|
قانون الجمعيات 93 لعام 1958 |
|
|
|
المحامي فايز جلاحج
|
|
2006-06-04 |
المحامي فايز جلاحجإن طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع هي الحلقة الأساس التي تحدد الاتجاهات الحاسمة للقوانين التي تنظم النشاطات الاجتماعية المختلفة، ومنها قانون الجمعيات، وهي تحكم فلسفة القانون التي يرجع إليها في صوغ مبادئه ومواده. فالفلسفة التي تعتبر الدولة نتاج المجتمع، وإحدى مؤسساته، وسلطتها تعتمد على نوع من العقد الاجتماعي، تذهب إلى أن فئات المجتمع بكافة تكويناتها لها الحق في أن تمارس النشاطات التي تراها، والتي لا تلحق الضرر بأكثرية أبناء المجتمع، وأن تنشئ من أجل ذلك الجمعيات، والمنظمات ومختلف التجمعات التي تخدم أهدافها. ويكون دور الدولة هنا، تنظيم هذه العملية، بما لا يعرقل حركتها ونشاطها، ويضمن الحفاظ على التوازن الاجتماعي، ويحد من طغيان أو تعسف بعض هذه المنظمات والجمعيات في استخدام حقوقها بما يمكن أن يلحق الضرر بالمجتمع. أما الفلسفة التي تقيم منظومتها القانونية على أساس حق الدولة في التدخل والتحكم بحركة المجتمع، انطلاقاً من مفاهيم مختلفة يعود بعضها إلى إرث الماضي، أو يرتبط بنظرة أيديولوجية وعقائدية تعلن هدفاً لها تغيير المجتمع بنياناً، وفكراً ومزاجاً، وتعمل على تحقيق ذلك بطريقة إرادوية وإدارية وبأسلوب مباشر وفوقي، يتجاهل الواقع وحقوق المجتمع، ويخل بالمعادلة: مجتمع – دولة لتصبح معادلة من طرف واحد. وبدلاً من أن تقوم الدولة بعقلنة المجتمع – كما يقول ماركس – من خلال فهم قوانينه – والسير معها بما يساعد على تطوره وتقدمه – تقوم الدولة بوقف تطور المجتمع ودفع فئات واسعة منه إلى الابتعاد والانزواء مما ينعكس على الدولة ذاتها أيضاً، فيضعف قدراتها وإمكانياتها في جميع المجالات. لقد سلكت معظم الدول العربية، إن لم نقل جميعها، هذا المنحى وتأخر تطورها، وتخلفت فيها معدلات التنمية الاقتصادية – الاجتماعية، وارتد الوعي الجمعي العام للجمهور، وعجزت عن مواكبة سير الحضارة المعاصرة – من الجوانب العلمية والإنسانية. واليوم ونحن نتوجه إلى تطوير وتحديث الدولة والمجتمع في بلادنا، وإصلاح جوانب من تجربتنا، لابد وأن نتوقف أمام قوانين عديدة لعبت دوراً سلبياً كبيراً – فيما يعانيه مجتمعنا من ركود وتخلف وارتباك. قانون الجمعيات هو أحد هذه القوانين وهو يحتاج إلى تغيير جذري يجعله قانوناً حيوياً، منشطاً لحركة المجتمع، رافعاً ومستنهضاً لقواه وطاقاته. وقانون الجمعيات الحالي كان قد صدر في عام 1958 منقولاً حرفياً من القانون المصري 384 لعام 1956، وذلك بحجة توحيد القوانين بين الإقليمين، وتضمن تعديلاً بسيطاً اقتصر على استبدال كلمات: الجنيهات المصرية بالليرات السورية – ومصر بالجمهورية العربية المتحدة و…. إلخ. وهو قانون ساذج ومتخلف وينطلق من فلسفة تدخل الدولة الواسع، وقد جرى تغييره في مصر أكثر من مرة، كان آخرها في عام 2002 بقانون حديث ومتقدم. والمشكلة أن هذا القانون كان قد جاء بديلاً عن قانون الجمعيات والأحزاب رقم /47/ لعام 1953 الذي كان معمولاً به في سورية، الذي ألغي بموجب المادة /5/ من القانون /93/ الحالي. وكان قانوناً ديمقراطياً وعصرياً في اتجاهاته الأساسية، وإن كنا قد نجد فيه اليوم بعد مرور أكثر من خمسين عاماً على صدوره بعض الثغرات والعيوب. وإذا بدأنا مناقشتنا اليوم لقانون الجمعيات بمقارنة سريعة لبعض مواد القانون القديم الملغى، مع القانون الحالي، فإننا سنجد بأننا لا ننطلق من فراغ، وإن لدينا تراثاً قانونياً مفيداً يمكن الاستناد إليه. نصت المادة /6/ من القانون /47/ على أن: 63 – للسوريين حق تأليف الجمعيات والانتساب إليها على ألا يكون هدفها محرماً في القانون. مادة 7 – 1 – يحرم تأليف الجمعيات التي: ا – تخالف أهدافها النظام العام أو الآداب العامة. ب – ترمي إلى التفرقة بين أبناء الوطن وطوائفه. جـ – تهدف إلى الاعتداء على أمن الدولة الداخلي أو الخارجي. د – تقصد تغيير كيان الدولة السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي بالقوة وبالإرهاب. هـ – تعمل على حرمان المواطنين من حقوقهم الأساسية وحرياتهم الشخصية المنصوص عليها في الدستور. و – لا يفصح نظامها عن أهدافها. 2 – يحرم تأليف الجمعيات التي يكون لها سواءً من حيث هدفها أو نظامها أو من حيث تدريب أعضائها أو ملبسهم أو تجهيزهم صورة المنظمات أو التشكيلات العسكرية أو شبه العسكرية سواءً أكانت هذه الجمعيات مستقلة أو عاملة في خدمة حزب أو مذهب معين سياسي أو غير سياسي. يستثنى من أحكام هذه الفقرة المنظمات الحكومية وفرق الفتوة التي تخضع لقانون الفتوة. 3 – يحرم تأليف الجمعيات السرية. 4 – يمنع لبس البزة الرسمية أو حمل الأوسمة… المادة 8 – 1 – لا يخضع تأليف الجمعيات السورية إلى ترخيص مسبق. 2 – على أن هذه الجمعيات لا تتمتع بالشخصية الاعتبارية من قبل الغير إلا إذا تم شهرها. ثم يحدد القانون إجراءات الشهر والتي تتلخص بأن طالبي الشهر المؤسسين يقدمون الاخبار إلى السلطة المختصة مرفقاً باسم الجمعية وأهدافها والمعلومات الأخرى المطلوبة. ويحصلون على إيصال مؤقت. وتدرس السلطة المختصة الوثائق ثم تعطي خلال عشرة أيام من تاريخ الإيصال الأول إيصالاً نهائياً. فإن امتنعت هذه السلطة عن إعطاء الإيصال النهائي خلال المهلة المذكورة فللمؤسسين أن يعترضوا على ذلك أمام محكمة البداية بصفتها ناظرة في القضايا المستعجلة، وعلى القاضي أن يبت في الاعتراض وفي قانونية الجمعية خلال خمسة عشر يوماً على الأكثر من تاريخ وقوع الاعتراض حسب المادة 10/1، فإذا أيد القاضي الاعتراض وجب على السلطة المختصة إعطاء الإيصال النهائي فوراً. ويعتبر شهر الجمعية تاماً من تاريخ استلام الإيصال النهائي. فإذا قارنا هذه المواد بقانوننا الحالي نرى بأنه لا ينص على حق المواطنين في تأليف الجمعيات والانتساب إليها. وإجراءات الشهر أطول وأصعب فيه من القانون القديم. ويمكن للجهة الإدارية رفض الشهر، وفي هذه الحالة يحق للمؤسسين التظلم إلى الجهة الإدارية المختصة حسب المادة /11/، دون أن ينص صراحة على حق اللجوء إلى القضاء إذا رفض التظلم. وإذا كان طبيعياً اللجوء إلى القضاء إذا رفض التظلم، ما لم يمنع ذلك صراحة بنص القانون فإن من الأفضل دائماً النص الصريح على حقوق المؤسسين والخيارات المتاحة لهم. فإذا تابعنا التدقيق ببعض مواد القانون نجد بأن المادة /2/ تقول: م 2 – كل جمعية تنشأ لسبب أو غرض غير مشروع أو مخالفة للقوانين أو للآداب أو يكون الغرض منها المساس بسلامة الجمهورية أو بشكل الحكم الجمهوري تكون باطلة لا أثر لها. وعبارة مخالفة للقوانين أو الآداب نص غريب، ويمكن تفسيره بشكل واسع جداً. وكما نعرف فإن القوانين ليست مقدسة، ويمكن لأي كان أن يطالب بتغيير القانون، وهناك فرق بين تطبيق القانون، وحق المطالبة بتغييره، وقد تنشأ جمعيات هدفها تغيير قانون ما أو إلغاؤه. وهذا يختلف عن النص الذي ورد في القانون القديم حين ذهب إلى تحريم الجمعيات المخالفة للنظام العام. فالنظام العام هو الذي لا يحق للأفراد بأن يتفقوا على خلافه. لكن كثيراً من القوانين يمكن أن يتفق الأفراد على مخالفتها فمثلاً: القانون الذي يشرع تعدد الزوجات يمكن مخالفته.. بأن تشترط الزوجة في عقد الزواج بأن لا يتزوج زوجها ثانية غيرها. وقانون الإرث الذي ينص على أن تكون حصة الأنثى نصف حصة الذكر، يمكن مخالفته إذا أراد الأخوة الذكور أو الوالدان إعطاء الإناث مثل حصة الذكور. ويتضمن القانون في المادة /36/ نصاً يسمح لوزير الشؤون الاجتماعية والعمل بإصدار قرار بحل الجمعية يعتبر قطعياً لا يقبل أي طريق من طرق المراجعة. وهذا نص غريب لأنه يمس باستقلال القضاء ومبدأ فصل السلطات، ويعتبر بالتالي خروجاً على الدستور. ولابد من أن يكون من حق كل من يمسه قرار صادر من السلطة التنفيذية بأن يلجأ إلى القضاء للدفاع عن حقوقه. وتسمح المادة /26/ للجهة الإدارية المختصة بأن تعيّن عضواً أو أكثر في مجلس إدارة الجمعية. والمادة /46/ بأن تقوم الجهة الإدارية بدمج الجمعيات ذات النفع العام أو تعديل أغراضها تبعاً لاحتياجات البيئة لتحقيق التناسق في الخدمات. وكأن هذه الجمعيات تابعة للجهة الإدارية وليست هيئات مستقلة. وتنص المادة /47/ على حق هذه الجهة أو الجهات باستبعاد من تريد من الترشيح للهيئات التنفيذية أو تعيين مجلس إدارة مؤقت حسب المادة /48/ يتولى الاختصاصات إذا رأت بعض المخالفات. وتذهب المادة /51/ إلى أن من حق الجهة الإدارية حرمان من تثبت مسؤولياتهم من أعضاء مجلس الإدارة القديم من ترشيح أنفسهم.. دون أن تحدد كيفية ثبوت ذلك، أهو بحكم قضائي؟ أم بقرار من الهيئة العامة؟ أم ماذا؟ وباختصار فإن قانون الجمعيات الحالي هو قانون متخلف، وينطلق من فلسفة الوصاية على المجتمع وفيه جوانب كثيرة من الضعف والقصور ولابد من تغييره كلياً. ويقدم لنا القانون /47/ السابق مادة غنية وجيدة يمكن الاستفادة منها في وضع القانون. كما أننا نجد في القانون المصري الحالي الصادر في عام 2002 مواداً كثيرة تتضمن اقتراحات جيدة، مثل الهيئة التحكيمية التي يمكن أن تعالج كثيراً من الخلافات بين الجمعيات والجهة الإدارية، والتي تتمثل فيها وزارة العمل، واتحاد الجمعيات، والجمعية ذات العلاقة. وهذه اللجان، والهيئات ستكون مفيدة جداً، لإيجاد نوع جديد من العلاقات الحوارية بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني. ولابد أن نعمل جميعاً من أجل قانون جديد ديمقراطي للجمعيات. يسهل تحريك وجذب الجمهور الواسع من الناس للاهتمام بالشأن العام، ورؤية القضايا الخاصة، من خلال ارتباطه بالمصالح الوطنية العامة، وتقدم وتطور بلادنا، وارتقاء وازدهار مجتمعنا.نون النسوة- عدد آذار 2005
رابطة النساء السوريات
|