|
حقوق المرأة والبناء الثقافي |
|
|
|
د. كمال اللبواني
|
|
2006-06-04 |
د. كمال اللبوانيلا تتعلق قضية حقوق المرأة -براهنيتها ومحليتها- مباشرة بالسياسة، قدر تعليقها بالأساس التحتي لهذه السياسة (أقصد الثقافة).. فالذي يقف حجر عثرة أمام إنجاز القفزة الحقيقية المطلوبة لسد فجوة التخلف في مجال حقوق المرأة ليست السلطات السياسية، بل البناء الثقافي (حيث تعمدت السلطات أحياناً تبني مواقف اعتبرت متطرفة في مواجهة الثقافة التقليدية). فبعد حدوث تغيرات اقتصادية كافية (أهمها تعميم علاقة الإنتاج الرأسمالية على المجتمع) بقيت هذه التغيرات معرقلة، وعاجزة عن ترجمة ذاتها إلى متغيرات ثقافية تستطيع فرض نفسها على النظام السياسي الحقوقي القانوني الذي يكرس الحقوق المدنية الحديثة على الأرض. صحيح أن الرخاء الاقتصادي واستقلال المرأة الاقتصادي وضمانات الأمومة والطفولة، كلها مستلزمات ضرورية جداً لتحقيق تحرر المرأة، وهي غير متوفرة في الدول المتخلفة، لكن المشكلة الكبرى عندنا تكمن في البناء الثقافي، في العادات والتقاليد المرتبطة بمنظومة دينية مغلقة شمولية ما تزال قوية ومتماسكة وتتحكم بالثقافة وتفرض كبتاً وقمعاً لكل تغير ثقافي حتى لو كان متناسباً مع التغيرات الاقتصادية التحتية ومع المناخ الجديد ومع منظومة القيم الجديدة التي يتصف بها هذا العصر والتي صارت سائدة في كل دول العالم عدا الإسلامية منها.. لقد أنجزت كل شعوب الأرض المهمة العلمانية واستطاعت تحييد الدين وفصله عن الحياة المدنية والسياسية والحقوقية الحديثة التي لم تعد بحاجة لمنظومات إيمانية تعتمد عليها في تعزيز وحدة وقانون الجماعة .. وهذا تطلب مرحلة نضالية طويلة، وتطلب تغييرات في بنية المجتمع والدولة وفي بنية ودور وطريقة ممارسة الأديان، وهذا كله لم يحدث حتى الآن في البلدان الإسلامية.. فالجميع يتهرب من هذه المهمة الصعبة والخطرة، فيما عدا القلة التي انتقلت للجهة المعادية تماماً لكل ما يتعلق بالدين، وحاولت إنكاره وحذفه تماماً قبل أن يستنفذ وظائفه الاجتماعية والثقافية التي ما تزال ضرورية على الأقل بالنسبة لأعداد ومجموعات كبيرة وشرائح واسعة من المجتمع، لم تتمكن إلى الآن من الحصول على البدائل الأحدث والأكثر فعالية (المتمثلة في دولة الحق والقانون الديمقراطية الحديثة)، ولا تفكر حتى الآن بالتخلي عن منظومة عقائدية ما تزال بالنسبة لها تساعدها على التأقلم مع واقعها، هذه الشرائح ينطبق عليها مصطلح التيار السلفي التقليدي... لكن ما يزيد صعوبة تحقيق العلمانية هو وجود قوي سياسية ثقافية تستخدم الدين وتوظفه في مشروعها السياسي، فالأصوليون، لا يرون في الدين ثقافة وقيماً وعاداتٍ فقط، بل أداة أيديولوجية تخدم مشروعاً سلطوياً يقوم على استخدام الدين في السياسة الحديثة متجاوزاً إطار الثقافة، أي أنهم يشكلون نزعة مضادة تماماً للعلمنة، وبالتالي مضادة لتحرر المرأة، فهم يتعمدون تكريس قيم الكبت الجنسي، وقمع المرأة، ثم يستخدمون التوتر الناجم عن هذا الكبت في توليد التعصب والدوغمائية والعنف السياسي الضروري لفرض تصوراتهم والهادف لإحكام قبضتهم على المجتمع ثم الدولة.. فمما لا شك فيه أن يكون التيار الأصولي هو الأكثر معاداة لحقوق المرأة والأكثر عنفاً ضد من يتبناها فكراً أو ممارسة، والأكثر خطراً على مستقبلها. فصعوبة تحقيق العلمانية تكمن في الدين الإسلامي ذاته، في قوة وتماسك وانغلاق منظومته الإيمانية.. وفي كون الإسلام ديناً نشأ في المناطق والبيئات الأكثر جفافاً وقساوة.. وتبني الثقافة البدوية الصحرواية الشديدة القساوة بالنسبة للجنس والمرأة والتي رسخت نفسها بشدة في الفقه الإسلامي، حتى صار الإسلام (دين المحرمات الجنسية بامتياز) يمتاز بنظام احتجاب خاص بالمرأة هو الأقسى في العالم يجعل المرأة في وضع لا يسمح لها أبداً بالحصول على أي امتيازات تتمتع بها غيرها من النساء، بل يجعلها تعيش في سجن متكامل مقيدة من الداخل والخارج بكل أنواع وأشكال القيود. إذاً يجب علينا الاعتراف بوجود تناقض كبير وجوهري بين الإسلام بشكله لحالي وبين حقوق المرأة، وهذا يتطلب مناقشة طروحات الإسلام التي تقول أنه أعطى المرأة حقوقها وحقق لها كرامتها، أو أن الإسلام دين منزل غير قابل للنقاش وما علينا سوى تنفيذ الأوامر الإلهية، أو أن الوحي قد انقطع وبالتالي عملية تطوير الدين هي عملية مستنكرة، أو حتى مناقشة تغير آليات ودور الديانات في تنظيم المجتمعات، وأمام هذه الصعوبات كلها نقف حائرين، هل هناك حاجة للمجابهة مع الدين وعلى أي مستوى، وهل شروط المعركة متوفرة وما هي الأسلحة أو المناهج المعرفية التي نستخدم، أو ما هي الطروحات التي تستطيع أن تحقق نجاحات في صعيد عملنا، وهل من الممكن زوال أثر الدين من حياتنا، بالفعل هذه المعضلة ستحكم العقود القادمة من الحراك الثقافي السياسي في كل المجتمعات الإسلامية، وهذا لا يعني أن المعركة لم تبدأ أو أن المتغيرات على الارض ليست كبيرة ومتزايدة، بل يعني خروج الصراع من مستوى التدنيس غير الشرعي للنظام المهيمن إلى ساحة الحوار الشرعي المفتوح والصراع الثقافي العلني والحر، وهذا يتطلب أولاً اكتساب شرعية نقد الدين وحراسة تلك الشرعية من قبل القوى والسلطات السياسية التي ما تزال تخشى كثيراً المجابهة الثقافية وتفضل مسايرة التيار الديني ومنع كل فكر يتجه لإثارة هذه المناقشة، فرقابة وزارة الإعلام مثلاً، قد تتسامح مع نقد السلطة ولا تتسامح أبداً مع أي نقد موجه للدين. باختصار يجب العمل من أجل تدعيم حرية التعبير وبشكل خاص حرية مقارعة المنظومات الدينية بالحجة، ثانياً تدعيم العلمانية، ثالثاً إيجاد نظام حقوقي مدني ونظام زواج مدني بالموازاة مع النظام الديني الحالي تراعى فيه الحقوق المتساوية بين الرجل والمرأة، رابعاً تدعيم استقلال المرأة الاقتصادي وشروط عملها، خامساً إيجاد نظم رعاية أقوى وأشمل للأمومة والطفولة.
رابطة النساء السوريات
|