|
سوسن زكزك
|
|
2006-06-04 |
سوسن زكزك حققت المرأة المغربية العديد من الإنجازات خلال السنوات القليلة الماضية، وفُتح أمامها الباب لتحقيق المزيد، بحيث تصبح عملية تحقيق المساواة عملية تطور تراكمية، يؤسس فيها إنجاز اليوم لإنجازات الغد. وانطلق هذا كله من مبدأ الاعتراف بوجود تمييز بحق النساء، وأن الحديث عنه لا يدخل ضمن إطار المحرمات، بل هو بداية حل هذه المشكلة. بدأ هذا التحول مع بداية الانفتاح الديمقراطي الذي سمح بحرية العمل للمنظمات النسائية، بما ساعدها على طرح مطالبها وبرامج عملها المقترحة، وجرى أول تعديل على قانون الأحوال الشخصية عام 1993. وعلى الرغم من كونه تعديلاً طفيفاً إلا أن المنظمات النسوية اعتبرته تجاوزاً لعقدة المحرمات المسكوت عنها. ومع اتساع الانفراج الديمقراطي ووصول حكومة اليوسفي، ذات الطابع التقدمي إلى السلطة، توجهت الجمعيات النسوية إلى هذه الحكومة مطالبة إياها بربط القول بالفعل، فاحتوى البيان الوزاري ـ لأول مرة في تاريخ المغرب ـ على فقرة خاصة بقضايا النساء، واعترف بالتمييز القائم ضدهن، وتعهد بالعمل على تجاوزه من خلال إحداث وزارة خاصة بشؤون المرأة تتعاون مع بقية الوزارات في المجال الحكومي. وباستعراض عام لما تحقق خلال السنوات القليلة الماضية نخرج بما يلي: 1 ـ صياغة استراتيجية وطنية لمناهضة العنف ضد النساء، وذلك بالتعاون بين الحكومة والجمعيات النسوية. ولم يقف هذا التعاون عند حد الصياغة، بل تعداه إلى عمل مشترك لترجمة هذه الاستراتيجية إلى خطوات عملية. فعلى سبيل المثال تساهم أغلب الجمعيات في دعم برامج الحكومة في محاربة الأمية وتحقيق إلزامية التعليم للفتيات، وكذلك في تأهيل النساء مهنياً، وفي نفس الوقت تساعد الحكومة الجمعيات في التصدي للتخفيف من عقابيل العنف الجسدي والنفسي الممارس ضد النساء، حيث تم تخصيص أقسام خاصة في المشافي ومراكز الشرطة لاستقبال النساء ضحايا هذا العنف ومن ثم يتم توجيه هؤلاء النساء إلى مراكز الإنصات والإرشاد النفسي والقانوني التابعة للجمعيات. 2 ـ ارتفع عدد النساء في البرلمان المغربي من امرأتين إلى 35 امرأة في آخر انتخابات برلمانية (مانسبته 11.5%)، وذلك بتعاون الجمعيات النسوية مع الأحزاب السياسية التي وقعت على ميثاق شرف بأن ترشح في لوائحها الوطنية نساء، الشيء الذي ضمن نجاح 30 امرأة في اللائحة الوطنية و 5 نساء في اللوائح الجبهوية (الانتخابات المغربية تقوم على أساس حزبي، بحيث يكون لكل حزب لائحة وطنية لعموم المغرب ولائحة جبهوية في كل محافظة). ويجري الآن دراسة الآليات التي تمكن من رفع نسبة تمثيل النساء في المجالس المحلية (البلدية). 3 ـ تعديل قانون العمل بما يكفل حقوقاً أفضل للمرأة العاملة، وكذلك إيراد خاصة تجرّم التحرش الجنسي بالنساء أثناء العمل. 4 ـ شكل الملك لجنة استشارية (تضم ثلاث نساء) لتقديم اقتراحات بتعديل قانون الأحوال الشخصية. 5 ـ تجاوز قطاعات هامة من المجتمع المغربي لحراجة الحديثة عن «محرمات»، ليست في حقيقتها أكثر من جرائم ترتكب بحق النساء. فعلى سبيل المثال هناك جمعية مشهرة للأمهات العازبات، وطبعاً لم تختر هؤلاء النساء هذا الوضع، فهن خادمات تعرضن لاغتصاب المخدومين (75%) والنسبة الباقية هي من فتيات قاصرات مغرر بهن. وهذه الجمعية تؤهل هؤلاء النساء (محو أمية ـ تأهيل مهني) بما يساعدهن في تجاوز المحنة القاسية التي عشنها، وبما يكفل ألا يسمى المولود «لقيطاً». ويبتاع المواطنون منتجات أكشاك الجمعية، ويرتادون مطعمها تعبيراً عن دعمهم للفكرة النبيلة التي تقف وراء عمل هذه الجمعية، والتي تخفف من معاناة الضحايا من النساء والأطفال. ولعل أبرز العوامل التي ساعدت في تحقيق هذه الإنجازات: 1 ـ الانفتاح الديمقراطي الذي سمح بحرية العمل للجمعيات النسوية. 2 ـ التاريخ النضالي للجمعيات النسوية والتي يغطي عملها (مجتمعة) كل مجالات التمييز ضد النساء، بحيث يكمل عمل بعضها عمل الأخرى، عبر تعاون إيجابي وآليات تشبيل تغلب المصلحة العامة على حساب الرغبة في التميز الفردي. 3 ـ اعتبار القضية النسوية قضية تقدم اجتماعي تتصدى لها كل قوى التقدم (الحكومة السابقة ـ أحزاب ـ جمعيات حقوق الإنسان ـ جمعيات أهلية مختلطة...) فعلى سبيل المثال خصصت أغلب الأحزاب التقدمية ما نسبته 25% من عدد هيئاتها القيادية للنساء تمكيناً للمرأة من الوصول إلى مواقع صنع القرار. 4 ـ فتح باب الاجتهاد الفقهي في ضوء نظرية المصالح المرسلة ومقاصد الشريعة السامية. 5 ـ حملات التوعية التي قامت بها الجمعيات والتي طالت الرجال والنساء معاً من مختلف الأعمار وفي التعليمين النظامي وغير النظامي. 6 ـ دعم منظمات الأمم المتحدة لبرامج الحكومة ونشاط الجمعيات. إن هذه الصورة التي قدمناها لا تعني أبداً أنها لا تخلو من السلبيات، بل إنها مجرد بداية طريق الألف ميل التي لم يُستطع حتى الآن سوى قطع القليل منها وهذا يعود برأينا إلى جملة الأسباب التالية: 1 ـ ما زال العمل متمركزاً في الدار البيضاء والرباط مع استثناءات في المحافظات الأخرى. 2 ـ حجم المشاكل الكبير الموجود في المغرب (فقر ـ أمية ـ بطالة ـ دعارة...). 3 ـ اشتداد الهجمة الأصولية التي أحست بأن مواقعها أخذت تهتز وبخاصة أمام الدعوة لانفتاح في الاجتهادات الفقهية. 4 ـ تراجع الحكومة الجديدة عن أساسيات اعتمدتها الحكومة السابقة، وتقزيم الوزارة المختصة بقضايا النساء إلى مجرد مديرية ضمن وزارة الشؤون الاجتماعية وذوي الاحتياجات الخاصة. إننا نعتقد أن تجربة المرأة المغربية والإنجازات التي تحققت خلال سنوات قليلة عبر تعاون جميع القوى المعنية لهي دليل على إمكانية العامل الذاتي في دفع مسيرة النهوض بواقع المرأة ـ على كل الأصعدة ـ إلى الأمام، ليس على المستوى النظري فحسب وإنما عبر ترجمتها إلى إجراءات واقعية (قوانين ـ تأهيل ـ فرص عمل...)، بما يخدم الهدف الاستراتيجي وهو الوصول إلى المساواة التامة في المجتمع عموماً.
رابطة النساء السوريات
|