|
المرأة السورية.. واقع وآفاق.. تجربة النساء السوريات |
|
|
|
نوال اليازجي
|
|
2006-06-04 |
نوال اليازجيفي عام 1948 أسست الناشطات في الحزب الشيوعي السوري أول منظمة ذات طابع سياسي واجتماعي شامل هي رابطة النساء السوريات لحماية الأمومة والطفولة. ورخص لها بالعمل بقرار من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في عام 1957. وعدّت منظمة جماهيرية رديفة للحزب الشيوعي تستقي مهامها وأهدافها من مهام الحزب وأهدافه على الصعد الوطنية والقومية والعالمية. وتضمنت برامجها العمل من أجل التقدم الاجتماعي والمساواة وتحرر المرأة وحماية الاستقلال الوطني ومحاربة المشاريع الاستعمارية والسلام العالمي. وعلى الصعيد المحلي توجهت الرابطة إلى النساء في المدن والريف وعملت في ميادين محو الأمية بين النساء وإقامة دورات تأهيلية لم تتعدّ أعمال الخياطة والتطريز ومختلف (المهام) النسوية. وركزت في شعاراتها وفي عملها الدعائي والثقافي على أهمية النهوض بالمرأة بوصفه وسيلة لا بد منها من أجل تطوّر المجتمع. وتناولت أهمية التعليم والعمل وتوفير تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في هذين الميدانين. كما طرحت مسألة المساواة في الحقوق وتوسيع مشاركة النساء في الحياة السياسية. وكانت في كل ميادين عملها ونشاطها تنطلق من الفكرة اللينيينية القائلة بأن تحرر المرأة مرتبط بتقدم المجتمع ولذلك يتوجب عليها النضال من أجل بناء وترسيخ المجتمع الاشتراكي وقيمه وبذلك فقط يمكن للمرأة أن تحصل على كامل حقوقها. وهكذا وخوفاً من اتهامها بالأنثوية (Feminism) تجنبت الرابطة الخوض في خصوصيات المسألة النسوية وحرصت على أن تتضمّن برامجها المطلبية كل قضايا المجتمع والوطن. ولم يحدث تغير يذكر في خطاب رابطة النساء إلا في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين حين تنبهت الفعاليات النسائية العاملة فيها إلى قصور الخطاب التقليدي الذي درجت عليه منذ تأسيسها عن تلبية متطلبات المرحلة وعن تحقيق التقدم المرجو لإحداث نقلة نوعية في ميدان حقوق المرأة. وقد كان للمؤتمرات الدولية التي عقدتها الأمم المتحدة تأثير هام في تطوير الخطاب النسوي في سورية بعامة وفي رابطة النساء بخاصة. فمع بدايات التسعينيات من القرن العشرين بدأت الرابطة تضع برامجها وترفع شعاراتها انطلاقاً من استراتيجيات الأمم المتحدة والاتفاقات الدولية وشرعة حقوق الإنسان، وبدأت تبرز في أدبياتها وبرامجها قضايا مثل العنف ضد المرأة والتمييز ضدها، وقد لقيت معارضة شديدة من ذوي وذوات الفكر التقليدي فيها وحولها. وكان لها مشاركات جدية في الحركة النسائية العربية التي كانت بدورها، تعمل على تلمّس خصوصيات المسألة النسوية. وتتصدى لتفاصيل أشكال التمييز ضد المرأة. فشاركت الرابطة في جلسات الاستماع الخاصة بأشكال الاضطهاد الاجتماعي والسياسي الممارس ضدها وساهمت في تأسيس (المحكمة النسائية العربية لمناهضة العنف ضد المرأة) كما شاركت في مختلف الفعاليات الدولية وفي مؤتمر بكين وتبنت جميع استراتيجياته دون تحفظ، وطالبت بالتصديق على (الاتفاقية الدولية لإزالة كل أشكال التمييز ضد المرأة) دون تحفظ أيضاً. ونشطت على الساحة السورية لإقامة علاقات مع كل الفعاليات الاجتماعية، مجموعات وأفراداً، التي تلتقي معها في برامجها وخطط عملها وبضمن ذلك الاتحاد العام النسائي. وفي سعيها الدائب لتطوير برامجها وكادراتها اطلعت الرابطة على أحدث وسائل التدريب بالمشاركة ووظفتها، باستخدام قدراتها الذاتية فقط، في تطوير كادراتها الناشطة على مساحة العمل النسائي في سورية وأقامت لهؤلاء الناشطات دورات تدريبية لبناء القدرات وحول مفهوم الجندر، بوصفه مفهوماً مستقى من الفكر الماركسي الذي عزا وضع المرأة المتردي في المجتمع إلى مفهوم التقسيم الاجتماعي للعمل الذي نشأ مرتبطاً بتطور المجتمعات الطبقية ورأت الرابطة أن الماركسيين لم يسعوا لتطوير هذا المفهوم وأن الحركة النسائية العالمية والأمم المتحدة نجحتا في ذلك، ولقد كان لمشاركة الرابطة في اللجنة الوطنية التحضيرية لمؤتمر بكين التي ناقشت مشروع وثيقة بكين وحضورها المؤتمر ومشاركتها في اللجنة الوطنية لوضع استراتيجيات المرأة السورية ولمختلف مساهماتها الوطنية والعربية والعالمية أبلغ الأثر في تطوير خطابها بما ينسجم مع طبيعة متطلبات المرحلة الحالية. فما هي هذه المتطلبات؟ ترى رابطة النساء أن وضع المرأة السورية في المجتمع والأسرة وفي الحقل السياسي قد بلغ شأواً هاماً. وأن مهام عصر النهضة المتعلقة بالتعليم والعمل قد أنجزت إلى حد بعيد، وأن الصعوبات في هذين الميدانين هي صعوبات عامة أمام الذكور والإناث على حد سواء كما أن مشاركة المرأة في الحياة السياسية قد تطورت من الناحية الكمية على الأقل وأن نظرة المجتمع السوري لتعليم المرأة وعملها ومشاركتها في مواقع القرار قد تطورت أيضاً. وتستنتج الرابطة بأن تناقضاً جدياً قد بدأ يظهر بين الواقع الفعلي لدور المرأة في الأسرة والمجتمع وفي الحياة السياسية للبلاد وبين الحقوق القانونية الممنوحة لها. ففي حين لا نرى أي شكل من أشكال التمييز ضد المرأة في القوانين والتشريعات المدنية (العمل، التعلّم، التأمينات الاجتماعية.. الخ) فإننا نجد في قانون الأحوال الشخصية وقانون العقوبات مرتكزات أساسية للتمييز القانوني ضدها. كما نرى تقصيراً واضحاً في اشتراع القوانين التي تحمي المرأة من العنف الجسدي والنفسي في الأسرة والمجتمع بكل أشكاله. ونرى تناقضاً كبيراً أيضاً، بين قصور هذه القوانين المذكورة وبين حقوق المرأة في الدستور وبخاصة المادة 45 منه التي تكفل للمرأة حقوقاً وفرصاً متساوية. لقد تطور مفهوم المساواة واتخذ بعداً واقعياً يرتكز إلى شرعة حقوق الإنسان ومفهوم حقوق المواطنة. ولم تنطلق رابطة النساء، في كل تاريخها من مفهوم المساواة مع الرجل بصفته الكائن المثالي وعلى المرأة أن تكون (مثله) في كل شيء بل ارتكزت إلى مفهوم المساواة في الحقوق الممنوحة للرجل في إطار العلاقات الأسرية والاجتماعية والسياسية، ورأت في تحقيق ذلك قوة لكليهما من أجل ترسيخ قيم المجتمع المدني وتقدّم الأسرة والوطن وعدت الرابطة الحركة النسائية جزءاً هاماً من الحراك الاجتماعي الذي يفتقر بدوره إلى إمكانات التنظيم والنشاط بسبب جملة من العوامل لعل أهمها الفهم السائد لدور الدولة بصفتها الأب الحاضن لحركة المجتمع تقرر وتنفذ ما تجده صالحاً لهذه الفئة أو تلك مما أدى إلى تراجع الحركة الاجتماعية المدنية والأهلية عموماً، ولجم تقدمها باتجاه تشكيل مجموعات ضاغطة سعياً لتلبية احتياجات جميع الفئات الاجتماعية ومنها الحركات النسائية وقد انعكس إثر ذلك في عدد من المظاهر لعل أهمها عدم حدوث أي تغيير في القوانين التمييزية وعدم المساس بقانون الأحوال الشخصية فيما عدا تعديلين شكليين، الأول عام 1975 والثاني هذا العام والمتعلقين حصراً برفع سن حضانة الأطفال دون المساس بقانون الحضانة ككل ومسائل الولاية والوصاية، وانعكس هذا الأثر كذلك في التحفظات التي وضعت حول بنود الاتفاقية الدولية لإزالة أشكال التمييز ضد المرأة والتي لا ترى الرابطة مبرراً شرعياً لها. وهكذا نرى الارتباط الوثيق بين تطور الحركة النسوية في سورية وبين التطور الديمقراطي فيها الذي يتطلب فيما يتطلبه إطلاق حرية التنظيم والنشاط لمختلف الفئات الاجتماعية ذات المصلحة في التطور، وتحديث قانون الجمعيات بما ينسجم مع هذا التوجه، كما يتطلب الابتعاد عن (الإجراءات) الفوقية في إشراك النساء في مواقع القرار فالمسألة ليست في كم هو عدد النساء في هذه المواقع بل هي تجاوز ذلك إلى كم وكيف في ذات الوقت. فما معنى مشاركة واسعة للنساء في مواقع صنع القرار وهن لا يتمتعن بحقوق متساوية في الأسرة والمجتمع، ومن جهة أخرى فإنه لا يكفي أن يكنّ في مواقع القرار دون أن يكون لهن أي تأثير فيه. والأمثلة على ذلك كثيرة كان آخرها تمرير مسألة رفع سن الحضانة في مجلس الشعب دون الخوض في قانون الحضانة بكل حيثياته أمام 10% من النساء أعضاء في المجلس لم نسمع أن أياً منهن قد طرحت المسألة كما ينبغي أن تطرح بحيث يتم تجاوز كل أشكال التمييز في القانون المذكور بين الحاضن والحاضنة لمسائل الولاية والوصاية والإنفاق والسكن والزواج وغيرها من الأمور التي تعدّ الحركة النسائية أي تعديل لا يطولها ناقصاً ولا يلبي طموحاتها. تتكون في سورية اليوم حركة نسائية ذات بعد اجتماعي نهضوي متحرر. ونرى بواكير تجمعات نسوية واعية تماماً لمتطلبات حركة التقدم الاجتماعي لا بد من تشجيعها للتعبير عن نفسها وإتاحة الفرصة أمامها للتنظيم والعمل وذلك برفع الحظر عن تشكيل منظمات نسائية الأمر الذي كان سائداً منذ تأسيس الاتحاد العام النسائي بمرسوم تشريعي عدّل بموجبه قانون الجمعيات بحيث يعدّ الاتحاد هو الوعاء الوحيد الذي يسمح للنساء بالتحرك من خلاله. وقد برهنت الحركة النسوية النهضوية المذكورة على فهم عميق لأبرز مشكلات المرأة كما تكشفت عن وعي متميز في الموقف من الآخر واتخذت منحى ديمقراطياً يعتمد الحوار مع الجميع وبين الجميع بصرف النظر عن اختلاف المرجعيات، ونجحت هذه الحركة في استقطاب عدد من الفعاليات النسائية والناشطات في إطار التيارات الدينية المتنورة أو على الأقل نجحت في فتح حوار معها، والجدير بالذكر أن الحركة الناشئة اليوم تؤكد على الدور الهام الذي يمكن أن يلعبه الرجل في حركة الدفاع عن حقوق المرأة. بل إنها تحمّل الأحزاب السياسية، والفعاليات الاجتماعية والثقافية المختلفة ذات الاتجاهات العلمانية والمتنورة مسؤولية اتخاذ موقف ينسجم مع المبادئ والمفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وقيم المجتمع المدني التي تنادي بها هذه القوى وتلك الفعاليات.(*) مداخلة قدّمت باسم رابطة النساء السوريات في ملتقى المرأة والمجتمع الذي أقيم في دمشق 1، 2 ـ 12/2003، بالتعاون بين دار إيتانا للنشر وجامعة دمشق.
رابطة النساء السوريات
|