|
حقوق النساء: أية مرجعية نختار؟ |
|
|
|
سوسن زكزك
|
|
2006-06-04 |
سوسن زكزكيحتدم النقاش بين الداعين إلى إعطاء المرأة حقوقها الإنسانية كاملة، باعتبارها مواطناً كامل الأهلية في الدولة الحديثة, والداعين إلى الإبقاء على حالها كنوع اجتماعي من الصنف الثاني أو أقل, بحجة الخصوصية الثقافية والحضارية لمجتمعاتنا العربية, وحتى لا "تتعارض" قوانيننا مع "أحكام الشريعة الإسلامية". على الرغم من أن كثيراً من الباحثين قد ميّزوا بين مفهوم الشريعة (القواعد والمبادىء الكلية الموصى بها) ومفهوم الفقه (الاجتهادات البشرية لعلماء المسلمين في مختلف العصور), فإن مفهوم الشريعة يشير، على مستوى التطبيق، إلى التأويلات والاستنباطات البشرية(1) . وهذا، إن دلّ على شيء، فإنما يدل على أن صفة القداسة قد أعطيت لإنتاج بشري صرف وفهم خاص قد يكون صحيحاً أو خاطئاً, أو صحيحاً في مكان وزمان معينين وخاطئاً في مكان وزمان آخرين. إن الهدف من نزع صفة القداسة عن هذه الاجتهادات لا يرمي إلى الإساءة إليها, بل إلى وضعها في سياقها الصحيح باعتبارها جزءاً من تراثنا الحضاري، سواء أعجبنا أم لم يعجبنا. ولنا كل الحق في أن نختار منه ما يناسبنا, وأن نضيف إليه ما تمليه احتياجات حياتنا المعاصرة. لقد أضافت الثقافة العربية والإسلامية، ولا تزال، الكثير إلى الحضارة البشرية, عبر عملية انفتاح على الثقافات الأخرى وتلاقح معها، شأنها شأن كل الثقافات القديمة والحديثة؛ فكان أن شكّلت كل واحدة منها رافداً مهماً لنهر عظيم, ما زالت ماؤه تتدفق لتغذي حضارة عالمية عبّرت عن شموليتها الإنسانية باتفاق البشرية جمعاء على عدد من المواثيق والشرعات الدولية، إقراراً "بما يجمع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم ومن حقوق متساوية وثابتة"، وتأكيداً على "إيمان الشعوب بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الإنسان... وبتساوي الرجال والنساء في الحقوق"(2) . ولعل أهم هذه المواثيق هو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان, الذي يشكل المرتكز الأساسي للشرعة الدولية لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية الملحقة بها, والذي ينسجم مع روح ومبادىء الأديان السماوية التي نعتنقها. وليس غريباً، بالتالي، أن تكون أربع دول عربية، من أصل ست كانت آنذاك أعضاء في الجمعية العمومية للأمم المتحدة, قد ساهمت بإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (3) . لقد صاغت أغلب الدول العربية دساتيرها الوطنية انطلاقاً من المواثيق الدولية, فجعلت من قوانينها قوانين حديثة منسجمة مع روح ومبادىء هذه الدساتير, وأحكامها أحكام مدنية منسجمة مع مستوى التطور الذي وصلت إليه, ومع احتياجاتها لدفع عملية التقدم إلى الأمام, إلا في القوانين الناظمة لعلاقة المرأة مع محيطها (الأحوال الشخصية – الجنسية – العقوبات), حيث أبقتها قوانين سلفية أعطت لأحكامها الوضعية صفة القداسة نتيجة للخلط بين مفهومي الشريعة والفقه, مكرسة بذلك ازدواجية في المرجعيات وتناقضاً في القيم والمعايير التي تحدد آلية صياغة القوانين الوطنية. وكأنها تريد الظهور بمظهر الدول الحديثة المتطورة والمجتمعات المتقدمة, ولكن مع الحفاظ على "خصوصية" تجعل من إعطاء المرأة حقوقها الإنسانية هرطقة, متجاهلة أن "القوانين والأحكام المحددة لوضع المرأة ومكانتها تكشف أكثر من غيرها عن مدى تحقق حقوق الإنسان في المجتمع, وهذا هو المؤشر الأكثر صدقاً لتحديد مدى تقدم المجتمع" (4) . إن الحديث عن "الخصوصية" يقودنا إلى الحديث عن تعثُّر كبير لعمليات التنمية في الوطن العربي، ذلك أن نسبة مشاركة النساء فيها ضئيلة, وعن حلول المنطقة العربية في المرتبة قبل الأخيرة بين مناطق العالم بحسب مقياس تمكين المرأة, وعن معدل خصوبة عال يتجاوز الـ 2% في ست عشرة دولة عربية مع انخفاض في مستوى الدخل وتقلص في الموارد المتاحة وبخاصة أمام النساء, وعن ستين مليون أمي بالغ معظمهم من النساء, وعن تمثيل متدن للنساء في جميع الهياكل السياسية العربية وعن ... (5) فهل هذه هي الخصوصية التي نبتغي الحفاظ عليها؟! إن هذه الخصوصية هي بالذات ما يدفعنا للمطالبة بإصلاح قانوني يصحح المعادلة الناظمة لعلاقة المرأة بالمحيط (الرجل – الأطفال - الأسرة – المجتمع), بما يوفر أرضية قانونية عادلة تنطلق من مبادىء حقوق الإنسان, بحيث تنسجم أحكامها مع المبادىء التي أقرتها أغلب الدساتير العربية في الحرية والمساواة ومع الاتفاقيات الدولية وبخاصة اتفاقية إزالة كل أشكال التمييز ضد المرأة التي تكفل حقوقاً وواجبات متساوية مما يعيد إلى المرأة ثقتها بنفسها كمواطنة كاملة الأهلية تؤدي واجباتها وتنال حقوقها غير منقوصة وبالتالي ثقتها بمجتمعها. إننا على ثقة أن الثقافة الحية هي تلك القادرة على الاستفادة من منجزات الآخرين والإضافة إليها. (1) أبو زيد، نصر حامد، دوائر الخوف. (2) الإعلان العالمي لحقوق الإنسان – الديباجة. (3) الدول الأربع هي: سوريا، لبنان، مصر والعراق. وتغيّب مندوب اليمن عن الجلسة في حين امتنع مندوب السعودية مع سبعة مندوبين لدول أجنبية عن التصويت. (4) أبو زيد، مصدر سابق. (5) راجع مثلاً تقرير التنمية البشرية للمنطقة العربية لعام 2002. (نشر في جريدة "النور"- العدد 144- 24/3/2004- تحت عنوان: "تمكين المرأة مقياس لتقدم المجتمع").
رابطة النساء السوريات
|