|
اتفاقية سيدوا وقانون العقوبات السوري |
|
|
|
المحامية دعد موسى
|
|
2006-06-04 |
م. دعد موسى يعتبر ميثاق الأمم المتحدة الذي اعتمد في سان فرانسيسكو عام 1945 أول معاهدة دولية تشير بعبارات محددة إلى تساوي النساء والرجال في الحقوق. وانطلاقاً من إيمان المنظمة الدولية بالمساواة في الحقوق بين الجنسية بدأت في وقت مبكر أنشطتها من أجل القضاء على التمييز ضد المرأة. فأنشأت لجنة مركز المرأة في عام 1946 لمراقبة أوضاع المرأة ونشر حقوقها. وعلى أثر شيوع مبدأ المساواة في العالم وفق ما نصت عليه المواثيق الدولية (ميثاق الأمم المتحدة ـ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ـ العهدان الدوليان). توالت القرارات الدولية لتحسين أوضاع المرأة حيث اعتمدت عام 1952 اتفاقية الحقوق السياسية للمرأة، وعام 1957 اتفاقية جنسية المرأة المتزوجة، وبعدها كانت اتفاقية الرضا بالزواج والحد الأدنى لسن الزواج، وتسجيل عقود الزواج لعام 1962 وعقدت بعدها العديد من المؤتمرات الدولية للمرأة. وأعلن عام 1975 عاماً دولياً للمرأة وتكاثرت الجهود الدولية إلى أن كانت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة المعروفة باسم (سيداو) التي أقرت عام 1979، ودخلت حيز التنفيذ عام 1981. وتعتبر هذه الاتفاقية ثمرة ثلاثين عاماً من الجهود والأعمال الدولية التي قام بها مركز الأمم المتحدة الذي أسس عام 1946 وتكريساً لأهمية إيجاد الحلول لمشكلة التمييز ضد المرأة. تبين بعد كل هذه الاتفاقيات السابقة والمواثيق الدولية أنها ما تزال تعاني الكثير فكان لا بد من إيجاد اتفاقية خاصة وشاملة لتحسين أوضاع المرأة. وضعت هذه الاتفاقية قضايا المرأة ضمن أهداف منظمة الأمم المتحدة وأنشئت لجنة خاصة بها لمتابعة ورصد تطبيق وتنفيذ بنودها، وتتألف الاتفاقية من ثلاثين مادة حيث تعرف المادة الأولى منها التمييز ضد المرأة وتلزم الدولة باتخاذ التدابير التشريعية للقضاء عليه وتعديل القوانين والأعراف والممارسات القائمة التي تشكل تمييزاً في المادة الثانية. وتدعو للقضاء على الأدوار النمطية لكلا الجنسية في المادة الخامسة وتطالب بمكافحة الاتجار بالنساء في المادة السادسة والمساواة في المشاركة في الحياة السياسية والعامة للبلدين المادة السابعة. وحق النساء الأطفال بالتمتع بالجنسية في المادة التاسعة وكذلك القضاء على التمييز في التعليم والعمل وتتناول قضايا المرأة الريفية في المادة /14/ وتكفل المساواة أمام القانون / 15/ والمساواة داخل الأسرة والزواج في المادة / 16/. الاتفاقية والقوانين السورية: وبالعودة إلى القوانين السورية نرى بأنها جاءت بشكل عام لا تتعارض مع الاتفاقية من حيث المساواة في الحقوق السياسية والترشيح والانتخاب والمساواة في قوانين العمل والمشاركة في الحياة الاقتصادية ومن حيث القوانين المدنية والتجارية، ولكن هناك تعارض واضح بين الاتفاقية وقانون الجنسية وكذلك قانون الأحوال الشخصية الذي اعتبره يتعارض بمجمله مع الاتفاقية وروحها وهدفها وجميع نصوصها وموادها وخاصة المادة / 16/ المتعلقة بالزواج والحياة داخل الأسرة. وكما أن هناك تعارضاً واضحاً بينها وبين بعض المواد في قانون العقوبات السوري الذي سأحاول تسليط الضوء عليها في هذه العجالة بشكل مختصر. الاتفاقية وقانون العقوبات: انطلاقاً من المادة الأولى من الاتفاقية والتي برأيي أنها أهم ما في هذه الاتفاقية وهو موضوع التمييز الذي تناولته بشكل محدد وعميق بهدف إحداث تغيير حقيقي لأوضاع المرأة. حيث اعتبرت التمييز يشمل تفرقة أو استبعاداً أو تقييداً يكون من آثاره أو أغراضه النيل من الاعتراف للمرأة بالحقوق الإنسانية والحريات الأساسية ويؤثر على تمتعها بالحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والمدنية على قدم المساواة مع الرجال. حيث أجد أن هذه المادة تعتبر حجر أساس لكل القضايا المتعلقة بالتمييز سواء القانوني أو الواقعي (أي بالممارسة) ثقافي اجتماعي ويمكن الإسقاط على هذه المادة جميع القضايا التي تصادق عليها الدولة ولو تحفظت على مواد أخرى. حيث يمكن استخدامها في أي قانون فيه تمييز أو أي ممارسة تكرس التمييز ومن بينها قانون العقوبات. جاءت في المادة الثانية فقرة (ز) على الدول إلغاء جميع أحكام قوانين العقوبات الوطنية التي تشكل تمييزاً ضد المرأة. ولكن قانون العقوبات السوري يحوي بعض المواد التي فيها تمييز واضح ضد المرأة رغم أنه في مجمله يحدد الجرائم والعقوبات لكلا الجنسين إلا أنه يتعارض مع الاتفاقية في بعض المواد. المواد: (473 ـ 474 ـ 475) (المتعلقة بالزنا). من حيث الفعل الجرمي الواحد أي الزنا تختلف تبعاته وفقاً لمرتكبه فيما إذا كان رجلاُ أم امرأةً رغم وحدة الفعل ووحدة الأثر الناجم عنه قانوناً. يتجلى التمييز فيما يلي: 1ـ تكون عقوبة المرأة ضعف عقوبة الرجل (عقوبة الزانية من 3 أشهر إلى سنتين) (عقوبة الرجل من شهر إلى سنة). 2ـ يعتبر فعل الزوج مباحاً إذا ارتكبه خارج منزل الزوجية ومعاقباً عليه فقط إذا ارتكبه داخل منزل الزوجية بينما تعاقب المرأة في كل مكان ترتكب فيه الفعل). 3ـ بطال التمييز وسائل الإثبات فهي مطلقة بالنسبة للرجل ومقيدة بالنسبة للمرأة ولا يقبل منها إلا الإقرار أو الأدلة الكتابية). 4ـ التمييز بين المرأة العازبة والرجل العازب حيث تعطي المادة 475 الولي حق تقديم الشكوى في حال عدم قيام الزوجية ولا تشير إلى حق الولي على الرجل غير المتزوج. هذه المواد تتعارض مع الاتفاقية عامة ومع المادة (1-2) بشكل خاص لما فيها من تمييز ضد المرأة وعدم المساواة أمام القانون أي المادة /15/ لا بد من تعديل هذه المواد. المادة 508 والتي توقف الملاحقة وتنفيذ العقوبة بحق مرتكبي جرائم الاغتصاب الضحية. بمعنى أن المجرم بغية الإفلات من العقاب والأهل طمساً للفضيحة يعمدون إلى تزويج الفتاة من المجرم بالوقت الذي تكون هي أحوج للعلاج النفسي والجسدي والابتعاد عن التفكير بالجريمة حيث ترسخ هذه المادة العنف الجنسي ضد المرأة. وهي تتعارض مع المادة / 16/ من الاتفاقية التي تنص على حق اختيار الزوج والرضا الكامل بالزواج. فعقد الزواج هنا مشوب بالإكراه قانوناً لأنه تم درءاً للفضيحة ولا يتحقق فيه ركن الرضا. ـ المواد المتعلقة بوسائل منع الحمل والإجهاض: ـ المواد 523 ـ 524 تعاقب من يقدم على الرعاية أو الترويج أو البيع أو الاقتناء أو التسهيل لاستعمال هذه الوسائل بعقوبات مختلفة (صحيح أنها معطلة بالواقع لكن القانون ما يزال بينهما) ـ المواد من 525 لغاية 532 والتي تعاقب على الإجهاض رغم حدوثه بنسبة 90% في جميع العيادات النسائية والمشافي. كل هذه المواد بحاجة إلى إعادة صياغة. وهي تتعارض مع المادة (12/ والمادة /16/ فقرة هـ من الاتفاقية واللتان تتعلقان بقضايا تنظيم الأسرة وحماية صحة المرأة. ـ العذر المحل المادة 548: والتي فيها تمييز واضح ضد المرأة حيث تعفي الرجل من العقاب في حال قتله أ وإيذاءه زوجته أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في مفاجئتهم بجرم الزنا أو صلات جنسية فحشاء مع رجل وهذا عذر خاص بالرجل ولا يشمل المرأة ويبرر على أساس أن الرجل غصب على الفعل تحت تأثير انفعال نفسي وإهانة. وهذه تغرقه لا مبرر لها فالإهانة التي تلحق بالمرأة والرجل واحدة وتأثر المرأة نفسياً لا يقل عن الرجل وهنا لا بد من إلغاء هذه المادة بحيث لا يمنح الرجل عذراً و يعطى سبباً مخففاً للعقوبة وفق كل حالة ويشمل التخفيف كلاً من المرأة والرجل. وليس هذا فحسب إنما هذه المادة بفقرتها الثانية تعطي عذراً مخففاً للرجل لمجرد الريبة في المرأة القرييبة (أخت أو زوجة) والحالة المريبة مع آخر الواردة فيها هي كلمة فضفاضة لا معيار لها ويصعب تحديدها وتفتح مجالاً واسعاً للانتقام من المرأة وذريعة يتمسك فيها الرجل للتخلص منها. فلا بد من حذف هذه العبارة. ـ الأعذار والأسباب المخففة: المادة 192 ـ والمادة 242 ـ تعطي المادة 192 عذراً مخففاً في حال ارتكاب الجرم لدافع شريف وتصل العقوبات إلى حبس بسيط جداً وتستعمل في بعض الأحيان كحجة لارتكاب جرائم الشرف ضد النساء في العائلة ويفلت الرجال من العقاب. ـ أما المادة 242 والتي تتعلق بالاستفزاز فهي تخفف العقوبة عن الفاعل التي يرتكب جريمته تحت ثورة غضب شديد وتتحول الجريمة من جناية إلى ضحية وقد تصل عقوبتها الحبس أياماً أو غرامة. وتستخدم هذه المادة لارتكاب جرائم ضد النساء في العائلة والفتيات تحت ذرائع الشرف. وهي تشكل تمييزاً خطيراً ضد المرأة وتتعارض مع المادة الأولى من الاتفاقية ومع روحها ومضمونها وهدفها البعيد. إن هذه المواد التي تعفي وتخفف العقوبات على مرتكبي الجرائم ضد النساء في العائلة بحاجة إلى إلغاء أو تعديل. مما تقدم نرى أن قانون ا لعقوبات جاء في بعض مواد مكرساً لمبدأ التمييز ضد المرأة ووسيلة تسهل ارتكاب العنف النفسي والجسدي والجنسي ضدها وهذه المواد تتعارض مع الاتفاقية بشكل عام ومع المواد (1-2-12-15-16) بشكل خاص فلا بد من العمل على إلغاء وتعديل هذه المواد لتكون منسجمة مع الاتفاقية وخالية من جميع أشكال التمييز ضد المرأة. وأخيراً أقول إنه عندما تصادق الدولة على الاتفاقية فهي تصبح نافذة وفقاً للقانون الدولي وفي حال التعارض بينها وبين القانون الوطني تعتبر الاتفاقية أعلى مرتبة منه وهي الأولى بالتطبيق ويجب إلغاء القوانين الوطنية المتعارضة معها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن لجنة اتفاقية سيداو المشكلة في الأمم المتحدة والتي تراقب تنفيذها وتطبيقها معنية بتلقي التقارير الدورية من الدول حول التزامها في تطبيق بنود الاتفاقية، وإضافة إلى ذلك هنا تقارير مقدمة من الجمعيات غير الحكومة NGOS وهو ما يعرف بالتقرير الموازي، والذي تتم المقارنة بين التقرير الحكومي والتأكد من المعلومات الواردة فيه. إن تشكيل فريق متخصص لكتابة التقرير عن أوضاع المرأة في سورية وانسجامها مع الاتفاقية ضرورة ملحة، ويجب أن يتم تدريب الفريق على طريقة كتابة التقرير ليكون جاهزاً في مثل هذه الحالة.
رابطة النساء السوريات
|