|
المحامية أمل يونس
|
|
2006-06-04 |
المحامية أمل يونسٌتعتبر الحقوق الجزائية من أهم الضوابط الاجتماعية وأنجعها. إذ لا يستقيم بدونها أي لون من ألوان النشاط الإنساني، ولا أي نوع من أنواع التنظيم الاجتماعي. فهي تصون القيم والحرمات والمصالح التي يتواضع الأفراد على تقديسها واحترامها، وتعين للأفراد حقوقهم وواجباتهم، وتحدد الأفعال الخطرة التي تمس أمن المجتمع وطمأنينة أفراده وتهدد قيمه ومؤسساته. وغني عن البيان إن الغاية القصوى من التحديد والتحريم والتأثيم والمعاقبة هي حماية الإنسان. ولهذه الحماية مظاهر شتى وأنماط متنوعة. فقد تحميه في عرضه أو في شرفه أو في ماله. وقد تتناوله وهو لم يزل جنينا لم تكتحل عيناه بالنور وغيره. والحقوق الجزائية تحمي الإنسان بصفته إنساناً. وتصون الذات الإنسانية من حيث هي، دون الالتفات إلى أي اعتبار آخر. فليس يشترط في الإنسان كيما يغدو أهلا لهذه الحماية أن يكون بالغا وعاقلا، أو من رعايا الدولة صاحبة التشريع، أو من طبقة خاصة، أو ذا وضع اجتماعي معين ذكرا أم أنثى. ويظل الإنسان هو المقصود بحماية التشريع. ومن أهم مظاهر الحماية حين نص الدستور العربي السوري على إنه لا يجوز إنزال أية عقوبة أو تدبير بحق أي شخص إلا بعد تعرضه لمحاكمة عادلة. والهيئة الوحيدة المخولة بإصدار العقوبات بحقه هي القضاء. لكن قانون العقوبات السوري في مادته 548 يقول: (1- يستفيد من العذر المحل من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أحدهما أو إيذائه بغير عمد. 2- يستفيد مرتكب القتل أو الأذى من العذر المخفف إذا فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في حالة مريبة مع آخر)! والعذر المخفف قانونا يحوّل الإعدام إلى الحبس سنة على الأقل! وعقوبة الجنايات بحد أقصى سنتين! والجنحة بما لا يتجاوز ستة أشهر! كأننا نجد إن هذه المادة أعطت الحق لمن تشملهم: الزوج أو الأخ أو الابن أو الأب، أن ينفذ عقوبة الإعدام بحق مرتكبي الفعل، كليهما أو أحدهما أو أن يلحق بهما أو بأحدهما الأذى ودون أن يلحق به هو أي عقاب في الفقرة الأولى وبالحد الأدنى من العقاب في الفقرة الثانية وبهذا مخالفة صريحة للدستور وللغاية الأساسية من القوانين ألا وهي حماية الإنسان هذا الشخص وفق ذات المادة قاتل ومؤذي أي مجرم وقد يكون هو أول المساهمين في الوصول إلى الوضع الذي رآه فكيف بنا بأب رأى ابنته القاصر بوضع هو يرفضه يقدم على ذبحها عوضا عن مسا عدتها وبحث الظروف التي تعيشها ضمن نطاق الأسرة وأدت بها إلى هذا السلوك المرفوض اجتماعيا. هذا الأب مجرم بداية ونهاية فهو منذ البداية أهمل في تربيته لأولاده ورعاية بيته ثم عاد واقترف أفظع جريمة بقتل ابنته وهذا ظرف مشدد للعقاب (الإعدام وفق المادة 535) القائلة يعاقب بالإعدام على القتل قصدا إذا ارتكب على أحد أصول المجرم أو فروعه. وكأننا نجد المادة 548 وضعت لحماية القاتل أو المؤذي! ولحله من العقاب! وهو يعرف مسبقا ذلك! ولهذا فهو لا يتروى في فعلته، ويقدم عليها دون خوف من عقاب. فالقانون يحميه!! ولعل مبرريّ هذه المادة يقولون بوجود "الدافع الشريف" لدى مرتكبها! لكن القانون لم يهمل "الدافع الشريف" وجعله سببا مخففا للعقاب، وكذلك ثورة الغضب الشديد والانفعال، حين فرض العقوبة على المجرم. علما بأن قانون العقوبات السوري وضع عقاب لكافة الأفعال التي تمس الأسرة والمجتمع والأفراد كالزنى والسفاح والخطف والإغواء والتهتك وخرق حرمة المنزل والأماكن الخاصة بالنساء والحض على الفجور والتعرض للأخلاق العامة وغير ذلك. وعلى هذا نجد أن هذه الأفعال لم تترك دون عقاب.. فلماذا يعود القانون ويعطي العذر المحل لمرتكب القتل، وكأنه ينفذ عقوبة الإعدام بحق مرتكبي الفعل، دون أن يناله هو أي عقاب؟! يجب أن يعدل القانون لجعل مرتكب هذه الأفعال يعاقب معاقبة القاتل قانوناً، مع مراعاة كافة ظروف الفعل. وهذا ما توصلت له الكثير من الدول العربية. مع ملاحظة هامة جداً هي أن المادة فُسرت تفسيرا ضيقاً واقتصرت على حماية الرجل! فالمرأة، إن وجدت نفسها بنفس الظروف واقترفت نفس الجرم، لا تحل من العقاب كما جاءت عليه اجتهادات محكمة النقض! وهذا إجحاف بحق المرأة يقع من خلاله عنف قانوني عليها. علما أننا لا نطالب بأن يكون أي شخص، رجلاً كان أو امرأة، بحل من العقاب عن فعل اقترفته يداه. بل أن يأخذ القضاء مجراه، ويطبق العقاب على كل فعل حسب وضعه الجرمي. وليس في إلغاء المادة المذكورة دعوة لعدم اعتبار هذه الأفعال جريمةً، أو لتركها دون عقاب، أو للاباحية. فالقانون لم يغفل النص عليها. لاسيما إننا نعيش في وطن تسوده المؤسسات والقانون، ويصان فيه الإنسان لذاته ولإنسانيته. 15/4/2005
رابطة النساء السوريات
|