|
النوع الاجتماعي والتحول الديمقراطي |
|
|
|
فردوس البحرة
|
|
2006-06-04 |
فردوس البحرةمقدمة: سجلت سنوات آخر القرن الماضي (كما يشير تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان) انتصارات قانونية لإنهاء التمييز بين الجنسين وانتهاكات الحقوق بسبب الجنس. فقد صادقت المملكة العربية السعودية على اتفاقية التمييز ضد المرأة. وسنت البيرو والمكسيك قوانين لزيادة فرص الحصول على خدمات صحية إنجابية. وعدّلت البرتغال دستورها لتكفل خدمات تنظيم الأسرة وشددت العديد من الدول على العقوبات لمختلف الجرائم الجنسية. ويتوفر الأساس القانوني لإنهاء التمييز من خلال معاهدات حقوق الإنسان بدءاً من ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي صاغتها الحكومات التي تأثرت بالحركة النسائية العالمية خلال عقود عديدة من القرن الماضي. وتلعب الحكومات دوراً رئيسياً في تهيئة الأوضاع اللازمة لتحقيق المساواة بين الجنسين بإزالة العوائق القانونية وتغيير السياسات والبرامج، فقضية تحرر المرأة ومساواتها ليست قضية نسوية فحسب بل هي قضية تهم المحتمع بأسره والنضال من أجل حقوق المرأة ليس نضالاً معزولاً بل هو مرتبط بنهوض المجتمع وتقدمه اقتصادياً واجتماعياً. تنص المادة 45 من دستور سوريا ما يلي: تكفل الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاجتماعية الثقافية والاقتصادية وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع العربي. والسؤال الذي يطرح هنا ما مدى مشاركة المرأة في بناء المجتمع؟ ماذا تعني عملياً وكيف تتجلى؟ المعوّقات والتحديات 1ـ المعوّقات الاقتصادية: بالرغم من المكاسب التي حققتها المرأة على صعيدي التعليم والقانون والمشاركة في الحياة السياسية لا يمكن أن يفوتنا تواضع مستوى المرأة الاقتصادي والاجتماعي فبالرغم من دخولها ميادين العمل إلا أنها وفي مجتمع يسوده النظام الأبوي بكل أبعاده ما زالت بعيدة عن تغيير موقعها في ميدان الإنتاج. فنسبة مشاركتها بالإنتاج لم تتعد (19.8%) عام 2000 يتركز معظمها في الريف ورغم تضاعف هذه النسبة عن عام 1970 حوالي مرتين إذ كانت النسبة (9.4%) فإن نسبة معدلات البطالة لديها ارتفعت عن عام 1970 من (4.4%) إلى (18.5%) عام 2000 ورغم قيام المرأة في الريف بدور أساسي في العمل الزراعي حيث تعمل (58.7%) من النساء العاملات في الإنتاج الزراعي يعتبر دورها ثانوياً في الحياة الاجتماعية والثقافية والتربوية بسبب انعدام استقلالها الاقتصادي حيث يعمل نسبة (47.2%) من هؤلاء دون أجر ويستبعدن من قوة العمل النسائي ومع أن القانون ساوى بينها وبين الرجل في الانتساب للجمعيات والتعاونيات الزراعية. فإن مساهمتها في هذا المجال محدودة جداً. وإن اشتداد الأزمة الاقتصادية دفع أعداداً واسعة من النساء إلى سوق العمل إلا أن عدم توفر الفرص بشكل كاف وغلاء الأسعار اضطر النساء إلى ممارسة أعمال مجهدة لسد الحاجات المعاشية ولو بالحد الأدنى. فازداد عدد العاملات (اللفايات) وبائعات البضائع المهربة وغيرها. يضاف إلى ذلك عدم توفر الخدمات الضرورية للمرأة العاملة كرياض الأطفال ودور الحضانة التي لا تتوفر بأعداد كافية مع ارتفاع أسعارها وانخفاض مستوى برامجها التريوية واكتظاظ مدارسها. كما أن عمل المرأة خارج المنزل وإنشغالها بالعمل المنزلي لعدم وجود مؤسسات خدمية لمساعدتها. وقيامها بتدريس أطفالها ومتابعة واجباتهم المدرسية يحد من خروجها إلى ميدان العمل الاجتماعي والسياسي ومن مساهمتها بالشأن العام. ب ـ المعوّقات الاجتماعية: إن انتشار الأفكار والموّروثات الاجتماعية التي تقول بأن المرأة كائن ضعيف يحتاج إلى حماية تكرس تبعية المرأة للرجل وتجعله صاحب الرأي في حياتها وعليها أن تطيعه وتؤمن راحته. وتترك له تقرير مستقبلها، تزويجها ـ مهرها ـ طبيعة عملها. ولعل ظاهرة الزواج المبكر للفتاة في الريف خاصة حيث تستفيد الأسرة من مهرها لتزويج أخيها. أو تتزوج بالمقايضة مع أبيها أو أخيها (في بعض مناطق ريف حماة). من أهم المعيقات الاجتماعية إضافة إلى ذلك ظاهرة تعدد الزوجات للحصول على يد عاملة مجانية وجيش من الأيدي العاملة شبه مجانية للعمل في الأرض. إلا أن ارتفاع نسبة التعليم بين الفتيات بسبب قانون التعليم الإلزامي تساهم في القضاء على ظاهرة الزواج المبكر وتشير الإحصائيات إلى وصول نسبة التعليم بين الفتيات في المرحلة الابتدائية إلى (47%) من إجمالي عدد الطلاب عام 1999. إلا أن ظاهرة الأمية ما لبثت أن عادت وانتشرت نتيجة التسرب الدراسي بين الأجيال الأكبر سناً من التعليم الابتدائي. وصعوبة المواصلات ونقص المدارس الإعدادية في الريف مما أدى إلى تراجع في مستوى الفتيات التعليمي وعودة قسم كبير منهن إلى الأمية. تشير الإحصاءات إلى أن نسبة طالبات الابتدائي في التعليم الإعدادي تبلغ (58.9%) وتبلغ نسبة استيعاب الذكور في نفس المرحلة (52.1%) والمجموع (55.6%) من مجموع طلاب المرحلة الابتدائية ويعود السبب في الانخفاض إلى ترك الطلاب للدراسة لدخول سوق العمل وإلى زواج الفتيات أو تفرغهن للأعمال المنزلية ونشير هنا إلى أن صدور القانون الأخير في سورية بإلزامية التعليم حتى نهاية المرحلة الإعدادية سيشكل عاملاً حاسماً لا يستهان به في تقدم المرأة عن طريق تعليمها وارتفاع سن زواجها ووعيها لما حولها ومشاركتها بالحياة العامة (القانون قيد التصديق في مجلس الشعب). ـ ويلعب الإعلام دوراً في تكريس الصور الخاطئة عن المرأة حيث تعرض برامج ومسلسلات تجعل مكان المرأة الطبيعي في المطبخ والبيت وتجعل العمل من مهام الرجل وحده إضافة إلى إظهار المرأة التي تهتم بالسياسة والشأن العام بصورة المرأة المعقدة والمسترجلة مما يدعو للسخرية منها. وهكذا وبرغم احتلال نسبة من النساء لمكانة متقدمة في المجتمع فإن واقع المرأة الاجتماعي ظل بطيء التغيير. فلا بد من تحرير المرأة من تبعيتها وجهلها وتطوير القوانين لتساهم في تحررها من الأعباء التي تثقل كاهلها ولا تسمح لها بتكوين الوعي اللازم للمشاركة في الحياة العامة وممارسة حقوقها السياسية والاجتماعية. ج ـ المعوّقات القانونية: كفل الدستور للمرأة المساواة مع الرجل أمام القانون في الحقوق والواجبات وتنامي دورها في السلطتين التشريعية والتنفيذية وفي العمل والتعليم. وأعطاها قانون العمل والقانون المدني المساواة فيما يتعلق بالعمل وممارسة كافة الفعاليات الاقتصادية. إلا أن الحيف الواقع على المرأة يتجلى في قوانين الجنسية والعقوبات وقانون الأحوال الشخصية وبالرغم من كون المرأة قاضياً فهي نصف شاهد ونصف وإرث ومطلقة دون قيد ولا شرط. تحضن ابنها دون ولاية ولا تملك الحق بمنحه جنسيتها، ويمنح قاتلها عذراً مخففاً في (الحالة المريبة) تتيح له التخلص منها بشتى الأعذار. التدابير المقترحة لتفعيل مشاركة المرأة في العمل السياسي: 1ـ دراسة علمية للعوامل التي تلعب دوراً في تكريس وضع المرأة المتدني مع دراسة التطورات التي طرأت على عملها، وتعليمها، الأسباب، النتائج، وعدم الاقتصار على محاولة حل مشاكلها بمعزل عن المشاكل الأخرى في المجتمع وتركها للمبادرات العفوية. 2ـ العمل باتجاه تطوير المرأة عن طريق رفع مستواها التعليمي وفتح أبواب العمل أمامها. ولا شك أن تعليمها ودخولها ميادين العمل واستقلالها الاقتصادي وسيطرتها على مواردها يرفع سويتها ويجعلها تعي مسؤوليتها في بناء الوطن وفي مصيرها الشخصي. 3ـ تطوير وتحديث القوانين والتشريعات انسجاماً مع اتفاقية عدم التمييز ضد المرأة وإصدار قانون مدني للأسرة يضمن حقوق أفرادها ويكرس المساواة الفعلية بين المرأة والرجل ويوفر الحماية للنساء من العنف ويساهم بالقضاء على العادات والتقاليد البالية التي تعيق مساهمتها في بناء مجتمع متحرر عصري وديمقراطي. ونشير هنا إلى ضرورة التوقيع على اتفاقية إزالة التمييز ضد المرأة). 4ـ التوعية بقضايا الجندر وأهمية تبادل الأدوار ضمن الأسرة مع توفير المؤسسات الاجتماعية والخدمية، للتخفيف من أعباء المرأة المنزلية بكلفة رخيصة (دور حضانة ـ رياض أطفال ـ مطاعم شعبية) لضمان توفير حيز زمني للمرأة لممارسة اهتماماتها الشخصية ولمشاركتها في الميدان الاجتماعي والثقافي والسياسي. 5ـ تطوير النظرة إلى المرأة وتطوير المناهج بما يكرس المساواة الفعلية بعيداً عن الصور النمطية السائدة واستبدالها بمفاهيم جندرية. وتوظيف وسائل الإعلام التلفزيون والصحف والمجلات لإدانة المفاهيم المتخلفة وتقديم صورة صحيحة عن المرأة العاملة والفلاحة والمثقفة ومتطابقة مع التطورات الجارية في البلاد ومع روح العمر تساهم في التأثير على الرأي العام وتدعم تفعيل دور المرأة على الصعيد السياسي والاجتماعي. 6ـ توفير التأهيل اللازم للمرأة ثقافياً وإدارياً وسياسياً لتمكينها من القيام بدورها مع إيفادها للحصول على التدريب اللازم والجرأة في تقديمها للمراكز القيادية في العمل والمجتمع. 7ـ تشجيع المرأة على المشاركة في الانتخابات على مختلف المستويات النيابية، المحلية ، المجتمعية، النقابية، الحزبية. مع تأمين الدعم اللازم لها من الأحزاب والحكومات والنقابات والجمعيات. 8ـ تفعيل دور المرأة في الأحزاب السياسية وزيادة مشاركتها في المستويات القيادية وتمكنيها من أداء دورها برفع وعيها بأهمية مشاركتها في صنع القرار السياسي. 9ـ تنسيق جهود المنظمات الحكومية وغير الحكومية ومنظمات المجتمع لتشجيع المرأة للمساهمة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتحقيق طموحاتها. 10ـ تشجيع العمل الأهلي وشرعنة المؤسسات الأهلية وقنواتها وتشجيع الانفتاح الديمقراطي والممارسات الديمقراطية داخل الأحزاب والجمعيات لتفعيل العمل السياسي ضمنها وفسح المجال للمرأة للمشاركة فيها وتكوين اتجاهاتها السياسية السليمة ووصولها إلى مراكز القرار ضمن هذه الأحزاب والجمعيات لإحداث نهضة شاملة في حياة البلاد. (1) ـ مداخلة قدمتها الرفيقة فردوس البحرة في ندوة الجندر والعمل السياسي عقدت في الأردن في آذار 2002.
رابطة النساء السوريات
|