهت ورشة العمل الأسطورية وعدنا أدراجنا إلى دمشق الصخب والازدحام والتلوث والتوتر والروتين. حاملين رغبة أن تستمر الورشة شهراً كاملاً. فالعمل المنجز والإيمان المطلق بالحق في الحياة الكريمة ووجود أشخاص أو مجموعات استثنائية في هذه الحياة تعيش على الشغف والسحر والاكتشاف، قد كسر روتين الحياة وخلق خلية أمل جديدة تنشط وتتكاثر في كل الاتجاهات، وأعاد إلي ما أوشك الكلام على قتله. خاصة ونحن نرى أشخاصاً مثل د. سابا وهي تقول: جعلتني إعاقة ابني (سبيرو) إنسانة أخرى مختلفة ومتميزة وشغوفة وفاعلة على صعيد العمل والمجتمع والحياة.. ومثل هبة رعد والدة الطفل محمد شاهين -الذي أصيب بنقص في الأوكسجين بسبب وجوده في المنفسة لمدة (58) يوم- التي فاجأت الجميع بحماسها وقوتها وصبرها وجرأتها في مواجهة إعاقة ابنها: لقد عرضت ولدي على عدد كبير من أطباء العصبية والعظمية..... لكن أحداً لم يشرح لنا أن نقص الأوكسجين يسبب إعاقة! وما هي هذه الإعاقة؟! وهل هي قابلة للتحسن أم لا؟! وماذا يمكن أن نفعل تجاهها؟!... إن أحداً لم يقدم أي شيء! بعد ذلك قيل لي أنه يحتاج إلى طبيب معالجة فيزيائية، لكن كل معالج كان يقوم بدوره بنسف كل ما قام به المعالج الذي قبله على اعتبار أنه مخطئ، فيقدم لنا شيئاً جديداً. لقد تقبلت العائلة كلها إعاقة (محمد) وعمل الجميع على تفهما وتبسيطها والاندماج معها بشكل حقيقي وصادق. لكن المفاجأة الأكبر كانت في ما قدمه أخوه الذي يكبره بأعوام قليلة (بسام) والذي كان يصر على دعوة أصدقائه إلى البيت ليتعرفوا على أخوه المعاق ولم يخجل يوماً منه. وكان ينتهز كل فرصة للحديث عنه للآخرين. بعد ثلاثة سنوات من العمل المتواصل معه في المنزل (السن النظامي لدخول الروضة)، قررنا أنا ووالده إدخاله إلى الروضة ليندمج في المجتمع وكي لا يبقى حبيس الجدران مدى الحياة بحجة رفض المجتمع له. سنة كاملة وأنا أبحث عن روضة تستقبله، خاصة أنه طفل ذكي وقادر على التتفاعل بشكل جيد مع الآخرين. لكني في كل مرة كنت أعود خائبة ومقهورة وغاضبة. إلى أن قرأت إعلاناً في الصحف عن روضة تستقبل ذوي الاحتياجات الخاصة فقررت بلا تردد أن آخذه إليها وهناك، بدأ العمل من جديد، فقد طلبت من إدارة الروضة أن تسمح لي بالتواجد الدائم معه وطلبت من المعلمة أن تهتم به بينما أهتم أنا بباقي الأطفال حتى يتسنى له التعرف على أشخاص آخرين يساعدونه في الأكل واللعب والتلوين و...إلخ ثم بعد ذلك عُينت إدارية في تلك الروضة، وأنا أعمل فيها منذ ذلك الوقت وأتابع تطور ولدي الذي تفوق بجدارة على طلاب صفه وتمكن من الكتابة على الكمبيوتر بدل الكتابة بالقلم، لكن بعد ست سنوات عادت الصعوبات لتظهر من جديد فقد رفضت المدارس النظامية استقبال محمد بحجة أنه ليس هناك قانون يتيح إمكانية تقديم الامتحانات على الكمبيوتر!! لكني رفضت ذلك بالمطلق وسعيت جاهدة حتى حصلت له على موافقة من وزير التربية بتقديم امتحاناته على الكمبيوتر. وها أنا أتابع -فخورة- نجاح محمد وتطوره واندماجه يوماً بعد يوم بعد كل ذلك الرفض الذي واجهناه بمرارة وإصرار أكبر في كل مرة. الإصرار والشفافية والروح المعنوية العالية والاندماج السريع كان عنوان ورشة عمل شاطئ الأصيل مما ترك أثراً واضحاً عند كل مشارك، الأثر الذي سيبقى في الذاكرة طويلاً وملازماً للحظات الجمال والعنفوان والنجاح والذي عبر عنه الأطفال من خلال لوحات السحرالتي انبطحوا على الأرض وفوق بعضهم ورسموها متمسكين ببعضهم وبأقلامهم كمن يتمسك بقوس قزح. 6/8/2005
|